رشا عوض * هل ننتظر انتفاضة الإسلامويين على البشير لاسترداد المشروع التمكيني؟ *من يتصدى لمعارضة نظام كهذا يجب ان يفكر خارج الصندوق! * أي تغيير عبر الحوار والتفاوض سيكون جزئيا

 

الأول: هذه المعارضة غير جادة في الانتفاضة!

هل تابعتم احتفاء قوى نداء السودان(حزب الأمة والجبهة الثورية) بقرار مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي الذي صدر في 25 أغسطس الماضي؟ أرأيتم كيف رحبت به واعتبرته نصرا مبينا لها؟ لا أدري لماذا الاحتفاء به وهو قرار متسق مع سياسة “المجتمع الدولي” تجاه القضية السودانية، والمتمثلة في تسوية سياسية بين النظام الحاكم بقيادة المؤتمر الوطني من جهة، والمعارضة المسلحة والحزبية من جهة أخرى عبر ما أسماه القرار”حوار وطني شامل وشفاف وذي مصداقية للجميع ومعد له بشكل ملائم” وقد ورد في نص القرار بالحرف الواحد ان المجلس “يؤكد مجدداً دعمه للحوار الوطني الذي أعلنه الرئيس السوداني عمر حسن البشير في يناير 2014  ويؤكد على المبدأ الذي اعتمدته الأحزاب السودانية بأن الحوار الوطني يجب أن يكون عملية سودانية شاملة تهدف الى معالجة وحل التحديات طويلة الأمد التي واجهتها الأمة السودانية استنادا الى أجندة السلام والوحدة الوطنية والاقتصاد والحقوق والحريات الأساسية والهوية الوطنية ومراجعة الدستور والحكم والعلاقات الدولية”

يعني باختصار القرار يجعل من “وثبة البشير” مرجعية، في حين أن المعارضة من المفترض ان تسعى للإطاحة بالبشير ونظامه عبر انتفاضة أو ثورة شعبية.

الثاني: الانتفاضات والثورات ليست أحداثا  يمكن اتخاذ قرار بزمان حدوثها في اجتماع هيئة تشريعية أو قيادية لأحد الأحزاب، هي لحظة تاريخية ينفجر فيها الشارع بشكل مفاجئ ويفرض التغيير فرضا، قد تحدث الانتفاضة اليوم او غدا او بعد أشهر او حتى سنوات، ولا أحد يستطيع التنبؤ بموعدها، أما بخصوص قرار مجلس السلم والأمن الأفريقي، فكما تعلمون، هناك أبعاد إقليمية ودولية ذات تأثير حاسم على  القضية السودانية، وبالتالي فإن الحراك الدبلوماسي من أجل كسب الوسطاء الإقليميين والدوليين لصالح وجهة نظر المعارضة ضروري، وعندما يقرر مجلس السلم والأمن الأفريقي أنه مع الحوار الذي دعا له البشير ولكن بشروط متسقة مع مطالب المعارضة، وعندما يشترط اجتماعا تحضيريا في أديس أبابا يضم كل الأطراف يتفق فيه على إجراءات بناء الثقة، ويطالب بوقف الصراعات في دارفور والمنطقتين في عملية سلام واحدة ذات مسارين، ويطلب من الآلية الافريقية رفيعة المستوى أن تقدم تقريراً إلى المجلس خلال 90  يوماً حول مدى الالتزام بالقرار، فإن هذا بلا شك نصر للمعارضة، وإذا لم يلتزم النظام بهذا القرار ربما اتخذ ضده قرار من مجلس الأمن تحت الفصل السابع كما يدعو لذلك الصادق المهدي.  

الأول: يعني قمة طموح المعارضة المسلحة والمدنية ان يقبل نظام البشير بالجلوس معها في اجتماع تحضيري في اديس ابابا، يمهد لها طريق العودة الى الخرطوم! والنظام هو الرافض لذلك!

الثاني: وما المشكلة في ان تسعى المعارضة للحل السلمي، عبر حوار شامل وعملية دستورية تفضي إلى التحول الديمقراطي.

الأول: قرار مجلس الامن والسلم الأفريقي الذي انتم به فرحون طالب حكومة السودان بإظهار الموقف القيادي المطلوب للوصول إلى التحول الديمقراطي!! ولك ان تتخيل نوع التحول الديمقراطي الذي تلعب فيه حكومة السودان بقيادة البشير “دورا قياديا”! بالتأكيد سيكون أضل سبيلا من التحول الديمقراطي في اتفاقية نيفاشا! يعني باختصار المعارضة تبحث عن “نويفيشة” أي نيفاشا مصغرة!

الثالث: على قدر أهل العزم تأتي العزائم! هذه المعارضة جل استثماراتها السياسية في العلاقات الخارجية، مع غياب الاستثمار وسط الجماهير، وبالتالي هي لا تمتلك كروت الضغط التي تجبر النظام إجبارا على أخذها مأخذ الجد، حتى المجتمع الدولي الذي تراهن عليه تتأثر قراراته الحاسمة بمدى “الثقل السياسي” للمعارضة على الأرض، مدى قدرتها الفعلية على تحريك الجماهير، مدى وحدة صفوفها، ونجاعة هياكلها التنظيمية، ووحدة وقوة خطابها، وقدرتها على تعبئة الجماهير بهذا الخطاب، المجتمع الدولي تربطه مصالح معلومة بالنظام الحاكم، ولذلك يريد الحفاظ عليه عبر تسوية سياسية مع خصومه، لكي تكون شروط هذه التسوية في صالح المعارضة لا بد ان تثبت المعارضة مقدرتها على تهديد بقاء النظام بشكل جدي .  

الثاني: لماذا لا تحاولون النظر إلى النصف الممتلئ من الإناء، فهناك خطوات إلى الأمام في العمل المعارض، على رأسها تمسك الحركات المسلحة بالحل الشامل ورفض التفاوض حول مناطق النزاعات فقط، وكذلك “إعلان باريس” و”نداء السودان” الذي يمكن تطويره..

مقاطعة من الثالث: هل يرقى “إعلان باريس” او “نداء السودان” إلى مستوى إعلان أسمرة للقضايا المصيرية؟ ماذا كان مصير إعلان أسمرة؟ وماذا كان مصير التجمع الوطني الديمقراطي؟  

المعارضة السودانية لا تريد التوقف أمام السؤال التاريخي:

لماذا فشلت حتى الآن في إسقاط النظام، أو على الأقل إحداث تغيير معتبر ينقل البلاد إلى مربع جديد تنعتق فيه ولو جزئيا من قبضته القوية؟

إنهم ما زالوا يفعلون الأشياء بنفس الطريقة ويتوقعون نتائج مختلفة!

الرابع: لعل جزءا من الاجابة على سؤالك هو أن النظام الحاكم في السودان من أسوأ الشموليات، حيث أسسته جماعة آيدولوجية ذات مشروع وصائي استعلائي وإقصائي،لم تكتفي بالاستيلاء على السلطة بانقلاب عسكري،بل اتبعت ذلك بسلسلة من الانقلابات في الخدمة العامة(مدنية وعسكرية)، والاقتصاد، والاعلام والتعليم، بهدف السيطرة الكاملة على جهاز الدولة وحركة المجتمع(مشروع التمكين)، وهذا النوع من الأنظمة بطبيعته عصي على التغيير بالوسائل التقليدية.

الثالث: لذلك يجب على كل من يتصدى لمعارضة نظام كهذا ان يفكرخارج الصندوق!  ويكون مستعدا لبذل التضحيات.

هل يعقل ان تتصدى لمعارضة نظام كهذا وانت لا تمتلك على سبيل المثال فضائية واحدة في ظل انفراد النظام بكامل الفضاء الإعلامي وتسخيره للتعبئة ضدك وتشويه صورتك؟

الأول: أنا رهاني على الشعب الذي حتما سينتفض ويقلب الطاولة على كل مشروعات التسوية والحوار لا بد من ربيع سوداني وان طال السفر!

الثاني: وماذا نفعل إذا كانت نتيجة الربيع السوداني مثل نتيجة الربيع العربي في بعض الدول التي انحدرت الى الفوضى الشاملة والحرب الأهلية وأمامكم المليشيات القبلية في طول البلاد وعرضها؟ لماذا لا نجعل تجنيب البلاد مزالق الفوضى هدفا استراتيجيا؟ لماذا تسخرون من الساعين للحل السياسي؟

الرابع: ما من عاقل يتسم بالاستقامة الوطنية والحس الأخلاقي والفطرة الإنسانية السوية التي تتأذى من عذابات الحروب وأشباح الانهيار كامل الدسم الذي يحيل الوطن كله إلى مسلسل رعب لا نهاية له في المدى المنظور، إلا ويجد نفسه منحازا بلا تردد لحل سياسي للأزمة السودانية ومن ثم تأمين مخرج آمن للبلاد من سيناريو التفكك ثم التشظي الذي بات حقيقة شاخصة ومفزعة في جوارنا الإقليمي، وبقراءة موضوعية لمعطيات واقعنا  داخليا،وخارجيا نجد ان سناريو التفكك هذا زاحف نحونا، وأن تفاديه غير ممكن بالتمنيات، بل يحتاج إلى “عملية سياسية استباقية على مستوى رفيع من الجدية والمصداقية” تنقل البلاد من حالة الحرب إلى السلام، ومن حالة الاحتقان السياسي والاستقطاب  إلى المصالحة الوطنية المبنية على “العدالة الانتقالية”، ومن حالة الدكتاتورية إلى التحول الديمقراطي، ولكي تتم مثل هذه العملية بأقل كلفة، يجب ان تكون ثمرة ل”حوار وطني حقيقي” بين المكونات الرئيسة للساحة السياسية السودانية، أي بين النظام الحاكم وقوى المعارضة المدنية والمسلحة، بحيث يفضي هذا الحوار إلى تغيير سياسي،

ولكن العقبة أمام ذلك هي النظام الحاكم وليس نحن كمعارضين! النظام يريد تغييرا استهباليا عبر حواره مع نفسه ومع ظلاله من الاحزاب الكرتونية والحركات المصنوعة)،

الأول: أفهم من ذلك أن حديث الانتفاضة من وجهة نظركم بات حديث الجنون وأحاديث الحوار والتسوية وحدها أحاديث العقل؟!

الثاني: وما المشكلة إذا حققنا التغيير الشامل عبر حوار دستوري مع النظام؟

الثالث: أي تغيير يتم عبر الحوار مع النظام لن يكون شاملا وجذريا، بل سيتسم بطابع المساومة،بين النظام والمعارضة، بحيث يتحدد مدى عمقه واتساعه(أي التغيير) تبعا لما تمتلكه المعارضة من كروت ضغط، ومدى قوتها وتوحدها واصطفافها المنظم خلف أهدافها، ومدى قدرتها على تعبئة الجماهير العريضة حول هذه الأهداف، بل وتحريك هذه الجماهير عبر أشكال المقاومة المدنية السلمية الفاعلة.

ميزة هذا النوع من التغيير أنه الأقل كلفة بشرية، والأكثر قدرة على تفادي مخاطر الانزلاق إلى حالة “اللادولة” إذا أخذنا في الاعتبار كثرة المليشيات المسلحة وما أصاب الجيش والشرطة من تسييس على مدى ربع قرن، وحالة الهشاشة البنيوية في مؤسسات الدولة السودانية مدنية او عسكرية.

ولكن هذا النوع من التغيير أيضا له كلفته، ففي عالم السياسة لا شيء يتم بالمجان مطلقا، ومن الأخطاء التي وقعت فيها المعارضة المدنية افتراضها ان خيارات التسوية لا تتطلب نضالا يوميا وتضحيات كبيرة، حتى الانتقال بالبلاد إلى “حالة القابلية للتغيير” يحتاج الى عمل ومثابرة  وتضحيات!!.   

الأول: هل يعقل ان تقول الأحزاب للشعب هلموا نناضل من أجل تسوية مع البشير؟ من أجل نصف حرية ونصف عدالة وربع كرامة؟ لماذا لا يكون النضال اليومي من أجل الانتفاضة من أجل الثورة التي لا تبقي ولا تذر؟  

الرابع: النضال اليومي للأحزاب، أو حركات التغيير الشبابية يبدأ من تنظيم نفسها، وتسليح نفسها بالرؤية السياسية الواضحة والملهمة، وبأدوات الفاعلية السياسية وعلى رأسها الكوادر المؤهلة والمال والإعلام، ومن ثم استخدام هذه الأدوات في تصعيد الحراك السياسي وسط الجماهير، وهذا الحراك يبدأ من قضايا جزئية مطلبية، ثم يتطور ليشمل الاحتجاجات القوية على انتهاكات حقوق الإنسان وما أكثرها  إلى ان يصل مرحلة الاحتجاجات الكبيرة والاعتصامات خلف قضايا الإصلاح القانوني والسياسي والدستوري ومناهضة الحرب والمطالبة بالسلام والتحول الديمقراطي، ومن رحم هذه النضالات تولد  الثورات والانتفاضات،    

الخامس: لدي شعور بأن الانتفاضة في السودان سوف تولد من رحم “عناد البشير” ورفضه حتى “النويفيشة” التي تبحث عنها المعارضة! وربما تكون الانتفاضة على البشير من الإسلاميين! فالنظام انحدر من دكتاتورية الحزب الواحد إلى دكتاتورية الفرد الذي استخدم خلاصة “الخبرة التمكينية” في تمكين “أهل الولاء له شخصيا” ، واستخدم خلاصة “الخبرة التآمرية والقمعية” في تكسير مراكز قوى التنظيم الإسلامي نفسه، فأصبح الانقسام سيد الموقف، ليس في ساحة المعارضة فحسب، بل في النظام الحاكم نفسه، وتأسيسا على ذلك انقسم “حلم التغيير” إلى اثنين: تغيير “المعارضة الأصلية” ممثلة في عامة الشعب المتضرر من النظام، والأحزاب السياسية والقوى المدنية والشبابية والحركات المسلحة ، وتغيير”المعارضة الطارئة” اي معارضة الإسلاميين الذين يريدون استرداد”مشروعهم التمكيني” من عمر البشير، عبر الإطاحة به وبمجموعته، واستغلال مناخ التحول الديمقراطي بعد البشير في اعادة التنظيم الإسلامي الى السلطة بوجه جديد، مستفيدين من سيطرتهم على مفاصل “الدولة العميقة” وامتلاكهم للمال ووسائل الإعلام.

الأول: إسلاميون ثاااااااااني!!!

الخامس: هل لدى المعارضة بفصائلها المختلفة رؤى استراتيجية لكيفية مواجهة “دولة الإسلامويين العميقة”؟ الديمقراطية تقتضي عدم إقصاء اي فصيل عن الممارسة السياسية ولكنها تقتضي كذلك تكافؤ الفرص وعدم هيمنة فصيل على الآخرين، فكيف السبيل الى تحويل الاسلامويين الى شركاء لا اوصياء على الساحة السياسية؟

الثالث: هناك قضايا يجب ان تتبلور رؤى واضحة بشأنها، وبرامج عمل لمعالجتها بعد سقوط النظام، أي ما يمكن وضعه تحت عنوان “السياسات البديلة”، على سبيل المثال كيف يتم التعامل مع معضلة المليشيات؟ كيف يتم نزع السلاح المنتشر بكثافة تنسف اي معنى للامن  وسيادة حكم القانون؟ ما هي السياسات البديلة في مجالات التعليم، الحكم الفدرالي ، الاقتصاد، الخدمة المدنية، القضاء، القانون، الإعلام،إلخ.

هذه “السياسات البديلة” يجب ان تصمم باحترافية من قبل مختصين ومحترفين في ورش عمل متخصصة، فهل ما قام به المجتمع المدني في هذا الإطار بحجم التحدي الذي يواجه الدولة السودانية المنهارة؟

الأول: ما نحتاجه الآن وعلى وجه السرعة هو “سياسات بديلة” لعمل المعارضة السودانية بكل فصائلها، حتى تنجح في إحداث أي تغيير: انتفاضة ، تسوية او “نويفيشة”، او حتى”الانتقال إلى مربع القابلية للتغيير” كخطوة أولى للتغيير الشامل .