بابكر فيصل بابكر نقلت صحف الأسبوع الماضي عن نائب رئيس لجنة الأمن والدفاع بالبرلمان, التوم الفاضل, قوله أنَّ الحكومة ترغب في دخول منطقة كاودا معقل الجبهة الثورية سلمياً, وأضاف: ( مثلما فُتحت مكة المكرمة بالسلم عايزين نفتح كاودا بالسلم كذلك ).

حديث التوم الفاضل أعلاهُ يستبطنُ إستعادة غير واعية لحدث تاريخي شديد الخطر, وتتجلى فيه بوضوح ملامح توظيف الخطاب الديني لخدمة الأهداف الآيديولوجية, وتتمثل خطورة الحدث في أنَّ “فتح مكة” من وجهة النظر الإسلامية يعكسُ طبيعة “العلاقة الأبدية” بين الحق والباطل, والرشد والغي, بين فسطاطي كفر وإيمان لا التقاء بينهما ولا إئتلاف عقائدي, ولا توائم منهجي , ولا حتى إندماج إجتماعي وأخلاقي.

وهو, أي حديث التوم الفاضل, كذلك يعكس ماهية “التصوُّرات الذهنية” و”الدوافع النفسية” الحقيقية أو المُتخيلة التي يتحرَّكُ من خلالها الخطاب الحكومي الرسمي, وتحكمُ نظرته لقضايا جوهرية ذات أهمية قصوى مثل قضايا الحرب والسلام والحكم والهوية والإنتماء الوطني وغيرها.

وأخيراً فإنَّه يُشكل دليلاً واضحاً على أنَّ أهل النظام الحاكم باتوا مثل “آل البوربون”  لا يتعلمون شيئاً ولا ينسون شيئاً من أخطائهم القديمة, فقد كان المرءُ يظنُّ أنَّ تجربة الحرب في “جنوب السودان” ومآلاتها قد تركت بصمتها الواضحة على عُقول القائمين على أمر السلطة بما يدفعهم لتغيير المنظور الأساسي و أساليب التفكير ومنهج التعامل مع القضايا الخطيرة والحسَّاسة وفي مقدمتها قضية الحرب والسلام.

بدأ الزج بالشعارات الدينية في حرب الجنوب بكثافة بعد وقوع إنقلاب الإنقاذ, حيث تم تصويرها على أنها حربٌ بين الإسلام الذي ترفع راياته الحكومة, وأعداء الإسلام (صليبيين وصهاينة) الذين تمثلهم الحركة الشعبية لتحرير السودان, وتم توظيف الرموز والقصص والروايات الدينية التي تحث الشباب على الجهاد والإستشهاد في حرب ذات “طبيعة سياسية” بإمتياز.

وبعد مرور خمسة عشر عاماً من الحرب الجهادية إضطرت الحكومة للتفاوض مع الحركة الشعبية حيث أدركت أنَّ المعركة لن تُحسم في الأحراش بل عبر مائدة المفاوضات, وعندما حطت قدما زعيم الحركة الراحل “جون قرنق” أرض الخرطوم خرج لإستقباله مئات الآلاف من السودانيين, وجلس الرجل الذي كان يوصف بعميل الصهيونية والصليبية والإمبريالية في مكتبه داخل القصر الجمهوري كنائبٍ أول للرئيس.

ذهب الجنوب وأخذ معهُ ثلث الأرض والشعب, وكان المؤمل أن تعي الحكومة الدرس, وهو أنَّ الصراع الذي يدور في السودان ليس صراعاً بين فسطاطي الحق والباطل , وإنما هو منتوج تراكم طويل من الأزمات المكتومة التي تتمثل أبرز عناوينها في : السلطة والحكم والثروة, وليس الكفر والإسلام والإيمان.

إنَّ الذين يُسيطرون على “كاودا” اليوم, هم أنفسهم من كانوا بالأمس القريب “شركاء” الحكومة في السُّلطة, وليس من بينهم “أبي سفيان بن حرب” أو “عكرمة بن أبي جهل” أو “سهيل بن عمرو”, وهمُ كذلك ذات الرجال الذين سيعودون قريباً للمشاركة في الحكم إذا تم التوافق في الحوار القادم, فما هى إذن دواعي إستجلاب الأمثلة التاريخية المُحمَّلة بالدلالات الدينية في صراعٍ ليس لهُ أدنى صلة بأمور العقيدة ؟

كان الرئيس الأمريكي السابق “جورج بوش” قد قال في الأسابيع التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر عام 2001 على نيويورك وواشنطن وهو يُبرِّر حملته العسكرية على أفغانستان أنّ : “هذه الحملة صليبية .. هذه الحرب على الإرهاب ستستغرق فترة من الوقت”.

قد عكست ذلة اللسان تلك حقيقة نظرة الرئيس الأمريكي ومن حوله من “المحافظين الجدد” للحرب, وإن لم يكن ذلك يُعبِّر عن رؤية العديد من المؤسسات الأخرى داخل الإدارة أو الشعب الأمريكي, ولكنه على أية حال كان تعبيراً كاشفاً عن قناعات آيديلوجية لفئة من الحاكمين في البيت الأبيض.

إنَّ الحديث عن فتح كاودا بالسلم كما فتحت مكَّة المكرمة, وهو حديث صادر  بوعي أو دون وعي  عن شخص في موقع المسؤولية, يستبطنُ أنَّ أحد طرفي النزاع, وهو في هذه الحالة الحكومة, يمثلُ معسكر “الإيمان”, بينما الطرف الآخر يمثل معسكر “الكفر”, وهو حديث من شأنه التعمية على طبيعة الصراع.

يعلمُ الأخ التوم الفاضل أن السيد “عبد العزيز الحلو” كان قبل أربعة أعوام فقط نائباً لوالي ولاية جنوب كردفان, وعندما وقع الخلاف بين الحكومة والحركة الشعبية إنتقل لمربع معارضة السلطة, فهل هذا يعني أنَّ الإختلاف مع النظام الحاكم يعني الخروج عن الدين والإنتقال من فسطاط الحق إلى معسكر الباطل ؟

إنَّ من شأن هذا الخلط المعيب بين أمور السياسة والدين أن يُفسد كلاهما, حيث يتحول الدين وهو شأنٌ مقدسٌ متعالٍ لمُجرَّد أداة لخدمة المصالح الدنيوية الضيقة والمتغيرة, يتخذ له لوناً وثقافة ولغة متحيزة تهبط به إلى درك سحيق, وهو كذلك يُفسد السياسة بحيث تغيب عنها النظرة العقلانية والتحليل الموضوعي لأساس المشاكل التي تواجه المُجتمع مما يجعل إيجاد الحلول أمراً مُستعصياً.

كذلك يعلم الأخ التوم الفاضل أنَّ الحرب ظلت مُشتعلة في جنوب كردفان منذ ثمانينيات القرن المنصرم, ولم تتوقف إلا بعد أن تم توقيع إتفاق نيفاشا, وهو إتفاق سياسي خاطب قضايا خلافية بين طرفين متنازعين, وليس وثيقة دينية نابعة من العقائد أومستلهمة من الكتب المقدسة, وبالتالي فإنَّ أية حديث عن حسم القضايا بقوة السلاح وبإستدرار العواطف الدينية لن يؤدي إلا لإستمرار المشكلة وتفاقمها مثلما حدث مع الجنوب.

إنَّ إستحضار التسلسل التاريخي المنطقي لفتح مكة المكرمة المُراد إستلهامه لدخول معقل الحركة الشعبية “كاودا” قد يُمثل مُهدِّداً جدياً للمكانة المستقبلية للسيد نائب رئيس لجنة الأمن والدفاع بالبرلمان وإخوانه في فسطاط الإيمان, فمن المعروف أنَّ حدث الفتح تضمَّن العفو غير المشروط من قبل سيد الخلق المصطفى (ص) على “كفار” قريش, وهمُ من عرفوا فيما بعد “بالطلقاء”.

الطلقاء هؤلاء كان من بينهم “معاوية بن أبي سفيان” الذي صار بعد عدة سنوات من فتح مكة خليفة للمسلمين ومؤسساً للإمبراطورية الأموية التي حكمها أبناؤه وأحفاده لثمانيةٍ وثمانين عاماً, فهل وضعَ السيد التوم هذا الأمر في حسبانه ؟