خالد فضل ،،اعتمدنا كثيرا على المجتمع الدولي , حتى بتنا أقرب للتسليم به حلا فريدا , ولكن يأتيك الخذلان إذا وضعت كل البيض في تلك السلة القابلة للمساومات والصفقات القذرة وأحابيل المصالح الاستخباراتية،، 

 من تجاربنا الصغيرة في العمل العام على نطاق القرية مثلا , يكتشف المرء القيمة المضاعفة للجهد الذاتي في حل المشكلات وايجاد البدائل وتيسير سبل الحياة , في قريتي , من ريفي الحوش بجنوب الجزيرة نهضت منذ وقت مبكر روح العون الذاتي والاعتماد على النفس في انجاز مشروعات ضخمة جدا بكل المقاييس , ففي أواسط السبعينات تمّ تشييد مدرستين متوسطتين للبنات والأولاد من حصاد قمح الحواشات , كل مزارع تبرع بجزء من محصوله لموسم أو موسميين وفي النهاية كانت الحصيلة الوافرة من شولات القمح تتحول الى طوب واسمنت ومواد بناء , وفصول دراسية ومكاتب في المدرستين , لتجئ أفواج من الطلبة والطالبات من القرى المجاورة يقتسمون المقاعد مع أبناء القرية فتخرّج منهم المئات يحملون بصمة (ودنعمان) , وفي الثمانينات نهضت العزيمة مرّة أخرى وهدفها هذه المرّة الكهرباء , كل المواد تم تحضيرها من مساهمات أبناء وبنات القرية (شوال عيش , قنطار قطن , أردب قمح , كيلة ويكة , عتود , ..إلخ) الأسمنت شكارة شكارة والرمل والخرصانة تلال تلال والسيخ , وتقسيم بديع لورديات العمل بين كل القادرين على حمل قدح المونة وادارة الخلاط , الاستعانة هذه المرّة بتيم ماهر من عمال هيئة الكهرباء , رشوشة وزمرته الذين قضوا بين ظهرانينا اسابيع لا تمحى من الذاكرة حتى صاروا جزءا من نسيج اجتماعياتنا حينذاك فرحا وكرها , وكان حصاد شهر من التصميم والارادة ما يفوق المائة والخمسين عمودا اسمنتيا شامخا هيأ المشروع لانطلاق السلك والمحول ومدّ خطوط التيار في أواسط التسعينات وبالعون الذاتي أيضا , الاضافة هذه المرّة دخول المغتربين المقتدرين نسبيا في تمويل المرحلة , وما تزال القرية تضئ بجهد أبنائها , رغم ضعف التيار الكهربائي مما قاد الى أعطاب كثيرة للأجهزة الكهربائية في الآونة الأخيرة , وبين هذا وذاك جاء مشروع بئر ثانية لماء الشرب انجز بالعون الذاتي وقليل جدا من دعم حكومي ,وبعضا من منظمات خيرية , إعادة تأهيل وبناء فصول جديدة في مدارس الأساس بنات وبنين , وفي مدرسة الأولاد الثانوية العليا , وتجديد شباب شبكة مياه الشرب وتأهيلها كليا , وبناء مركز صحي تعليمي , وبناء مركز شباب بالحي الشرقي , وإعادة تأهيل نادي القرية الثقافي الرياضي , والشروع في عمل ردمية ربما تتحول الى اسفلت لمسافة 9كلمترات تربط القرية بالحوش ومنها الى ودمدني , كل هذا بالعون الذاتي , مائة جنيه , ألف ريال , خمسمائة دولار , 6 الآف جنيه, شوال عيش , تور , غويشة أو خاتم 5جرام , إلخ إلخ , المهم تنجح همّتنا دوما في انجاز ما نقرر من مشروعات , هل كلنا كتلة واحدة صماء ؟ لا , هل الاتفاق بيننا بصمة , أبدا , فينا ما في كل البشر من نقائض ونقائص , فقط لدينا إرادة ودوافع للانجاز تجعلنا نتشاجر ونتخاصم ولكن لا نعطل أعمالنا المشتركة أبدا أبدا . مع ملاحظة مهمة في هذا السياق , لم يكن للكيزان القدح المعلى في كل ما انجز , كأفراد ظلوا يساهمون ضمن مساهمات عامة الناس , كسلطة , أعاقوا بعضا من التطلعات إنْ لم يحطموها تماما , لقد شكلت سلطتهم عامل التدخل الخارجي غير الحميد في كثير من المرات .

  ترى هل من علاقة بين ما ذكرنا وحالة الوطن الكبير ؟ الاجابة عندي , نعم ؛ فمن قطرات يمتلئ الغدير , ومن تجارب أهلنا الصغيرة تنبع الحكمة الوطنية الشاملة , وبناء الأوطان بغير مشروع مارشال ممكن إذا كان هنالك هدف لبناء الوطن , مع الأسف , الماسكون على زمام الأمور أبعد فئات الشعب السوداني عن همّ الوطن . والأدلة على قفا من يشيل , القدح في ذممهم المالية لم يعد كشفا عبقريا بل سطورا منشورة يوميا على صفحات الصحف وشاشات الاسافير , هنالك في مكتب والي الخرطوم السابق حادثة معروفة باسم الملازم شرطة غسان (توفي في حادث سير قبل بضعة شهور), ورتبته الصغيرة تشير الى رتب كبيرة لابد متورطة في عمليات غسيل الأراضي , ووزير العدل الحالي بدأ حملات لكشف جوانب من مغطى كثير كثير كثير , هل ستنجح حملاته تلك ! المهم هي خطوة جيّدة العودة للحق فضيلة وإنْ جاءت متأخرة كثيرا , القدح في ذمم الكيزان الأخلاقية لا يحتاج الى فانوس ديجنوس, لذا هم أبعد الناس احساسا بالوطن و ربما عناهم الشريف محجوب شريف في حدائه الرائع (والقمرية بين أغصانها أقرب للوطن من ناس) , التدخل الدولي في الشؤون السودانية لا يمكن أن يكون رافعة بديلة لعزيمتنا , لقد اعتمدنا كثيرا على المجتمع الدولي , حتى بتنا أقرب للتسليم به حلا فريدا , ولكن يأتيك الخذلان إذا وضعت كل البيض في تلك السلة القابلة للمساومات والصفقات القذرة وأحابيل المصالح الاستخباراتية , لذا يبقى المجد للنضال الوطني الصرف , يبقى عبدالواحد محمد النور , شئنا أو اختلفنا معه أحد الرموز النادرة في الدفاع عن شرف العزم الوطني , رغم مشاترته , الاّ أنّ ما يقوله يجب الانتباه اليه , دون غمط حقوق الآخرين من شرفاء النضال الشاق والعصي الذين لا يشكك أحد في ثوريتهم , بيد أنّ العامل الدولي مؤثر عليهم بصورة تبدو أوضح , ولا بأس في العون الدولي , ولا نكران لما قدمه لنا المجتمع الدولي طيلة فترة التيه هذي , لكن تبقى الحقيقة ما حكّ جلدك مثل ظفرك) . وكل عام وانتم بخير