خالد فضل "قبائل وعرقيات تتناحر وأطفال يموتون بسوء التغذية إذا سلموا من الجنجويد والانتينوف, والسرطان يفتك بالناس والملايين يركبون بحار الموت ومراكب الخوف بحثا عن موطن آمن عند (الكفار) والبشير يتحاور لمزيد من التمكين "

معتصم أخوي , ترتيبه السادس بيننا نحن أبناء الحاج فضل الذكور (ما شاء الله), حتى لا تتهمني أمي (بنجيهة أخواني), ترك الجمل بما حمل منذ نهاية التسعينات من القرن الماضي عندما أنهى المرحلة الثانوية ونجى من مقصلة معسكرات الخدمة الإلزامية في معسكر ودالحداد , من يومها اتجه دون إبطاء الى الحواشة والبقيرات , وظلّ لأكثر من عقد ونصف يرعاها ويدبر شؤونها ذات الشجون , ويرابط بقرب الوالدين اللذين يغذان الخطو نحو مدارج الشيخوخة وأمراض الكُبر , ويحتاجان الى من يبقى بقربهما , انغمس المعتصم في طين الأرض فأصبحت سمة يديه , شقوق وأخاديد , وصار أب ضباح ينهش ملاين أصابع الرجلين , وهو صامد صابر مناضل مقاوم شأنه شأن المئات ؟ بل قل الآلاف من أترابه وأعمامه وأخواله  وعمّاته وخالاته بطول الجزيرة وعرضها .بدّل عمر البشير وزيرا بوزير قنيف والحاج آدم والمتعافي ومجذوب الخليفة والدخيري وغيرهم , استبدل محافظا بمدير للمشروع الكئيب , البدوي وسمساعة , وجاء ودبدر رئيسا لمجلس ادارته , ذهبت السكة حديد في حق الله , وبيعت الهندسة الزراعية في مزاد الحصاحيصا الشهير ونهبت المغازل والمناسج والمطاحن في قوز كبرو والحصاحيصا ومارنجان والملكية (مدني) وبالمرّة ذهبت الملكية (جوبا) الى دولة أخرى , جاء عوض الجاز وذهب في المالية والصناعة فزادت وتائر التخريب , وودبدر سليل بادراب أم ضوا بان له في الأمر شأن وأي شأن ! أصبح عمر البشير نفسه مزارعا في السليت , حواشته تدر عليه مليارات سنويا أكثر مما يتقاضاه من منصبه كرئيس مدى الحياة ! هكذا قال ذات يوم أفصح فيه عن عزمه الرحيل وعدم الترشح للرئاسة , قال قولته تلك فتكالب خفاف العقل والفكر والأخلاق من تنابلة السلطان للتباري على خلافته ووراثة عرشه المكين , وما دروا أنّ من تمكّن بازاحة من علّمه الرماية لا يتنحى أبدا أبدا الاّ مكرها أخاك لا زاهدا .

   تبادلوا المناصب بمخصصاتها ونثرياتها وشركاتها بقطنها وسمسمها وصمغها بسفرياتها وعمولاتها بحجّها وتثنية الزوجات وتثليثها وتربيعها , بالأولاد يدرسون في بريطانيا ويتخصصون في كلواردو ويبتعثون لواشنطن وبلاد عملتها اليورو , وعمولاتها الدولار , تناوبوا على المال العام والثروة العامة والميزانية العامة والأراضي العامة والحواشات والمشاريع وحتى نقعة التنقيب عن الدهب وجباله ووديانه , كلّهم تحت خرقة بالية وراية مهترئة وتنظيم حقير وحزب تعيس اسمه (الحركة الاسلامية) , احتكروا التقاوي والاسمدة والردة من شركة (سين) للغلال لزوم تغذية الأبقار الفريزيان وارد هولندا المنقولة جوا بالهيلوكوبتر الحكومية عندما دهم السيل الجارف بيوت المساكين والفقراء بشرق النيل ! أو كما تداولت الأحاديث يومذاك , وما هو بالأمر المستغرب لمن جعل همّه كلّ همّه فيما تبقى من عمر (الكنكشة على مقود بلد انهار بين يديه , لم يبق مرفق فيه حياة , صحة وعلاج وتعليم وغذاء وكساء , وقبائل تتقاتل وعرقيات تتناحر وأجزاء كاملة تعزّل وأطفال زغب الحواصل يموتون بسوء التغذية إذا سلموا من الجنجويد والانتينوف , والسرطان تقول احصاءات مستشفى ودمدني أنه صار الداء الأعظم فتكا بالناس الذين صاروا هياكل عظمية من مسغبة ونقص غذاء , وشباب بالملايين يركبون بحار الموت ومراكب الخوف على أمل العبور تهريبا لموطن آمن عند (الكفار) ,

 يتحاور عمر البشير حول ما يمنحه مزيد من التمكين , مزيد من العقارات في كافوري , ومزيد من الألبان في السليت , بينما المعتصم أخوي , ومنذ أكثر من 15عاما حسوما , يصارع من أجل الوجود , نعم الوجود الواحد ده, ذلك أنّ الحواشة تحتاج الى الماء والري معطوب , تحتاج الى الرش والمبيد مضروب , تحتاج الى السماد والسماد فاسد كجالبه والمسمسر فيه , تحتاج الى التقاوي والتقاوي محتكرة لدى قوي أمين من دهاقنة الفاسدين , ومع ذلك يبتدر البشير خُوارا جديدا , يلمّ اليه النطيحة والمتردية وما أكل السبع, يلمّ اليه كل منافق ذميم , ومكري باع نفسه للسلطان نظير ملاليم , يلمّهم في مشهد عبثي , ليواصل خُواره البائس , وعنترياته الفارغة وأكاذيبه المستمرة , وليواصل فشله الماحق وخوائه العميم . بينما في هذه اللحظات التي تدور فيها كاميرات المصورين وتهبّ نسائم هواء الفريون الرطبة , يتصبب العرق يحرق العين المصرورة لمعتصم وأضرابه هناك يحفرون بأظافرهم في طين الأرض عساها تكون أكثر رأفة بالحال المعلوم , هناك وهنا حيث الملايين من الناس السودانيين يفرمون أحياء بمفرمة البشير , لا يتوانى صاحبنا عن مواصلة النعيق وبئس المصير .