رشا عوض يبدو أنني كلما كتبت مقالة تتضمن نقدا للمعارضة المسلحة، علي أن أتبعها بأخرى لإنقاذها من التشويه والتشويش الذي سيلحق بها من الأستاذ ضياء الدين بلال.

نشرت يوم الإثنين 19/أكتوبر/2015 مقالة بعنوان “عفوا حملة السلاح…حوار على رصيف المعارضة” بصحيفة التغيير الإلكترونية، تضمنت نقاشا لسلبيات خيار”العمل المسلح” من حيث هو، على ضوء مآلات الحروب الأهلية في السودان، كما تضمنت نقدا للحركات المسلحة، وفصلت المقالة في أسباب اندلاع الحروب وفي دور النظام الحاكم فيها، في سياق استكشاف جذور الأزمة السودانية ومنابعها، في الخرطوم وحكامها، قبل الأقاليم ومتمرديها، ومن منطلق الانحياز لضحايا الحرب والفقر والاستبداد في السودان عامة وفي المناطق المهمشة خاصة.

اختطف الأستاذ ضياء الدين بلال المقالة، ونشرها كاملة في صفحته على الفيس بوك في بوست بعنوان” مبروووك رشا عوض خطوة ثانية الى الأمام”،وفي سياق تعليقه قال” كنت أدعو رشا للنظر بعينَيْن – ليس من المُهمِّ أن تكونا كحيلتَيْن – للمشهد العام” قاصدا بذلك –كما يفهم من السياق – أنني يجب ان انظر بعين الى عيوب الحكومة، وبعين أخرى إلى عيوب المعارضة المسلحة، ولكن ماذا فعل الأستاذ ضياء الدين بلال عندما نقل نقاش المقالة إلى عموده بصحيفة السوداني التي يرأس تحريرها؟ لقد فقأ لي العين التي تفحصت بها عيوب النظام الحاكم، وعيوب الأنظمة التي سبقته، وتتبعت بها منابع الحرب وجذورها في سياسات الخرطوم، وتفحصت بها جرائم النظام الحالي وموبقاته التي تأمر بالحرب وتنهى عن السلم، وترك لي عينا واحدة فقط هي العين التي ترى بؤس الخيار العسكري وعيوب الحركات المسلحة! فحوّل مقالتي إلى (مقالة عوراء)  بعد ان أخضعها لجراحة مؤلمة وبدون تخدير! حيث انتقى منها العبارات التي تطرب”من يهمه الأمر” وتضلل القراء الذين لم يطلعوا على أصل مقالتي وتظهرني أمامهم بمظهر أولئك الذين احترفوا نقد المعارضة المدنية والمسلحة استرضاء او مداهنة لسلطة الاستبداد والفساد في سياق البحث عن منافع او مصالح، أو على أحسن الفروض”إيثارا للسلامة”!

ليس هذا فقط، بل زعم الاستاذ ضياء أن موقفي الناقد للحركات المسلحة ما هو إلا درس في السياسة والوطنية تلقيته منه هو شخصيا إذ يقول”  ظللتُ أكرِّرُ في مناقشاتي المطوَّلة مع رشا عوض وآخرين وأخريات في الفضاء الإسفيري؛ أنَّني ضد أي محاولة لتغيير النظام بصورة تهدِّدُ كيان الدولة وسلامة المجتمع”، ثم يؤكد أن اقتباساته المنتقاة من مقالتي هي “خلاصة موجزة لنقاش مطول داربيننا منذ سنوات”،

نعم يا أستاذ ضياء، حاورتك وناقشتك، ولكنها كانت حوارات ندية وتكافؤ، وكما كان لك قولك كان لي قولي كذلك، ولكنك كما فقأت عين المقالة وتركتها عوراء، كتمت صوتي في تلك الحوارات وجعلتني خرساء! وأبرزت صوتك فقط! تماما كما يفعل كبيركم هذه الأيام  في حواره البائس مع نفسه  في قاعة الصداقة!

قلت لي لا يمكن ان نأتمن حركات تحمل السلاح على أساس إثني على الديمقراطية، فقلت لك إن أكبر كيان مسلح على أساس إثني في السودان هو المؤتمر الوطني وسألتك لماذا عندما يحمل أبناء القبائل الأفريقية في دارفور أو جنوب كردفان السلاح تصفهم بالإثنيات المسلحة وعندما تقوم الحكومة بتسليح الجنجويد وبتكوين مليشيات من قبائل الشمال لحماية النظام لا تصفهم بالإثنية المسلحة؟ ولم تجبني حتى الآن!

قلت لي إن الشر ليس فقط في الحكومة، بل ان من يطرحون أنفسهم بدائل للإنقاذ هم أسوأ منها، فقلت لك ولكن الإنقاذ هي ذروة سنام الشر، وهي المتحكمة في مصائرنا وأرزاقنا، وبالتالي فلا مقارنة أصلا بين شرها وشرور  الآخرين ما دامت في السلطة! وما زلت عند رأيي، فالحكومة بقيادة الطغمة الحاكمة هي القاتل الأكبر، والناهب الأكبر لمال الشعب، والمنتهك الأكبر لحقوق الإنسان، وهي المسؤول الأول عن كل الجرائم التي دمرت البلاد، ولذلك، موضوعيا لا يمكن مساواتها بضحاياها من المعارضين مهما كانت سلبياتهم أو سوآتهم كما تقول.

أما كتاباتي الأخيرة عن الحركات المسلحة، فهي رؤيتي الذاتية التي تبلورت لدي عبر منهج تفكير أصيل، ، فأنا لم انتمي مطلقا إلى أية حركة مسلحة، ولم أكن يوما ممن يحلمون أحلام العصافير وينتظرون الحركات المسلحة لإنجاز التغيير نيابة عنهم – على حد تعبيرك-  نعم تعاطفت معها من باب التعاطف مع المهمشين، وهو نفس الباب الذي يجعلني، رغم اصطفافنا معا في خندق المعارضة، لا أتردد في الجهر بآرائي الناقدة لها الآن، ودون ان يكون لك يا استاذ ضياء الدين أدنى تأثير في كل ذلك وما ينبغي لك وما تستطيع! والسبب ببساطة اننا من الناحية السياسية نسير في خطين متوازيين لا يلتقيان! فأنت عندما تسهب في الحديث عن سلبيات الحركات المسلحة والمعارضة بوجه عام لا تفعل ذلك من موقع مستقل عن النظام بل تفعله وانت متخندق وبشكل سافر مع نظام الاستبداد والفساد! وفي سياق تبريري لما يفعله النظام وقبل ذلك في سياق البحث لنفسك قبل النظام  عن مشروعية أخلاقية تبرر لك  وجودك في ذلك المستنقع الذي يتقافز منه الآن  حتى الطيب مصطفى! بل وتحاول انت وغيرك من الكتاب بكل أسف تسويق نظرية بائسة خلاصتها ان عيوب ونقائص المعارضة تبرر الاسترخاء المطمئن في بلاط السلطان الجائر!

ولذلك فإنك عندما تتحدث عن سلبيات الحركات المسلحة فإنني أضع أصابعي في أذني وأستغشي ثيابي! لأن اي هجوم على هذه الحركات من منصة السلطة الغاشمة من وجهة نظري فاقد تماما لأية مشروعية أخلاقية، وأكرر ما سبق ان قلته لك في مقالة سابقة إن أنصاف الحقائق هي أسوأ الأكاذيب وكلمة الحق عندما يراد بها باطل تكون أسوأ من كلمة الباطل نفسها!