التغيير: العربي الجديد عند صلاة الفجر، يبدأ محمد (عشرة أعوام) بتجهيز نفسه ليصطحب شقيقته الصغرى إلى المدرسة، التي تبعد بضع كيلومترات عن المنزل. وعند الظهيرة، يذهب إلى المدرسة لإعادتها إلى البيت. بات هذا برنامجه اليومي، بعدما فقد فرصته في التعليم بسبب عجز أسرته عن دفع رسوم مدرسته.  

الفقر أجبر محمد وأشقاءه على ترك المدرسة على الرغم من تفوقهم. لكن الأسرة بدت عاجزة عن تأمين رسوم ثلاثة من أولادها، لتبقى الابنة فقط في المدرسة، فيما بدأ أشقاؤها المساهمة في إعالة الأسرة. يقول محمد لـ “العربي الجديد” إنه ترك المدرسة في الصف الثالث ابتدائي، علماً أنه كان يحب الدراسة. لكن ظروف أسرته منعته من الاستمرار، وصار يبيع المناديل الورقية على مقربة من المنزل. يضيف: “كنت أتمنى أن أذهب وشقيقتي إلى المدرسة، بدلاً من أن أودعها وأبيع المناديل”.

تقول منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) إن هناك ثلاثة ملايين طفل سوداني خارج المدرسة، عازية السبب للحرب والفقر. ويقول ممثل المنظمة جيرت كابليرو إنه “على الرغم من زيادة نسبة الأطفال الذين يذهبون إلى المدرسة بنحو 8 في المائة خلال الأعوام العشرة الأخيرة، إلا أن وجود ما يزيد عن ثلاثة مليون طفل خارج المدرسة أمر محزن”.

يضيف أن نسبة الذين كانوا يذهبون إلى المدرسة عام 2006 بلغت 68 في المائة، لترتفع إلى 75 في المائة في الوقت الحالي. ويؤكد أن البعض في المجتمع السوداني لا يرون أي أهمية في تعليم الأطفال، وتحديداً الفتيات، الأمر الذي فاقم مسألة التسرب المدرسي، بالإضافة إلى الفقر والنزاعات وغيرها. ويلفت إلى أن اليونيسيف، تسعى بالتعاون مع الجهات المتخصصة، إلى القضاء على ظاهرة التسرب.

في السياق، تقول أم محمد لـ “العربي الجديد” إنها لطالما حلمت بتعليم أبنائها، لكنها بالكاد تتمكن من تأمين ثمن الطعام. تضيف أنها أخرجت أطفالها من المدرسة بعدما عجزت عن تأمين رسوم مدرستهم الحكومية.  

إلى ذلك، تؤكد وزارة التربية السودانية أن تعليم الأطفال شهد تطوراً خلال الفترة الماضية، مشيرة إلى أن “اليونيسيف” اعتمدت على إحصائية قديمة تعود إلى عام 2011. ويقول مدير الإدارة العامة للتخطيط التربوي في الوزارة محمد سالم قطبي إن عدد الملتحقين بالمدارس بين عمر الست سنوات وستة عشر عاماً خلال عام 2011 بلغ نحو أربعة ملايين و177 ألفاً، أي بنسبة 57.3 في المائة، في مقابل نحو ثلاثة ملايين و97 ألفاً خارج المدرسة، أي بنسبة 42.7 في المائة. وفي دراسة أخرى أجريت بين عامي 2014 و2015، تبين أن عدد الأطفال الملتحقين بالمدرسة ارتفع إلى 66.2 في المائة، فيما تقلص نسبة من هم خارج المدرسة إلى 33.8 في المائة.  

ويؤكد قطبي أن هناك عملاً مكثفاً وتنسيقاً على مستوى الولايات، مرجحاً انتهاء ظاهرة الأطفال المتسربين خلال 12 عاماً. ويشير إلى استراتيجيات عدة وضعتها الوزارة لتحقيق ذلك الهدف، من خلال الاستفادة من خطة تطوير التعليم في الوطن العربي، فضلاً عن تطوير الخطة الوطنية للتعليم في السودان، والخطة الخاصة بأهداف التعليم للجميع، مؤكداً أنها ستنطلق بحلول عام 2016 وتمتد حتى العام 2030. يضيف أن “البداية ستكون من خلال وضع استراتيجية للأطفال خارج المدرسة بالتنسيق مع الوزارات في الولايات”.  

إلى ذلك، يشكو تربويون من ضعف إنفاق الدولة على التعليم، التي تعد الأدنى في موازنة الدولة، فضلاً عن ضعف تأهيل المدرسين. ويشيرون أيضاً إلى وجود مشكلة في المناهج، كونها لا تتناسب وقدرة التلاميذ على الاستيعاب.  

ومع وصول النظام الحالي إلى السلطة عام 1989، عمد الي تغيير المناهج التعليمية، فضلاً عن تعديل عدد سنوات المراحل التعليمية من ست سنوات خلال المرحلة الابتدائية، وثلاثة سنوات خلال المرحلة المتوسطة، وثلاثة في المرحلة الثانوية، إلى ثماني سنوات في المرحلة الأساسية وثلاث في المرحلة الثانوية ليقتصر نظام التعليم في السودان على 11 عاماً، ما يخالف المعايير الدولية، الأمر الذي أقرت به وزارة التربية والتعليم في البلاد.  

في ذلك الوقت، أي قبل نحو 20 عاماً، قوبلت هذه الخطوة بانتقادات كثيرة. ورأى البعض أنها ستؤدي إلى تدهور قطاع التعليم. وأخيراً، اعترفت الحكومة بفشله، وأكدت أن التطبيق صاحبه كثير من السلبيات، معلنة العودة إلى النظام القديم  “6. 3. 3” خلال العام الحالي. ويقدر خبراء تربويون كلفة إعادة تأهيل التعليم في السودان بنحو أربعة مليارات دولار.