عبد الله الشيخ وصل الكساد إلى " القِيسَاب"..! جوال البلح "الجّاو"، وإن كان من أشهى تمر المأكولات، فإن سعره هذا العام نحو خمسون جنيهاً..! 

وإليك تكلفة حصاده :الشوال “الفاضي”، بخمسة عشر جنيهاً، لقيطه بعشر جنيهات، و ترحيله بعشر جنيهات..يُضاف إلى ذلك تكاليف الإنتاج، من ضريبة ري، حيث يُسقى النخل أربع مرات في السنة على أقل تقدير،، هذا عدا أعمال النظافة واللقاح، والجِباية الحكومية، من زكاة وخراج ، ورسوم قبانة وغيرها..!

الخلاصة أن جوال البلح ــ سبع كيلة بالتمام والكمال ــ يساوي ثمن قيراط بصل، أو يساوي بالكاد “طاسة فول”..!

قبل هذا ، كان من يحصد مائة شوال بلح، يُعد من الأغنياء..قبل هذا الخراب ، كان يتم تبديل جوال التمر بجوال قمح، فبكم القمح الآن..؟ “زمن الزمن زين”، كان جوال البلح الواحد يوفِّر إحتياجات البيت من المواد التموينية، لشهر كامل،، فكيف هي أسعار الضروريات  في هذه الايام..؟ الآن أصبح المُغترب يحوِّل لذويه “حقّ الضريبة، و ثمن الجوالات الفارغة ، كي يشجعهم على الحصاد..!

ما السبب في هذا..؟ يتجادل أهل الشمال  في هذا، ويقولون أن السبب هو الظلم.. الظلم الذي يحيق بأصحاب الإرث، من “القاعدين في العقاب”..! بعضهم يقول ، أن”المَحَقة” حطّت رحالها هناك، لإحجام البعض عن دفع الصدقات، لسكوتهم عن قولة الحق، وإهمالهم لأرواحٍ بريئة..!

آخرون يُرجِعون كساد البلح  إلى المحاكاة، إلى الحسد القروي، إلى أن الغالبية تتعمّد  زراعة ذات الصنف “البركاوي”..كل هذا معقول، لكن المشكلة أعقد بكثير من هذه الملامة..

شوال  التمر البركاوي، وقتَ حصاده، يباع بمائتي جنيه .. الكيلة من هذا الصنف التجاري”الفرّاشة”، بخمس وعشرون جنيهاً .. إذا اشترى التاجر الصغير، بهذا السعر  فسيربح في الشوال عشر جنيهات.. لنفترض أنه إشترى ألف شوال، فما جدوى تخزينها إن كان سيضربها السوس، وإن كان ربحه الإجمالي منها، مائة ألف / مليون جنيه “بالقديم”..!  بعض “اللقّاحين” يهربون  من حش التمر “الجّاو”، ومساعد اللقّاح لن يتسلق الشجرة إلا بحقه “كاش”..يوميته بمائتي جنيه، ولعامل اللقيط ثمانون جنيهاً..الكثير من أصحاب التمور ، حسبوها صاح ، و”خلّوهو واقف في أُمّو” أي لم يحصدوه..!هذا قرار إقتصادي صحيح ، لأن حصاد البلح جاء بالخسارة.. في سوق الدّبة ومناطق الشايقية، خُصِصت طواحين لهرس التمر ، ليكون علفاً للبهائم، و في”الملجة” تتكدّس  الشوالات من كل صنف، فمن يشتري..؟ عندما تعرض البلح في السوق، فهذا يعني أنك ستدفع أرضية الإيجار..هذا يعني الوقوع في أفخاخ السماسرة، الذين يعلمون أنك إن لم تتخلّص من بضاعتك البائرة، بأي سعر ، فستتكلّف عناء ترحيلها ذهابا وإياياً..!

غالبية أهل الشمال يزرعون البلح..لا يوجد تنويع في المحاصيل، ولا توجد دورة زراعية..المواريث أدت الى تفتتيت مِلكية الأراضي، فلم تعُد الزراعة مُجدية في المساحات الصغيرة..الذين هاجروا إختطف أطيانهم أقرب الأقربين، و ناس الكرامة والأُجراء، يفضِّلون “حقّهم” نقداً.. المشكلة أعقد بكثير، في مناطق السكوت والمحس..هناك قضت الحرائق على الآلاف  من أشجار النخيل و الشتول..حرائق رهيبة، دُوّنت كلّها ضد مجهول ، فلم يعد  للأبناء و الأحفاد متسع غير النجوع إلى الغربة على نهجِ آباءهم وأجدادهم،  فمئات الشوالات من عجو المحس التقيل،  لم تعد تسِد الرمق..!

ما السبب في كساد البلح، في الوقت الذي يستبشر فيه البعض،بتمدُد الشركات الأجنبية على الأراضي الميري..؟ لِم فارقت العافية تلك الشواطئ الخصيبة في هذا الوقت “الاستثماري”، وماهو مصيرها مع لعاب رأس المال السائل..؟!

هذا الكساد هو نتيجة إقتصاد الدولة العشوائي غير المتوازن..هذا الكساد سببه التهريج والدعاوى الزائفة التي أغلقت الأسواق والمعابر..هذا الكساد  سببه الطفيلية التي  تستورد العجوة من الخليج..هذا الكساد سببه الحكومة ـــ التي كانت ـــ توفِّر إمدادات الجيش من السوق المحلي..! قبل هؤلاء، كان بلح الشمال ينفُذ إلي تشاد وأفريقيا الوسطى ويضرب أرقاماً قياسية، في ضهاري أم درمان، و حواري الصعيد ومفازات أثيوبيا..الحروب العبثية، أغلقت المنافذ نحو الجنوب والجبال ودارفور..الآن، وقع “الطّاب”على هامات النخيل، كي تدفع الثمن..!

هذا من طبع الزمان، و”الزمان يقول لكْ جِيبْ”..! أليسَ ذلكَ، كذلك..؟