ياسر عرمان *لا توجد وصفة جاهزة بل يوجد نضال مستمر *ما العمل؟ سؤال كبير أمام الحركة الوطنية الديمقراطية التقدمية المستنيرة * حزين على قلة الزمن الذي أمضيته في بهجة ودفء أحضان الأمومة والأبوة

اليوم الخامس من أكتوبر هو عيد ميلادي رقم (53)، وأمي وأبي لم يعلماني الإحتفاء بيوم مولدي بل كرسا حياتهما كلها ولايزالان للإحتفاء بوجودي وأخوتي ولم ألتقي والداي أو تحدثت معهما الا وكان صالح الدعوات بدايات ونهايات الحديث.

 

دعوني أيها الأصدقاء الأعزاء دون ترتيب أن أقول ما عن لي من خواطر في هذا اليوم  وهي تنساب حرة كيفما أتفق في محاولة للإحتفاء بالحياة وبأمي وأبي والألاف الذين ألتقيتهم في الطريق، وأنا أنطلق نحو عام جديد متمنياً أن ترجح كفة السلام والعدالة والحب وكل شئ محتمل حتى العودة الي سنار.

 

لا يمر هذا اليوم والا نظرت بعمق الي أمرين لايمكن نسيانهما، الأول أمي وأبي فأنا مدين بالكامل لهما في كل ما حققته ومسئول بالكامل وحدي في كل ما فشلت عن تحقيقه، فحياتي لم تمر بالأراضي الباردة بل مرت على عجل عكس أتجاهات الريح وكأنما الريح تحتي وسعدت ببهجة الحياة ومعاناتها، وإلتقيت بالناس وسمعت صوت الأرض وتعرفت على الألاف من الشهداء إسماً ورسماً ومعنى.

 

وأدركت حينما جمعتني المجامع بالناس في العالم العريض وفي أركان الحياة الفسيحة من كل الألوان والديانات وفي شتى بقاع الأرض، إن أمي التي لم تذهب الي أي تعليم نظامي تحمل دكتوراة في الإنسانية والذكاء الإجتماعي وإن القليل الذي تزودت به منها ومازرعته يداها في قلبي وعقلي وروته بدموع المحبة هو ما قاوم إعتداءات الزمن.

 

أبي معلم، كاد أن يكون رسولا، وقد نذر كامل حياته وأعطى شبابه حتى الشيخوخة في رمي البذور في حقول تعليم الآخرين، حينما أنظر الي الأعوام التي مضت لو قدر لي أن أعود مرة آخرى لما ترددت في السير في نفس الطريق لايحزنني الا أمر وحيد منذ بدايات النشاط السياسي بوعي ولم يتعدى عمري ال(16) عام أخذني العمل السياسي بعيداً عن أمي وأبي وفي ال(30) عاماً الماضية لم أجد الوقت كما ينبغي للإلتقاء بأمي وأبي، ومع ذلك ظل حبهما يزداد مع الزمن دون مقابل وظلت الدعوات الصالحات والأمنيات الطيبات كما هي لاتتاثر بعوامل تعرية الزمن وما تأسفت على شئ مثل أسفى وحزني على قلة الزمن الذي أمضيته في بهجة ودفء أحضان الأمومة والأبوة، ولم يحبني أحد في هذا العالم طوال (53) مثلهما دون مقابل، فقد أحباني وأنا مازلت في بطن أمي لم أرى الحياة بعد، ولهما إمتنان غير منقطع.

 

الأمر الآخر الذين ساهموا في تربيتي الإجتماعية والسياسية فهم مجتمع كامل بين المدرسة والشارع، ولكني سياسياً أدين بالفضل الي خالي مآمون عالم الذي من مكتبته أطلعت على القضايا السياسية والفلسفية والمنشورات السرية والكتب والمجلات، الفجر الجديد وصوت المرأة والميدان السرية، وعلى أسماء وأفكار شديدة الخطر تتطلع الي تغيير العالم لا القبول بنسخته الراهنة، وإلتقيت في بدايات العمل السياسي بالكثيرين تتوقف ذاكرتي طويلاً عند ذلك الإنسان المتميز العم العزيز الراحل عبدالحميد علي (عثمان جزيرة)، والفضل ما شهد به صلاح قوش عن عبدالحميد علي مؤخراً (يا زول أنا شغال معاك، دي أسرار ما تمشي تفتشه).

 

ثم أبحرنا مفردين أشرعتنا ناحية الوطن وألتقينا قادة شديدي الخطر والتأثير حاضراً ومستقبلاً كانوا أصدقائنا وزملائنا وقادتنا، هما دكتور جون قرنق دي مبيور ويوسف كوة مكي وآخرين ندين لهم بالفضل والولاء حتى يومنا الأخير ولم تهبط طائرتنا بعد ونربط الأحزمة عند المطبات السياسية.

 

تواجه الحركة الديمقراطية الوطنية التقدمية المستنيرة السودانية في كآفة أقسامها وتياراتها تحديات جمة فكرية وسياسية نظرية وعملية وتطرح عليها أسئلة الأمس واليوم والغد والسؤال الكبير (ما العمل؟) ولها ما لها من إنجازات وإخفاقات وإشراقات وإحباطات خلفها تراث عامر من المأثر والتضحيات، ولن تتمكن من حل قضايا اليوم وإستشراف المستقبل الا بالتمسك برؤيتها التقدمية والمستنيرة وبتجاربها الثرة وأن لا تسمح للضباب أن يخفي رؤيتها ومعرفتها للخصوم وللأصدقاء وإحتياجها لرؤية نقدية صائبة ومتوازنة لا تبنى على جلد الذات والقصف بالجنين مع المشيمة وتحتاج لعقل مركب ومعقد لان خصومها اليوم يستخدمون تكتيكات معقدة لتدميرها وزرع الإحباط في صفوفها وإستهداف قادتها وكادرها، وإن مضى هذا على البعض من فاتري الهمة وعديمي الذمة، فلن يمضي على أقسام واسعة من هذه الحركة العظيمة المنظمة وغير المنظمة، فهي تيار عريض له إسهامات جليلة في ماضي وحاضر ومستقبل السودان.

 

من شرفة عامي الجديد أقول، إننا نعيش أزمنة معقدة ونخوض في قضايا شائكة ونشهد عالما يتغير بسرعة الإنترنت، ويعاني من الأزمات في بلدانه المتطورة وكذا الأكثر تخلفاً ويشهد نهوض وصعود قوى إجتماعية جديدة وقضايا أجد، ولا توجد وصفة جاهزة بل يوجد نضال مستمر، والحياة دون قضية لعنة.