بابكر فيصل بابكر قال وزير الدولة بوزارة العدل أحمد أبوزيد في خطابه أمام جلسة نظمتها الحكومة بمجلس حقوق الإنسان  بجنيف الأسبوع الماضي معلقاً على جرائم الإغتصاب : " لا نحتاج للإغتصاب لأن لدينا تعدد الزوجات ، ونحن مسلمون لدينا تدابير، ولا حاجة لنا لهذا النوع من الجرائم المنتشرة في الغرب".

حديث الوزير هذا لا يخرجُ عن دائرة “الهتاف” الذي لا يجد ما يسندهُ من أدلة وبراهين موضوعية تثبت أنَّ تعدد الزوجات هو “الحل” لمشكلة جرائم الإغتصاب, وأنَّ “المسلمين” لديهم تدابير تمنع وقوع هذه الجرائم البشعة.

وكنتُ قد كتبت في السابق مقالاُ يناقشُ بياناً صادراً عن حزب التحرير الإسلامي حول نفس الموضوع, والأمر المشترك بين كلام الوزير أبوزيد وبيان حزب التحرير هو غياب “المنطق العقلاني” في تناول أسباب إنتشار الظاهرة وكيفية مواجهتها.

وقد إرتأيتُ إعادة نشر ذلك المقال الذي يُفند الحديث “الفطير” الذي ساقه الطرفان حول هذه القضية الخطيرة.

كثر الكلام حول حوادث إغتصاب الأطفال التي إزدادت بصورة كبيرة في الآونة الأخيرة, وهى حوادث خطيرة و مُفزعة ومُحزنة لأنها تتعلق بأكثر الفئات المُجتمعيَّة ضعفاً : الأطفال. وهى فئة لا تملك إمكانية الدفاع عن نفسها في مواجهة المُعتدين,بل يتحملُ مسئولية الدفاع عنها المُجتمع بأكمله وليس الأسرة فقط.

وقد لا حظتُ أنَّ مُعظم ما كتب حول هذه الظاهرة تراوح بين الإثارة, والتناول العاطفي, والحديث اللاعقلاني المُفتقد للنظرة العلمية العميقة. ويُمكننا أن نعزي ذلك – في وجهة نظري – إلى خللٍ عام في منهج تفكيرنا أسماهُ المرحوم فرج فودة بمنهج “هات من الآخِر”, بمعنى انَّ هذا المنهج لا يكترثُ “لأسباب” الظاهرة, وإنما يهتمُّ فقط “بنتائجه”.

وهو كذلك منهجٌ كسولٌ, قصير النفس, لا يحتملُ التأمُّل الطويل والتحليل والتفكير العميق في أسباب الظواهر الإجتماعية, ويعتقدُ أصحابهُ أنَّ لديهم حلاً “سحرياً” سيُحوِّلُ المُجتمع إلى “مدينةٍ فاضلةٍ” بين عشيِّةٍ وضُحاها.

هذا الحل لخصَّهُ حزب التحرير الإسلامي – ببساطة شديدة – في ضرورة العودة إلى “دولة الخلافة الرَّاشدة”. وكان الحزب قد أصدر بياناً تحت عنوان :  ” جرائم إغتصاب الأطفال من ثمرات الحضارة الغربية الآسنة ” تناول فيه  ظاهرة إزدياد حالات إغتصاب الأطفال, وقال إنَّ “ظاهرة الإغتصاب تعزى لسببٍ واحدٍ وهو عيش المسلمين في مجتمعاتٍ غير إسلامية).

عنوان بيان حزب التحرير يُعبِّر عن حالة نموذجية من حالات تجلي منهج التفكير العاطفي اللاعقلاني الذي يُرجع كل مشاكل مُجتمعنا لشيطانٍ مُتخيَّلٍ إسمهُ “الحضارة الغربية”. وهو عنوانٌ لا يصمدُ أمام حقائق الواقع حيث ظل مُجتمعنا السوداني في حالة تفاعل مُستمر مع الحضارة الغربية منذ حلول البريطانيين في ديارنا قبل أكثر من قرن من الزمان وحتى يومنا هذا, ومع ذلك لم تنتشر مثل هذه الجرائم إلا في السنوات الأخيرة من حُكم نظام الإنقاذ “الإسلامي” !! , فكيف إذاً تكون هذه الظاهرة ثمرة من ثمرات الحضارة الغربية الآسنة ؟

إنَّ الوصف المجَّاني للحضارة الغربية “بالآسنة” ( وهو الماء الذي لا يشربهُ أَحدٌ من نَتْنِه )  فيه من التناقض والسذاجة قدر ما فيه من الخواء و “الإستعلاء” الأجوف, فهذه الحضارة الموصوفة بالآسنة تقفُ على رأس حضارات الدنيا في زماننا الرَّاهن, في العُلوم والتقانة, في السياسة والإقتصاد , و نحنُ – شئنا أم أبينا – نعيشُ “عالة” عليها في كل شىء, نستورد منها جميع إحتياجاتنا, ونستهلك كل ما تنتجهُ, من الإبرة إلى الصاروخ, وحتي جهاز الكمبيوتر الذي طبع به بيان حزب التحرير.

إنَّ عباقرة حزب التحرير الإسلامي لا يترددون في وصف الحضارة التي إخترقت الفضاء  حتى وصلت كوكب “المريخ”, وإخترعت مُحرِّك البحث المُدهش “قوقل”, وإكتشفت “الخرائط الجينية” بالحضارة الآسنة, فتأمل !!

وإذا كان المقصود “بالآسنة” هو غياب البُعد الرُّوحي في الحضارة الغربيَّة فهذا أيضاً فيه الكثير من الخلط والشطط, فالحضارة الغربية عمودها الفقري هو الديانة المسيحية, وأهل تلك الحضارة ليسوا حيواناتٍ ماديةٍ إجمالاً كما يتم تصويرهم عندنا, وكاذبٌ – في مُجتمعاتنا – من يدَّعي تفوقاً أخلاقياً وقيمياً عليهم سواءُ كان على مستوى الفرد أو الجماعة ( والأخلاق بالطبع أمرٌ نسبيٌ يُقاسُ بمعايير الثقافة المُعينة), أمَّا القيم الإنسانية العالميَّة (يونيفيرسال) مثل الحُريَّة و العدل و الصِّدق والأمانة وإحترام قيمة الوقت, وقيمة العمل, وحقوق الإنسان وغيرها فهى موجودة في تلك الحضارة وبما لا يُقارنُ  بأىِّ مكانٍ آخر في عالم اليوم.

وحتى لا يخرج علينا فلحوسٌ ( الفلحوس في العامية المصرية هو الشخص المُتطفل الذي يُقحمُ نفسهُ فيما لا يفهمه) يتهِّمنا بالإنبهار بالغرب, وبموالاة أهله, فإنه يتوجب علينا التأكيد على إعتزازنا بديننا الحنيف, وبرسالته الخاتمة, وأنَّ حديثنا عن الحضارة الغربية لا يتعدى حدود الإعتراف بحقائق “الواقع” الماثلة التي لا سبيل لإنكارها.  

أمَّا إرجاع ظاهرة إغتصاب الأطفال لسببٍ واحد مُتمثل في : “عيش المسلمين في مُجتمعات غير إسلاميَّة”, فهو بالإضافة لعدم صَّحتهِ ( لأنَّ المُجتمع السوداني مُجتمعٌ مسلمٌ رضى حزب التحرير أم أبى ), فإنه يُخالف المناهج العلمية في التفكير والبحث والنظر في الظواهر الإجتماعيَّة, والتي هى بطبيعتها تختلفُ عن الظواهر “المادية”, وبالتالي لايمكن إرجاعها لسببٍ واحدٍ فقط. الظواهر الإجتماعية تتداخل في تشكيلها العديد من الأسباب والعوامل الثقافية والفكرية والإقتصادية والسياسية وغيرها.

بعد أن عزى البيان إزدياد ظاهرة إغتصاب الاطفال ل”عيش المسلمين في مُجتمعات غير إسلاميَّة” شرع في الحديث عن مظاهر ذلك العيش وقال :

 ( شكل الحياة العامة التي تعجّ بالنساء الكاسيات العاريات، بحُجة الحُرَّيات والحداثة، واجتماع النساء والرِّجال لغير حاجة يقرها الشرع، ووسائل الإعلام التي تخاطب الغرائز وتثيرها، وعجز نظام التعليم عن إيجاد الشخصية الإسلامية، والصُحف المُسمَّاة إجتماعية التي تشيع الفاحشة وتوجد رأياً عاماً للجريمة والإنحراف. وثالثة الأثافي خدمة الإنترنت؛ التي عبر مواقعها الإباحية تجعل من البشر مجموعة من المجانين لا يفيقون إلا على وقع جريمة تقشعر لها الأبدان، وفي غياب واضح لرعاية الشؤون ومعاقبة المجرمين بالعقوبات الرادعة). إنتهى

إنَّ شكل الحياة العامة في المُجتمع السُّوداني  كما يُصوِّرهُ كتبة البيان لا يُمكن أن يكون سبباً في إزدياد ظاهرة الإغتصاب, بل على العكس تماماً فمجتمعٌ منفتحٌ بهذه الطريقة وهذا الوصف الوارد في البيان يجبُ أن لا تنتشر فيه هذه الظاهرة لأنها في جانب كبيرٍ منها ناتجة عن الحرمان والكبت الجنسي. و يرى كاتب هذه السُّطور أنَّ من بين الأسباب العديدة لتنامي هذه الظاهرة في المُجتمع السُّوداني يبرز سببان رئيسيان, أحدهما إقتصادي والثاني سُّلوكي نفسي.

يجبُ الإعتراف بأنَّ هناك مُشكلة جنسية حادَّة يُعاني منها الشباب بسبب الفقر والبطالة والأوضاع الإقتصادية التي يصعبُ – بل يكادُ – يستحيلُ معها الزواج وتكوين الأسرة. ومن ناحيةٍ اخرى فإنَّ مُعظم الذين يرتكبون هذه الجريمة البشعة هم من فئة المرضى النفسيين, ولذا فإنَّ “العقوبات الرادعة”, أو إعدام المغتصبين علناً وفي ميدان عام, لن يحل المشكلة وحدهُ بل يجب أن يضطلع أهل علم النفس والأطباء النفسيين بدورٍ مُهم في علاج هذه الظاهرة.

يجبُ كذلك التأكيد على أنَّ المُجتمع السُّودانى ليس إستثناءً من مُجتمعات الدُّنيا التي تشهدُ في الوقت الحالي زيادة في ظاهرة إغتصاب الاطفال (يُمكننا الحديث عن موجة عالمية), وإنْ إختلفت الأسباب  بين مُجتمع وآخر إلا أنَّ هناك أسباباً مُشتركة يقفُ على رأسها موضوع الإنحرافات السُّلوكية والإضطرابات النفسية. 

ثمَّ يعود بيان حزب التحرير للغة الهتافيَّة الخاوية من المضمون ويقول : (فكيف يكون الحل الذي نبحث عنه عند منظمة الأمم المتحدة والقوانين الدولية العلمانية التي تروج للأفكار والمفاهيم الهدامة – الثقافة الغربية المنحطة – نفسها التي تسببت في انحلال وتفسُّخ المجتمعات في بلاد المسلمين). إنتهى

هذه الحديث السَّطحي والساذج الذي يُرجعُ أسباب الظاهرة للقوانين “العلمانية”, والثقافة الغربيَّة “المُنحطة”, لا يجد ما يدعمهُ في حقائق الواقع, فالقوانين ( دينية أو مدنية) لا تتسبَّبُ في إزدياد مثل هذه الظاهرة, كما أنها لا تستطيع وحدها القضاء عليها, والثقافة الغربية كما ذكرنا آنفاً ليست سبباً في تنامي هذه الظاهرة المُستجِّدة على المُجتمع السَّوداني الذي ظلَّ يتأثر بالثقافة الغربية منذ إحتكاكهِ بها لأول مرَّة قبل أكثر من مائة سنة.

و إذا كانت القوانين الدينية غير كافية للقضاء على هذه الظاهرة, فإنَّ التديُّن نفسه – وأعني تديُّن الأشخاص – لا يكفي لردعهم إذا كانت الأسباب الحقيقية ( إقتصادية, نفسية, إجتماعية, إلخ) وراء الظاهرة قائمة. وليس أدلَّ على ذلك من أنَّ مُرتكبي هذه الجرائم قد يكونوا من المُتدينين عُموماً, بل من رجال الدين, وفي سطور الخبر التالي الذي اوردتهُ صحيفة “آخر لحظة” في الرابع من أكتوبر 2012 ما يؤكد قولنا هذا :

( ألقت الشرطة القبض على إمام مسجد وشيخ خلوة بتهمة التحرش واغتصاب طفل لم يتجاوز ال(10) أعوام بشرق النيل يدرس في الخلوة وذلك بعد استدراجه للمجني عليه داخل غرفة مُلحقة بالمسجد). إنتهى

لكل الأسباب التي ذكرناها في ثنايا هذا المقال لا بُدَّ من العمل على علاج “جذور” الظاهرة في ذات الوقت الذي يتمُّ فيه التركيز على الجريمة والعقاب. وفي هذا الخصوص علينا أن نستبدل المنهج الذي يُركِّز على النتائج ( منهج هات من الآخر), بالمنهج الفعَّال الثاني الذي يبحث في الأسباب (منهج هات من الأول).