بابكر فيصل بابكر الجِبْت (بكسر الجيم وسكون الباء) كلمة أصلها غير عربي, وهى تعني الصَّنَم والكاهن والساحر ونَحْو ذلك, وقد وردت في القرآن الكريم مرة واحدة فقط مُقترنة "بالطاغوت", وذلك في قوله تعالى في الآية (51) من سورة النساء : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ).  

أما (الجِبْت) في الإصطلاح السياسي فهو المثقف الخادم للسُّلطة الإستبدادية, للفرد أو الطغمة, المُتأهبُ دوماً للدفاع عنها و لوضع مساحيق التجميل على وجهها القبيح وتقديمها للجماهير بوصفها ملكة للجمال , مُهمتهُ الأساسية هى “تخدير الوعي” مقابل ثمن يقبضه أو وظيفة يتقلدها.

هذا النوع من المثقفين الخُدَّام – للأسف الشديد – موجودٌ بكثرة في أوساط الطبقة السياسية السودانية, لا يكترثون لشىء سوى تحقيق مصالحهم الذاتية الضيقة, يوظفون كل جهودهم وإمكاناتهم الفكرية البائسة لخدمة الطغاة, و يتسترون خلف الألقاب العلمية العقيمة, وخير ممثلٍ لهذه الفئة من الناس : إسماعيل الحاج موسى.

يُجسِّد هذا الأخير المثال الأسطع للمثقف الذي نشأ وترعرع في حضن مؤسسات الإستبداد, فهو سليل التنظيم الشمولي الفاشل المُسمى “بالإتحاد الإشتراكي السوداني”, والرجل يكِّنُّ عداءاً غريزياَ مُستحكماً للأحزاب السياسية و للديموقراطية متذرعاً بأوهام “التنظيم الواحد” وبعدم جدوى تطبيقها في السودان.

خرج علينا الاسبوع الماضي بتصريحات هاجم فيها رئيس حزب الأمة الإمام الصادق المهدي، وحمَّلهُ مسؤولية فشل الديمقراطية بالبلاد، وقال إنَّ ” المهدي تقلد منصب رئيس وزراء (3) مرات ولم يترك التجربة الديمقراطية تنجح لخلافاته المتكررة مع الأحزاب المشاركة في الحكومة وحتى مع قيادات حزبه”. إنتهى

من يقرأ هذا التصريحات يعتقدُ أنها صادرةٌ عن رجلٍ يؤمن بالحُرية, و كرَّس حياته السياسية لخدمة المبادىء والأفكار الديموقراطية, ولتثبيت أركان النظام الحزبي التعددي, وليس رجلاً قضى كل عمره في خدمة الطغيان, وفي أروقة أحزاب السُّلطة, من لدن الإتحاد الإشتراكي البائد وحتى حزب المؤتمر الوطني الراكد.

الخلاف أمرٌ طبيعي في ظل الحكومات الديموقراطية, خصوصاً الإئتلافية منها, وهو أمرٌ معروف حتى في  الديموقراطيات العريقة الكبرى, دعك من السودان بتجربته الديموقراطية المحدودة, و مشاكله الإجتماعية الكثيرة, وموروثه التاريخي المُعقد, وبالتالي فإنَّ تحميل شخص واحد مسؤولية فشل التجربة الديموقراطية ينمُّ عن سذاجة بائنة, وإن كان ذلك لا يعفي السيِّد الصادق من تحمل مسؤولية الكثير من الأخطاء.

ثم من يستطيع الجزم بأنَّ الديموقراطية فشلت في السودان ؟ وبأية معيار يتم قياس هذا الفشل ؟ إنَّ النظرة الموضوعية لتقييم النظام الديموقراطي لا تكون في “المطلق” بل يجب أن تطبق معايير “نسبية” في قياس أداء ذلك النظام مقارنة مع الأنظمة الشمولية التي حكمت السودان لثمانية وأربعين عاماً منذ الإستقلال, هنا فقط سيتضح أنَّ الديموقراطية لم تفشل بأية معيار, بل كانت تسير بخطى وئيدة في الإتجاه الصحيح, وانه لم يكن ينقصها شىء سوى منحها المزيد من الوقت, “فالتراكم الزمني” أمرٌ ضروري لتثبيت أركان النظام الديموقراطي, ولا يوجد أصح من المقولة : “أخطاء الديموقراطية تعالج بالمزيد من الديموقراطية” وليس بالإنقلابات العسكرية.

أننا نسأل إسماعيل الحاج موسى, لماذا لم يفتح الله عليك بكلمة واحدة طوال ستةٍ وعشرين عاماً من حكم الإنقاذ تنتقدُ فيها المآسي التي حلت بالبلد ؟ لماذا لم نسمع لك نقداً للفساد المستشري وللقبلية التي عادت بصورة أسوأ مما كانت عليه في القرن التاسع عشر ؟  لماذا لا تتحدث عن الفقر والمسغبة والجوع والمرض, عن مُخرجات التعليم البائسة, وعن هجرة الملايين من الناس, عن تدهور الأخلاق, وعن .. وعن .. وعن … ؟

بالطبع لا يُمكن لمثقف السلطان أن ينبس ببنت شفة في القضايا التي تهم الناس, بل تجده دوماً يقف في خانة الدفاع عن الإستبداد والطغاة, ولن نستغرب إذا عرفنا أنَّ حديثه هذا جاء في إطار الرد على تصريح للسيد الصادق المهدي حمَّل فيه الدكتور الترابي مسؤولية الجرائم التي أُرتكبت في العشرية الأولى للإنقاذ.

إنبرى إسماعيل الحاج موسى للإمام الصادق واصفاً حديثه بأنه ( سياسي لا يرقى لمستوى النظر القانوني ) وطالبه بتقديم بينات ضد الترابي, قائلاً أنه لا يمتلك أية بينات تدينه، ومدللاً على ذلك بأن  ( الترابي لم يتولّ أي منصب تنفيذي في الحكومة، ولكنه كان رئيس السلطة التشريعية لفترة محدودة ).

يعلم الجميع, حتى راعي الضان في الخلاء, أنَّ الدكتور الترابي كان الحاكم الفعلي للسودان طوال السنوات العشر الأولى للإنقاذ وقبل وقوع المفاصلة الشهيرة, وبالتالي فإنه يتحمل المسؤولية “السياسية والأخلاقية” الأكبر عن كل الإنتهاكات والجرائم التي وقعت في تلك الفترة, ولن يعفيه من ذلك عدم تقلده لمنصب تنفيذي كما يدعي صاحبنا, ومن هنا جاءت تصريحات المهدي.

ومن ناحيةٍ أخرى فإنَّ حديث إسماعيل يذكرنا بما كان يقوله طاغية ليبيا الراحل “معمر القذافي” الذي ظل حتى آخر لحظات حياته ينفي تمتعه بأية سلطة أو تقلده لأية منصب تنفيذي في الحكومة الليبية, ويسمي نفسه “القائد”,  ومع ذلك فإنَّ الشعب الليبي, وكل العالم كان يعرف أنه الحاكم “الأوحد” لليبيا طيلة أكثر من أربعين سنة, والمسؤول الأول عن كل المصائب التي حلت بذلك البلد, فهل كانت إدانة القذافي تتطلب “بينات” ؟

ما يدعو للدهشة حيال تصريحات إسماعيل الحاج موسى هو أنّه سبق لحزب المؤتمر الشعبي الذي يتزعمه  الترابي أن أعلن في مناسبات عديدة إستعداد قادته للمحاسبة و للمثول أمام المحاكم إذا تم ذلك في إطار إتفاق لمساءلة جميع الأنظمة التي حكمت السودان منذ الإستقلال, مما يعني أنهم يقبلون “بمبدأ” المحاسبة فما الذي يجعل شخصاَ آخر لا ينتمي للحزب ينبري للدفاع عن الترابي بينما أهل حزبه صامتون ؟

يبدو أنَّ صاحبنا لا يُريد أن يفوَّت الفرصة دون أن يمارس هوايته المفضلة في التزلف والتملق وحرق البخور ( يقول دانتي في كوميدياه الالهية أنّ المتملقين مكانهم في الحلقة الثامنة من جهنم مع الطغاة والقتلة ).

لا يكتفي إسماعيل الحاج موسى بدفاعه عن الترابي, بل يطالب بفتح أبواب المحاكمات لجميع الأنظمة و يقول بنبرة ملؤها التحدي الزائف ( لو فتحنا باب المحاكمة فستكون مجزرة لن ينجو منها أحد ).

هو يعلم أنَّ جميع الأنظمة التي وصلت إلى الحكم عبر الإنقلاب العسكري – بما فيها الإنقاذ – عملت في بداية حكمها على محاكمة رموز الحكم خلال الفترات الديموقراطية المختلفة, وأقامت المحاكم العسكرية الناجزة التي أدانتهم  بالفساد, ومع ذلك كان يتضح في كل مرَّة أنَّ هذه التهم ملفقة وغير حقيقية, وقد قصد منها فقط تشويه وجه الحكم الديموقراطي التعددي.  

إنَّ المسؤولية الأخلاقية للمثقف تُحتِّم عليه الإنحياز لخيار الحكم الديموقراطي ومحاربة الإستبداد, وهو الأمر الذي يعني إنحيازه الحقيقي للشعب, إذ أنَّ التجارب قد أثبتت أنَّ الشمولية هى العدو الأول للبلد وللناس, وأنَّ أية محاولات لتجميلها – تحت أية نوع من المسميات – لا تعني سوى أنَّ ذلك المثقف قد أصبح خادماً للطغيان مهما إختلفت أشكاله وتعددت مُسمياته.