صلاح شعيب لا تستقيم سيرة الأستاذ حمدنا الله عبد القادر إلا إذا نظرنا إلى تاريخ المسرح والدراما في بلادنا قبل بدء تجربة صاحب "خطوبة سهير". 

فالراحل لا بد أن قد استفاد من مسرح الجاليات الذي ازدهر في فترة الثلاثينات، والأربعينات، بعد أن أسسته الأسر المصرية، والشامية، الوافدة، والتي كان مبدعونها يقدمون عروضا في أنديتها التي لا تستقطب إلا ثلة من الوطنيين. ذلك المناخ الثقافي الذي مثل جينات المسرح السوداني ساعد العبادي، وخالد أبو الروس، والفكي عبدالرحمن، وأحمد عاطف، وإسماعيل خورشيد، وحسن عبد المجيد وآخرين من الرواد لدعم مشروع سودنة المسرح، والدراما، والاستجابة للتحولات المجتمعية التي لازمت تلك الفترة التي ارتبطت بالدعوة الى الفكر القومي، ونشدان الاستقلال الوطني، وتبني أسس التحديث.
ولعل تلك البذرات الأولى لجيل حمدنا الله قد ساهمت في بروز جيل آخر من العاملين في المجال تمثل في الفاضل سعيد، وعوض صديق، والسر قدور، ومكي سنادة، وجعفر النصيري، وأمين محمد أحمد، ويس عبد القادر، ود. علي البدوي المبارك، وهاشم صديق، وعبدالله علي ابراهيم والريح عبد القادر، وسمية عبد اللطيف، ويوسف عايدابي، وتحية زورق، وعز الدين هلالي، وخالد المبارك، ومحمد شريف، والخاتم عبدالله، وفايزة عمسيب، وبدر الدين حسن علي، إلى جيل العميري، وعبد الرحمن الشبلي، وخطاب حسن أحمد، وقاسم أبو زيد، والأنور محمد عثمان، ومحمد السني دفع الله، وعثمان جمال الدين، ويحيي فضل الله، وأحمد طه أحمد، والسماني لوال، ومحمد محيي الدين، والسر السيد، وذو الفقار حسن عدلان، وهناك آخرون كثر غيرهم نهضوا بهذه السودنة المسرحية التي تمثلت في عدد كبير من المسرحيات السودانية التي علمت الناس في العاصمة، والأقاليم، وهناك عدد مماثل من الأعمال الدرامية التي كانت تبث عبر الإذاعة والتلفزيون.
ذلك الجيل الذي كان حمدنا جوهرة ساطعة في وسطه قد وضع اللبنات الأولية لمواصلة المشاريع المسرحية، والدرامية، التي أوقفتها الإنقاذ، وعطلت مسيرتها. ولقد وجدت نفسي يوما في مشاهدة تناقض كبير لأفاعيل الإنقاذ التي قامت يوما بتكريم ثلاثة من رواد السودان. الأستاذ أحمد المصطفى الذي يمثل الغناء، والأستاذ حمدنا الله المسرح، والشيخ البرعي الإنشاد الديني، كانوا من ضمن الذين قررت الدولة تكريمهم. كان الحفل بقاعة الصداقة في بداية التسعينات بينما كان المبدعون حينذاك ملاحقين من أجهزة الأمن، فيما تصد الإذاعة، والتلفزيون، أبوابهما على بعضهم الذي طُرد من كثير من مؤسسات الثقافة، وأصبح بلا مصدر رزق. كان ثلاثتهم يستحقون التكريم، وأكثر، من الدولة التي حاولت تجيير الصنيع لإنجازاتها، ولكنها هي ذات الدولة التي قررت أن تسير عكس منهج المكرمين الذين هدفوا لخدمة بلادهم بذلك المنهج المخالف لمنهج “المشروع الحضاري”!
لقد كانت الأعمال المسرحية للراحل حمدنا عبد القادر وآخرين من جيله، والذين أتوا بعده، تمثل مجالا للتعلم، والتثقيف، والاستنارة، فيما كانت أعماله الدرامية تتناول صور الحياة السودانية بشكل يعالج سليباتها، ويعضد إيجابياتها. ولذلك كان المسرح حينذاك يمثل أحد الأعمدة الثلاثة للعمل الثقافي المسموع، والمشاهد، وكان التنافس بينه والإذاعة والتلفزيون ملحوظا، ومنشطا لحركة المبدعين في هذه المؤسسات الثقافية. وللأسف لم تحافظ ثقافة الدولة، بالطبع، على ذلك التراث الناشط بفعل السياسات الثقافية التي جاءت بها الإنقاذ، وتأثير حركة الحياة العامة السلبية على المسرحيين، والدراميين، وإهمال المنشآت المسرحية، وعدم صيانتها، فضلا عن غياب مناخ الحرية الذي أثر على إنتاج المسرح والدراما، وهو المناخ الذي فيه اضطر المبدعون إلى الهجرة. ونشير هنا الى أن المسرح السوداني يعاني اليوم جفافا في حركته بعد أن كان يوما مجالا للتثقيف على مستوى العاصمة والأقاليم. ونذكر هنا تجارب مسرح الجزيرة، ورابطة سنار الأدبية، وعطبرة، والفاشر، والأبيض، وبورتسودان، وكذلك مسارح المدارس الثانوية التي جعلت من المسرح منارة لتعلم الطلاب. فضلا عن ذلك فقد كانت المدارس الرائدة مثل بخت الرضا، ووادي سيدنا، وحنتوب، منارات سامقة للآباء المسرحيين أمثال د. عبد الرحمن علي طه، ود. أحمد الطيب، أول عميد للمعهد العالي للموسيقي والمسرح، والفكي عبد الرحمن، ود. عبدالله الطيب وغيرهم من الذين لعبوا دورا كبيرا في تنمية الحس المسرحي لدى الطلاب، والذين تحولوا إلى فترة لاحقة إلى معلمين ينثرون قيم المسرح وسط أجزاء واسعة من السودان. ولا ننسي أن مسرح جامعة الخرطوم كان يمثل موئلا للتنوير الثقافي عبر مجهودات مميزة للطلاب. ولعل حادثة مسرحية العجكو مثلت أول بادرة للعنف الثقافي الإخواني تجاه المسرح، ولذلك ليس غريبا أن تنتهي المسارح في زمن الإنقاذ إلى مواقع مهجورة فيما يغيب الإنتاج المسرحي في المشهد الثقافي.

لقد كان حمدنا الله مثقفا كبيرا يعمل في صمت، وفنانا واعيا بالتحولات المجتمعية بين كل مرحلة وأخرى، ولذلك ظلت أعماله تقدم موقفا نقديا من الكثير من الممارسات السلبية في المجتمع. ولكل هذا كانت مسرحياته، وأعماله الدرامية المشوقة، تجد حظا كبيرا من الاستماع، والمشاهدة، لعمق تناولاته للمواضيع التي يتطرق إليها في متن العمل الإبداعي. وربما يعود هذا التميز لحمدنا الله إلى معارفه المؤسسة وسط جيله. فهو قد تخرج في كلية الآداب بجامعة الخرطوم في الخمسينات، وجاب عددا من أقاليم السودان عبر عمله في الخدمة المدنية. وقد غذى فيه هذا التجوال عمقا لفهم الشخصية السودانية انعكس على كل تجاربه المسرحية، والدرامية. ولعل بأعماله الرائدة مثل أبا روحيا لعدد كبير من المسرحيين والدراميين الذين أتوا بعده، ووصلوا بالمسرح السوداني والدراما نحو آفاق رحبة. ولعل التكريم الذي حُظي به الراحل في عدد من الأقطار العربية يؤكد على أهمية إنتاجه الفني. وهنا يقول العميد السابق لكلية الدراما والموسيقى بجامعة السودان سعد يوسف في حديث للجزيرة نت إن الراحل “يعد أحد أعمدة الكتابة المسرحية والدرامية في الوطن العربي، وقد عالج قضايا اجتماعية في نصوصه، وظل يمثل سقفا للدراما والمسرح لما تميز به مسرحه من صرامة أكاديمية وانفتاح على المجتمع.”

من ضمن الأعمال التي شاهدتها للراحل تميز حمدنا الله بذاكرته الفوتغرافية التي تلتقط تفاصيل الحياة السودانية، والتي يحولها إلى دراما حية، وعمل مسرحي مؤثر ذي حبكة فنية متقنة. ولا شك أن وجود حمدنا في بريطانيا حينما ذهب إلى هناك لنيل دبلوم من كمبردج أهله للاستفادة من العديد من التكنيكات المسرحية وتوظيفها في المسرح السوداني. ولذلك ربط الناقد مجذوب عيدروس بين تأثره في “خطوبة سهير” بـ”بيت الدمية” لهنري إبسن. وأتذكر أن مسرحيته هذه لاقت تغطية واسعة في الصحافة والإعلام إبان عرضها، وعدها عدد من نقاد المسرح بأنها تمثل قمة أعمال الراحل، فضلا عن قوة واقعيتها، وارتباطها بمجريات الظرف الذي عرضت فيه.

القيمة القصوى لحمدنا، وجيله، هي أنه وضع اللبنة الأساسية التي تراكمت عليها الأعمال المسرحية والدرامية، والملاحظ في ذلك الجيل هو تجاوزه للصعاب التي واجهت إمكانية تطويره لفن المسرح، وأذكر أن خورشيد قال لي يوما إنهم كانوا يعتمدون على “الرتينة” في غزو الحلال، والفرقان، لعرض مسرحياتهم على الهواء الطلق، مثلما كانت تفعل فرقة كواتو المسرحية، وعبدالله صوصل الذي يعود إليه الفضل في تقديم مسرح “الرجل الواحد” في السودان. ولعل التجربتين توفقتا من حيث ترحيل خشبة المسرح إلى الشارع، والناس، عوضا من مجيئهم لمشاهدة المسرحيات، كما كان جيل خورشيد يفعل في زياراته الخمسينية لتعريف الريف بالمسرح. ونذكر أن كواتو التي قامت على أفكار السماني لوال، وديرك أويا الفريد، كانت مرحلة متطورة لبناء جمهور مسرحي عريض لا ينحصر في داعمي حركة المسرح من أبناء الطبقة الوسطى. كانت كواتو تجربة تتقصى توظيف الإرث الشفاهي، كما فعل حمدنا الله في بعض أعماله، وتنويع لغة المسرح بحيث أن تشمل لغات ومواضيع الهامش.

رغم كل هذا الرصيد الثقافي الذي تأسس منذ زمن مسرح الجاليات وطوره جيل حمدنا الله فيما بعض حتى وصلنا الى مرحلة المسرح التجريبي، ما تزال حركة المسرح والدراما السودانية معطلة لأسباب تتعلق بواقع الحال العام من جهة، وبالسياسات الثقافية للدولة من جهة أخرى. ولا أدري فحوى التناقض بين انتقاء الحكومة شخصيات محددة لتكريمها وتحطيم الأسس الإبداعية التي أقاموها في ذات الوقت، ولعل اهتمام الحكومة بالإبداع الفني كان سيكون اكبر تكريم لجيل حمدنا وغيره، كون أن ذلك يمثل اعترافا بالبذرة الثقافية التي تعهدتها الأجيال المتعاقبة بالرعاية حتى استوت ملامح للإبداع السوداني حرية بالإشادة.

الرحمة والمغفرة للأستاذ حمدنا الله، والعزاء لكل الإخوة المسرحيين، والدراميين، ولأبنائه، وبناته، ولأحفاده، وحفيداته، والرحمة أيضاً لكل الراحلين من الحقل، والذين ساهموا في ظروف بالغة القسوة في تطوير المسرح والدراما، وإيجاد خشبة مسودنة، ومجال في الأثير، تتنافس فيهما الحبكات الفنية.