التغيير: العربي الجديد قدّر اقتصاديون الفجوة الدولارية التي خلقها عدم التوزان في الاقتصاد السوداني، بمبالغ تتراوح بين 6 إلى 7 مليارات دولار في العام، الأمر الذي أحدث تصاعداً جنونياً في سعر الدولار مقابل العملة الوطنية، إذ سجل أعلى مستوى له الأسبوع الماضي 10.20جنيهات، بينما سجل يوم الخميس 9.950 جنيهات للدولار الواحد.

ومع انفصال جنوب السودان وانسحاب إيرادات البترول جنوباً فقدت الخزينة العامة للدولة السودانية ما نسبته 75% من العملات الصعبة التي كان يجنيها من إيرادات النفط الجنوبي، ليدخل السودان بعدها مباشرة في أزمة شح العملات الصعبة التي فشلت حتى الآن كافة جهود الحكومة في تداركها.

ومنذ انفصال الجنوب يواجه بنك السودان المركزي، صعوبة في توفير الدولار لشراء الواردات، الأمر الذي أثر سلباً على الخدمات الأساسية، وعلى السوق السوداني الذي شهد ارتفاعا كبيرا في أسعار السلع ووصل في بعضها إلى 300%.

ويشتكي المستوردون من عدم توفير الحكومة للعملات الصعبة لجلب احتياجات البلاد من الأدوية ومواد أساسية أخرى، رغم قراراتها المتكررة بالتوفير، لا سيما مع تفاقم أزمة الدواء.

وعمد عدد من المستوردين إلى تقليص عملية استيراد الأدوية إلى الثلث بسبب شح الدولار، إذ يطالب المستوردون بتوفير 300 مليون دولار سنوياً، وهو مبلغ عجزت الحكومة عن توفيره رغم الوعود المتكررة، فسابقاً كانوا يحصلون على 750مليون دولار سنوياً.

وسجلت معدلات الاستثمار الأجنبي في السودان انخفاضاً، بعد أن كان يحتل الموقع الأول عربياً، من ناحية جذب الاستثمار الأجنبي والثاني أفريقياً، حيث قادت الأزمة العالمية، فضلاً عن انفصال الجنوب، تراجع الاستثمارات بمعدل كبير. وفي تقرير لوزارة الاستثمار قدمته للبرلمان الأسبوع الماضي، اعترفت وزارة الاستثمار بأن عدم استقرار الوضع الاقتصادي قاد لتوقف العديد من المشروعات الاستثمارية، فضلا عن تردد الراغبين في الاستثمار، بسبب نقص النقد الأجنبي لمقابلة تحويلات المستثمرين.

وقال مصدر بوزارة الاستثمار لـ “العربي الجديد” إن 50% ممن أبدوا رغبتهم في الاستثمار خلال الفترة من 2005 وحتى 2009 تراجعوا أخيراً. وأشار المصدر إلى المشاكل الأساسية التي يواجهها المستثمر الأجنبي في ما يتصل بتحويل أرباحه بالدولار فضلاً عن توفر العمل.

وأكد أن المصارف فشلت تماماً في توفير العملات الأجنبية للاستيراد، الأمر الذي قاد المستوردين للشراء من السوق الموازية “السوداء” لفتح الاعتماد. وأوضح المصدر “هذا النقص في الدولار ينسحب على أسعار السلع”.

وأدت الأوضاع السياسية والاقتصادية المتأزمة في البلاد إلى هروب رجال أعمال سودانيين، وضخ استثماراتهم في إثيوبيا. وسبق أن أقر وزير الاستثمار السوداني السابق مصطفى عثمان إسماعيل، بانتقال 723 مشروعاً لمستثمرين سودانيين إلى إثيوبيا، تبلغ في جملتها 928 مليون دولار.

وسجل معدل الاستثمار انخفاضاً في إجمالي الناتج المحلي من 20% في عام 2010م إلى 18% في عام 2014م، بينما انخفض معدل الاستثمار التنموي الحكومي من 3% إلى 1.5% خلال تلك الفترة؛ وهو امر يراه اقتصاديون نتاجا طبيعيا للجوء الحكومة إلى اعتماد سعر الصرف المرن.

ويقول المحلل الاقتصادي أحمد سمير لـ “العربي الجديد ” إن عدم استقرار سعر الصرف يقود بشكل مباشر لفقدان الثقة من قبل المستثمرين الأجانب والوطنيين في البلاد، فضلاً عن أنه يقود إلى التضخم؛ والذي بدوره يرمى أعباء ارتفاع الأسعار على المواطن بجانب تأثيره على الاقتصاد الكلي وعلى النمو.

ورجح أن يقود تصاعد أسعار الدولار المستثمرين في السودان نحو شراء العقارات والذهب، فضلاً عن الاستثمار في الدولار نفسه، الأمر الذي ستؤدي نتائجه الحتمية إلى انكماش الاقتصاد.

ويؤكد اقتصاديون أن أزمة النقد الأجنبي التي يعاني منها السودان أثرت سلباً على مجريات الاقتصاد ككل في ما يتصل بارتفاع معدلات التضخم، والتأثير على حركة الاستثمار وتراجع حركة الاستيراد، في ظل ارتفاع أسعار الدولار وعدم توفره.

ووفقاً لإحصائيات البنك المركزي لعام 2013 بلغ استيراد السلع الغذائية في السودان ثلاثة مليارات دولار منها 800 مليون دولار قمحا وسكرا.

من جانبه استبعد الخبير الاقتصادي أحمد كمال أن تنجلي أزمة الدولار في الوقت الراهن باعتبار أنها مرتبطة بأزمة الاقتصاد الكلي، الأمر الذي رجح ان يكون فيه مزيد من هروب رؤوس الأموال الأجنبية والمحلية، لا سيما في ظل شح العملات. وقال “يلجأ المستثمرون للسوق السوداء التي لا توفر لهم هامش ربح مجز.

وأوضح “طالما أن المستثمرين لن يستطيعوا تحويل أرباحهم عبر البنك سيفكرون في التهريب بدلاً عن الخسارة “. وأكد أن أزمة ارتفاع الدولار تؤثر على التضخم، وتقود لتآكل دخول المواطنين، وأضاف “وبالتالي تؤدي إلى مزيد من الفقر”، أما محمد عبد الله فيقول إن استقرار سعر الصرف لأية عملة يتحقق بالإنتاج لتقليل الوارد وزيادة حصيلة الصادر؛ وهو أمر رأى أنه لم يتحقق حالياً.