عيسى إبراهيم * * خبر صغير في حجمه، كبير في مغزاه، ناهض بالأمة في محتواه، أوردته صحيفة التغيير الالكترونية "الغراء"، "الجميلة ومستحيلة"، يوم الأربعاء الماضي 16 سبتمبر 2015، عنوانه: "مقتل شاب على يد قوات "الدعم السريع" بسبب فتاة"، الخبر يقول في غير مواربة ولا مداراة: 

1/ قتل شاب بوادي نيالا “شارع زنقو” رميا بالرصاص على يد قوات “الدعم السريع” صباح اليوم.

2/ وكان الشاب القتيل”هارون” قد اشتبك مع ثلاثة أفراد من قوات “الدعم السريع” تحرشوا بفتاة وضربوها أثناء مقاومتها لهم فتدخل القتيل للدفاع عنها فأطلقوا النار عليه وأردوه قتيلا .

 3/ وعلمت”التغيير الإلكترونية” من مصادرها ان القتيل اشتبك مع احد المتحرشين وعندما عجز عن مقاومته صوب له الآخر رصاصة أسفل الصدر فأردته قتيلا ونقل الجثمان الى مشرحة نيالا.

4/ يذكر ان مدينة نيالا شهدت كثيرا من أعمال القتل والاغتصاب والسلب والنهب على يد قوات “الدعم السريع” التي سبق ان حاصرت المدينة واستباحتها  لمدة ثلاثة ايام!.

 * بالله عليكم قولوا لي ماذا بقي لنا لنعيش من أجله إن لم نقف موقف هذا “الهارون” الشهم، الشجاع، الناجد لمستغيثة من أيدي أشرار، بغاة، شذاذ آفاق، سارقين، مارقين من كل قيدٍ ومكرمة، أذلاء، خبثاء، منتهكي عروض، سفلة، مجرمين، عنصريين، ويقول بيان رئيس دائرة الاعلام بجهاز الأمن والمخابرات (أوردته سونا ونشرته سودانايل الالكترونية 6 سبتمبر 2015 وأشارت إليه التغيير الالكترونية في خبرها بتاريخ 8 سبتمبر 2015)  واصفاً ما قامت به قوات الدعم السريع قرب مصفاة الجيلي في الطريق العام: “بأنه تصرفات غير مسؤولة، وأنه محض تصرف عابر لن يؤثر على مسيرة قوات الدعم السريع وإسهامها المشهود في تأمين الوطن والمواطن وقطع دابر التمرد البغيض” (حسب رأي البيان)، فماذا يمكنه أن يقول عن هذه الجريمة النكراء وملابساتها وأحداثها الظرفية؟!.

* كنت أتحسر ومازلت حينما حالت تصرفات متنفذي الانقاذ عبر ربع قرن من الزمان بين الشعب السوداني والقيام بإعمال ثقافته الأصيلة في النجدة، واغاثة الملهوف، والأجاويد (لا يهمهم من المخطئ ومن المصيب وينصب جل همهم على الحيلولة دون اشتباك الخصمين في الشارع العام دون سابق معرفة بأيهما)، والأدلة كثيرة وماثلة للعيان، بحجة المتنفذين ينتمون إلى جهة تسندهم:

1/ أولاها حادثة “مصفاة الجيلي” رغم أن الموقف كان قد تكشف للموقوفين عنوة في الشارع العام أن ما يجري هو سطو مسلح على آمنين في الشارع العام فلم يكن بينهم “هارون” ليقوم بالعمل المناسب ولا يخشى في الحق لومة لائم، وحينما لجأوا (أعني الموقوفين عنوة) إلى الشرطة ردتهم خائبين بعدم كفاية الأدلة!.

2/ شابة سودانية طالبة جامعية استنط أحد اللصوص لها وهي تملي رقم موبايلها إلى محل “شحن رصيد” فحفظ الرقم، وركب معها في الحافلة، ثم انتفض قائماً كالملسوع وقال: يا أخوانا أنا موبايلي اتسرق، وأملى رقمه (رقم الفتاة طبعاً) للمساعدة، وحينما رن الموبايل في حقيبة الطالبة عاجلها “بكف” وأدخل يده عنوة في الحقيبة وحمل الموبايل ونزل، لم يتحرك من في الحافلة لنجدة الفتاة باعتبارها سارقة، وحتى لو كانت سارقة أليس من حقها أن تعامل معاملة كريمة حتى تثبت ادانتها؟!، وقفت الفتاة بعد برهة وقد فاقت من الصدمة وقالت لركاب الحافلة: والله الموبايل دا حقي!، أين أنت يا هارون “زنقة” نيالا؟!.

3/ شابة سودانية تتلقى كورساً دراسياً بسوق الخرطوم أوقفها أحدهم في الشارع العام بعد أن شاهد موبايلها الـ “سامسونق كامل الدسم”، بحجة أنها من المشتبه بهم، وأوهمها أنه يتصل بأحد المتنفذين ويطلب حضوره لمعاينة المشتبهة، أثناء محادثته، رن موبايل الشابة فأخرجته لتتحدث، ضرب من يدها الموبايل وأخذه في يده، وقال لها : “انتظري هنا لغاية ما أجيك”، وقفت الشابة واجمة في انتظار من أوقفها، سألها أحدهم وهو ملم بما يحدث أمامه ولم يتدخل لنجدة الشابة:

–              منتظرة شنو إنتِ؟،

–              منتظرة الزول دا!،

–              يابت دا حرامي شال موبايلك وبس!،

–              (قالت متحسرة): “لاكين انتو وينكم”؟!.

يابتي قولي: وينو هارون “زنقة” نيالا؟!، خال فاطنة البدرج العاطلة، والـ “بينجد المستغيثة” وإن لم تستغث، “يا حليلُم دوام بطراهم“!.

             ليست المدينة الآن هي مدينة “نيالا” وإنما هي مدينة “هارون”!، قال الله في محكم تنزيله: “إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين” ونقول: “إن هارون “زنقة” نيالا، كان أمة سودانية تبحث عن كرامتها وعزتها، اللهم إنه جاء إليك في أكرم موقف وأعظم مشهد، اللهم أكرمه وأعزه وأنزله منزلاً مباركاً، واغرسه في أمتنا عميقاً لعله يحييها من مواتها، فأنت أكرم مسؤول وأعظم مجيب“..

 

* eisay@hotmail.com