إيمان أحمد الخواض *النقد الفني المتحيز أخطر أنواع الاستهداف للكاتبات * هذا ما همست به عبقرية خليل فرح في أذن المرأة السودانية! *هكذا روت روزا ياسين المصائر المحزنة لبعض الكاتبات العربيات  

الكتابة” في السودان إبحار عكس التيار كما قال أحدهم، والتيار المقصود هو تيار الحياة الاجتماعية السودانية الذي هو في عنفوان دائم طيلة فصول العام،

فلا ينفك الإنسان السوداني في خضمه رائحا وغاديا ما بين عزاء واجب أو تهنئة مستحقة أو لقاء أنس مستطاب، فمثل هذه الأنشطة الإنسانية العادية عند بقية الأمم تحظى عند أهل السودان بتقدير وتبجيل عظيمين، والمتخلفون عنها ينظر إليهم كما لو أتوا جرما كبيرا، ولربما اتهموا بتمزيق “النسيج الاجتماعي السوداني” جملة واحدة! وعلى الرغم من العبق الخاص والطعم الفرد لهذه “السودانيات” التي شكلت عواصما للمجتمع السوداني في أزمان المحن والأزمات، إلا أنها في وجهها الآخر الذي يأكل الوقت ويرهق المزاج ويهدر الموارد تقف وراء هذا القول الذي ابتدرنا به هذه الكلمة. ولئن صدق هذا القول على الإنسان السوداني فهو أصدق منه على “الإنسانة السودانية” التي تحمل عبئا إضافيا يتمثل في خضوعها لنظام اجتماعي يتطلب منها الانصياع لنمط محدد من الزينة النسائية يستوجب تعطيل أطرافها –اليدين والرجلين- لساعات طويلة، الشيء الذي همست به عبقرية خليل فرح في أذن المرأة السودانية عتابا رقيقا: انت يا الكبرتوك.. البنات فاتوك.. في القطار الطار !

فالمرأة الكاتبة في السودان هي فعل نشاز ليس فقط من هذا الوجه، بل هي كذلك من وجوه عدة أكثر تعقيدا . وأول هذه الوجوه هو ما تصطدم به الكتابة النسائية (بمعنى الكتابة التي تصدر عن النساء) من ثقافة تتحكم في ذهن القارئ الذي هو جزء من منظومة الكتابة إن لم يكن عمادها، وهي ثقافة تستنكر على المرأة فعل الكتابة ليس على طريقة نعمان الألوسي صاحب مخطوطة “الإصابة في منع النساء من الكتابة” ولكن بطريقة أخرى تستهدف كتابة النساء من وجهين: الأول -وهو الأكثر تهافتا- يستهدف شخص الكاتبة بعدة أشكال تتجلى في أقسى صورها في الطعن في نسبة المادة المكتوبة إلى الكاتبة والزعم بأن هناك ذكر ما يتولى الكتابة عنها، وقد عانت هذا عدد من الكاتبات العربيات (-سنصرف النظر عن السودانيات حتى لا يجرف ذكر الأسماء والشخوص القارئ بعيدا عن ما نريد!)

من بينهن على سبيل المثال الشاعرة اللبنانية وردة اليازجي ابنة الشيخ ناصف اليازجي، صاحب مجمع البحرين وشقيقة الشيخ خليل اليازجي فقد اتهمت بأن أباها وأخاها هما من يكتبان ما تزعم لنفسها من شعر وحتى أحلام مستغانمي الروائية الجزائرية المعروفة دار بعض حديث يحاول نفي روايتها الأشهر “ذاكرة الجسد” عنها والأمثلة كثيرة في هذا الصدد، وربما كان ذلك وراء ظاهرة الكتابة النسائية بأسماء مستعارة والتي ظلت حتى منتصف القرن الماضي قبل أن تختفي كلية، غير أن اللافت هنا أن عددا قليلا ممن لجأن إلى هذه الحيلة توارين خلف أسماء رجالية بينما أصرت الغالبية على تأنيث الاسم أو الصفة المستعارة،

والأمثلة كثيرة لا تنحصر في بنت الشاطئ (عائشة عبد الرحمن)، وفتاة غسان (فاطمة سليمان الأحمد) وباحثة البادية (ملك حنفي ناصف) وأخريات. وهناك صور أخرى لاستهداف شخص الكاتبة بخلاف نفي العمل الكتابي عنها مثل الطعن في أهليتها للكتابة والتعرض لحياتها وشئونها الخاصة وبخاصة سلوكها الشخصي، وهناك أيضا استهداف المادة المكتوبة بأقلام نسائية بالحط من قيمتها الفنية والموضوعية، وتعقب كتابة النساء بالنقد القاسي وإتباع معايير متحيزة تضيق ولا توسع وتنفر ولا تبشر في محاكمة المنتوج النسائي الكتابي. إن هذا النوع الأخير من الاستهداف ونقصد ذلك الذي يتلبس لبوس النقد الفني الموضوعي لما تكتبه النساء لا يقل خطورة عن الأول الذي يعنى بشخص المرأة، وتكمن خطورته في تدثره بالموضوعية بينما هو يستبطن الانحياز، وفي دراسة له عن كتابة النساء انتبه الكاتب العراقي رضا الظاهر إلى تحيز الموقف النقدي من كتابة النساء وخلص ألى أن “فساد النظام النقدي في الثقافة العربية يساهم في إقصاء كتابة النساء وتهميشها وتسفيهها” على حد كلماته.

على أنه يجب ألا يفوت علينا أن تسفيه كتابة المرأة يقابله من الوجه الآخر الاحتفاء الزائد بها فكلاهما يعيقان تطوركتابة النساء ويمنعان ترقيها الطبيعي. ونحن بالطبع إذ نقول بهذا القول لا نرميه على إطلاقه ولا نتهم به عموم النقد.

لقد رصدت كاتبة وروائية سورية هي الأستاذة روزا يس في تتبع لها لسيرة النساء الكاتبات في المجتمع العربي بعنوان (الإحتراق في أتون الكتابة) المصائر المحزنة التي آلت إليها عدد من الكاتبات العربيات، مستلهمة مقولة مي زيادة بأن “تاريخ المرأة استشهاد طويل” مشيرة إلى مصير مي نفسها التي انتهى بها الأمر في مسشفى للأمراض العصبية سبقتها إليه مضطربة الأعصاب باحثة البادية” بينما هوت درية شفيق صاحبة كتاب “إنني في الجحيم” بجسدها من فوق الطابق السادس إثر إصابتها بحالة من الاكتئاب الحاد، وارتفعت أروى صالح صاحبة كتاب “المبتسرون” أربعة طوابق أخرى لتهوي بنفسها من الطابق العاشر جثة هامدة. وبين طمس الهوية وراء الاسم المستعار والموت انتحارا دفعت المرأة الكاتبة أثمانا مختلفة شملت المحاكمات والاتهامات والإساءات، بينما اختارت بعض الكاتبات الانسحاب كلية والكف عن الكتابة الشيء الذي يفسر ظاهرة الرواية اليتمية أو السفر الفرد لدى بعضهن. ولكن يقيننا أن سيبقى خيار الأكثرية الاحتراق في أتون الكتابة على حد تعبير روزا، وهو احتراق يذكرنا بالتحدي النبيل الذي صاغه المرحوم صلاح أحمد إبراهيم شعرا:

لئن كنت كما أنت عبِق فاحترق