صلاح شعيب من النادر جدا أن تجد شراكات ناجحة في تاريخ السودان. فعلى المستوى السياسي يكون القادة، والزعماء، السودانيون أحزابا تهدف إلى إدارة البلد، ولكنها تنتهي إلى جماعات معنية بإدارة صراعاتها الذاتية.

فالحكومات الائتلافية في ديموقراطياتنا تختلف منذ أول لحظات تكوينها وتتعمق خلافاتها حتى ينط العسكري في الحكم. أما الحكومات العسكرية فإن الاختلافات بينها تصل إلى حد الحسم عبر حمامات الدم. والحركات المسلحة تمارس ذات الشئ، وأحيانا بشكل أسوأ. فبعضها يبدأ في مقاومة الحكومة ثم يجد أفرادها أنفسهم في أحضان النظام. ولا يكتفون بذلك، وإنما يقفون في صف الجيش، والمليشيات، لتصويب البنادق نحو أصدقاء الأمس. أما الذين لا ينضمون للحكومة فيختلفون لاحقا ثم يتفرقون أيدي سبأ فتضعف عمليا مقاومتهم وتتواصل سلسلة الانشقاق. والأندية الرياضية، من قمتها حتى روابط الناشئين، تعج بالخلافات الشخصية في مجالس إداراتها حتى يصل الأمر إلى أعمدة الصحف. وعندئذ يشارك إعلاميو الرياضة في تسعير الخلاف ثم تتحول خلافات الصحافيين الرياضيين المناصرة للفرقاء إلى مجال لتصفية الحسابات الشخصية وسطهم. وكل اتحاداتنا المهنية الطوعية تمثل بورة للخلافات الممضة عقب تحقيق بعض إنجاز. ومنظمات المجتمع المدني في غالبها مصابة بشلل الخلاف الشخصي الذي ينتهي إلى اتهام عضو، أو عضوين من الجناح المسيطر، في الذمة المالية.  

أما جالياتنا فحدث ولا حرج. إذ ينخر فيها سوس الخلاف الشخصي، والمناطقي، والأيديولوجي. وفي “دياسبورتنا” تحول اتحاد المرأة إلى خمس منظمات تختص بأداء دور المرأة، ولا تنسيق بينها بالطبع. والروابط الجهوية، والإقليمية، والقبلية، في الداخل والخارج، تتكون لأجل أن تصطرع، ثم تتصدع، فيذهب ريحها، أو تنكسر شوكتها. أما المهمشون في الأرض فيرون أن لا فائدة مرجوة من الحفاظ على وحدة كياناتهم المطلبية. ولذلك يملأون الأسافير بالغسيل القذر المتناول لخصوصيات أعضاء اللجنة التنفيذية بعضهم بعضا. ومؤسساتنا التجارية، والاستثمارية التي تقوم على شراكة أفراد تنتهي بالتصفية، وأحيانا المحاكم، أو الاغتيال المعنوي، والمادي، كما نقرأ في الصحف.

إن إنشاء الصحف ذاته لا يستمر حتى يختلف الملاك بعد عامين، على الأقل، حول خطها التحريري، أو إداراتها، أو توجيه الموارد. ربما نموذج جريدة الأيام هو الوحيد الناجح الذي استحضره هنا. فقد أسس بشير محمد سعيد، ومحجوب محمد صالح، ومحجوب عثمان، دار الأيام عام 1953 وحتى عقب وفاة الأول، والأخير، لم نسمع أنهم اختلفوا حول الدار، سواء على مستوى الإدارة، أو التحرير، أو حفظ الحقوق. ونستحضر ثانيةً أن هناك شراكات ناجحة بين المغنين والشعراء من جهة، وبين المغنين والملحنيين من جهة ثانية، وبين الملحنيين والشعراء من الجهة الثالثة. نجحت هذه الشراكات في رسم لوحة الإبداع الغنائي. ولكن ظل الخلاف بين الفينة والأخرى هو ديدن المبدعين. ذات مرة قال إسماعيل حسن لوردي: إنني صنعتك واستطيع أن أهدك توا. عندئذ توجه وردي للشعراء الشباب أمثال التجاني سعيد، والحلنقي، ومبارك بشير، فخرج بأغنيات “هجرة عصافير الخريف” و”أرحل”، مثالا. ثم تعاون وردي مع الشاب محجوب شريف فشكلا صورة زاهية للتعاون الفني. وهناك نماذج كثيرة في هذا المجال. إذ لا ننسى خلاف الشاعر هاشم صديق مع ود الأمين، من جهة، وأبو عركي من جهة أخرى، رغم جمال ذلك التعاون الذي أثمر أخلد الأغنيات للمبدعين الكبيرين. وقد اختلف زيدان يوما مع الملحن عمر الشاعر فتعاون الشاعر مع مغنين جدد، وعاد زيدان للتلحين. ورغم أن تلك الخلافات الشخصية قد اثرت في التعاون بين المبدعين البارزين إلا أن الإيجابي فيها أنه تم كسر حواجز الاحتكار. ولكن بشير عباس وصل إلى قمة الخلاف مع البلابل يوما واستدعى الأمر التهاتر في الصحف. وبالنسبة لاتحادات الكتاب، والأدباء، فلا يتوفر هناك سبيل منذ فترة طويلة لتكوينها على أساس مهني محض. ولذلك لا مجال لاستمرارها إلا عبر اتحادين متنافرين. أما الخلافات الأسرية فدونك ما تنشره محاكم الصحف من الطلاقات الغيابية. وهكذا ندرك في مهجرنا أن أسرا كانت محاطة بالوئام انتهت إلى فراق محزن، وما كان له أن يحدث.

كل هذه الخلافات التي أسهمت في تدهور البلاد، بلا شك، تعبر عن خلل في الشخصية السودانية، والتي لا تبدع، إن أبدعت، إلا في إطار فردي. بل إن السوداني مجبول على الاختلاف مع ذاته. فكثيرا ما يتحول المرء من قناعة فكرية إلى أخرى دون نقد موقفه السابق. وبعضهم يتحول من الليبرالية المتطرفة إلى الصوفية الهادئة. وآخرون من الإسلام السياسي إلى الاستقلال دون أن يوضحوا للناس أسبابهم حتى لا يقع آخرون في خطل التجربة الخاطئة، أو السيئة، التي خاضوها في الماضي. إن معظم وحدات السودانيين الماثلة اليوم تعوم فوق بركان من الخلافات والتي لا بد أن تظهر آن عاجلا أم عاجلا. وليت هذه الخلافات العامة، والخاصة، تمثل ضرورة للمراجعة، والتصحيح، يوما، ولكنها للأسف صارت الأمر الحتمي الذي يميز، ويعوق، العمل العام في السودان.

ربما تتعدد الأسباب الظاهرة، والعميقة، لهذه الخلافات الموضوعية، والشخصانية، وما بينهما. ولكن يبدو أنها متصلة بتركيبة الثقافة السودانية نفسها والتي تعود إليها جذور المشكلة. فليس من الحكمة أن نحمل الأمر لغياب الديموقراطية، أو ضعف التربية الدينية وحدها، أو الانقلابات العسكرية، أو عدم وضوح السودانيين في تمتين مواثيق التعاقد في العمل الجمعي، أو الظروف الاقتصادية، والتربوية وحدها. فالأمر أكبر من أن تحصر أسبابه من خلال زاوية نظر أكاديمية أو معرفية محددة. لا بد أن هناك رابطا وسط كل هذه الأسباب المتصورة للخلاف السوداني ـ السوداني القاتل. 

على أن الخلاف أمر طبيعي للاجتماع الإنساني. وهو المحرض للإبداع، وتعدد طرائق التفكير، وتشكل الشخصية. ولكن أن يكون مظهرا سلبيا لهدم عطاء العمل الجماعي فهاهنا يصبح الخلاف أزمة، و لا بد من علاجها عبر مساهمة كل المتخصصين في فروع المعرفة الإنسانية. ولكن المشكلة الكبيرة أن هذه المساهمات البحثية تحتاج إلى حرية البحث العلمي، وحرية الصحافة، وبقية أجهزة الاعلام، وحرية المنابر الثقافية، والاجتماعية. باختصار لا مناص من توفر مناخ للحرية قمين بمضاعفة نتاج هذه المباحث، ومناهجهها الموظفة، لدراسة هذا الموضوع الذي شغل كل قطاعات المجتمع. ذلك برغم أن كل المواريث الثقافية للمجتمع تحض على التعاون والتكاتف والتعاضد وتناسي الصغائر من أجل مصلحة المجتمع. 

إن لا قيمة لهذه المواريث بل لا بد من استبدالها بأخرى في حال وجود تناقض بين حاملي هذه القيم وواقعهم. فما هو الداعي لإسلام المرء، أو التمشدق بوعيه الثقافي، أو التعليمي، واستناده على أشعار، وأمثال، ومقولات حول أهمية العمل الجماعي إذا كان هناك بون شاسع بينه ومجتمعه. يبدو أن عددا من النشطاء السودانيين يحمل عقلين يوظفان حسب الموقف. عقل يحاول النشطاء أن يرضوا به مجتمعهم حتى يجدون التقدير الشخصي ويرون به غرورهم. وآخر يرضون به ذاتهم المجبولة على تحقيق المصلحة الفردية التي ظهرت نتيجتها الواضحة في واقع البلد المشترك.