تقرير : صالح عمار يروي السوري عزت ناصر ساخراً ان كل ماحصلوا عليه من مفوضية اللاجئين الدولية بالخرطوم هو "تشجيع النساء على الطلاق والسكن بعيداً عن ازواجهم"، ولهذا يبدي ارتياحه من معاملته فى السودان كمواطن ويرفض إنشاء معسكر للاجئين تقيد فيه حركته لينتظر مساعدات المفوضية التى لن تصله. 

ولأن السوريين لم يتم إعلانهم كلاجئين فى السودان وبالتالي لاتصلهم مساعدات دولية، فقد تم فى العام 2012 تكوين لجنة (دعم العائلات السورية) من تجار سوريين مقيمين بالسودان لتتحمل اعباء مساعدة الآلاف من السوريين الفارين من جحيم الحرب فى بلادهم.

وفى مقر اللجنة بالعمارات فى الخرطوم تحول المبنى إلى خلية نحل يعمل كل افرادها على تجهيز المواد الغذائية والمساعدات إلى العائلات التى تحتاجها. ويكشف ممثل اللجنة، مازن ابوالخير، خلال حديثه للـ (التغيير الالكترونية) عن ان لديهم ملفات لـ500 اسرة تحصل على مساعدات مستمرة منهم “تقدم اللجنة مواد تموينية بما قيمته خمسون دولارا شهريا لكل اسرة”. فيما يتم استخدام المبنى – الذي يضم عددا من الشقق – كسكن مؤقت للعائلات والافراد القادمين حديثا.

وبحسب مصادر فإن القادمين من سوريا اغلبهم وصل السودان عن طريق مطاري دمشق و بيروت. وكمؤشر على حجم الحركة بين البلدين، فقد انضمت شركة طيران (اجنحة الشام) حديثاً إلى الخطوط الجوية السورية التى تسير رحلات منتظمة بين دمشق والخرطوم وتجد إقبالاً ومنافسة بين الركاب.

ولاتوجد إحصاءات دقيقة لاعداد السوريين فى السودان حيث تتضارب الارقام مابين (الاربعين والمائة الف شخص) ولكن الثابت ان الاعداد تتزايد بالتوازي مع تطور الصراع داخل سوريا. ويقيم مايزيد على (90%) منهم بالعاصمة الخرطوم فى مناطق (جبره، الصحافات، المعمورة، بحري، امدرمان) واعداد قليلة فى مدني، بورتسودان وشمال السودان.

ويقسم مازن ابوالخير هجرة السوريين إلى السودان لثلاثة مراحل : الاولى منذ عهد الاستعمار الانجليزى حيث عملوا فى خدمة الحكومة واغلبهم من الارمن، والثانية فى التسعينيات حين تم فتح باب التجارة بين البلدين، والثالثة مابعد اندلاع الصراع فى سوريا (2011). ويقدر عدد السوريين المقيمين فى السودان قبل (2011) بحوالى اربعة الآف يعملون فى التجارة والصناعة.

وتثير الهجرة الحالية للسوريين إلى السودان الذى يعانى من ازمة اقتصادية، علامات تعجب وإستغراب لدى كثيرين. إلا ان عزت ناصر – وهو عامل سوري وفد إلى السودان منذ ثلاثة سنوات – يجيب دون تردد “كل الابواب مغلقة، والمغري فى السودان انه الدولة الوحيدة بجانب تركيا التى يمكن الوصول إليها دون تعقيدات”، ويضيف ناصر : “التعليم والمستشفيات والعادات المشتركة .. حتى بالمقارنة مع تركيا الدولة الغنية الحياة فى السودان بسبب اللغة اسهل”.

وعكس معظم البلدان التى ارتبطت فيها صورتهم باللجوء والاوضاع الإنسانية الحرجة، وجدت اعداد مقدرة من السوريين نفسها مندمجة فى سوق العمل بالسودان، بل وتحول بعضهم لاصحاب اعمال. ففى مجال العمل الصناعى والحرفى، والماكولات، والمخابز، والزراعة سجل العديد منهم نجاحات ووجدوا فرصا للعمل حولتهم إلى منتجين. ولهذا السبب، فإن الحديث المتكرر فى الاعلام ومواقع التواصل عن تسول السوريين، يثير غضب وحفيظة قيادات السوريين فى السودان الذين يرون ان من يتسولون بإسم السوريين اغلبهم من مجموعة اخرى تتشابه فى سحنتها معهم وتحاول إستغلال التعاطف مع السوريين لمصلحتها، مع وجود اعداد قليلة من السوريين الذين امتهنوا التسول مهنة. ويقول احد هذه القيادات “الاسرة التى استطاعت دفع الآلاف الدولارات كثمن لتذاكر الطيران لايمكن ان تتسول”.

وعلى منوال المثل العربى “ماحك جلدك مثل ظفرك”، تضع لجنة دعم العائلات السورية فى اولوياتها توفير فرص العمل للسوريين ومساعدتهم بمشاريع صغيرة ليتحولوا إلى منتجين. اما المستقبل فلا إجابة له لدى كل السوريين الذين التقيتهم سوى “يفرجها ربنا ويحصل كل خير”.