خالد فضل مشهد أول: الشاب الطالب الجامعي و زملاؤه , في صالون منزلهم , يتآنسون , يدخل عليهم الأب مبتسما, بعد الترحيب والسؤال المعتاد ,من وين يا شباب إنتو ؟ أولهم , أنا من دارفور .

من أي القبائل , دارفور أرض الحفظة الكرام, يعلّق الأب . من المساليت . يعني من عائلة السلطان , بس جار علينا الزمان يا عمو و يتمتم الأب , ربنا إسهّل , ثم متجها ناحية الآخر , وإنت برضو من هناك ؟ الشاب : لأأ , أنا من أم درمان ,موردابي وكده يا عمو . أها ها , ثم متحولا ببصره نحو ثالثهم , ودون أن يسأل يجيبه مباشرة , أنحن أساسا من جبال النوبة , لكن مستقرين في بورتسودان أنا اتولدت هناك وما بعرف الا كلمتين تلاتة بس من لهجة أهلي هناك في الجبال . يعيد الأب الترحيب , ثم ينصرف , تسأله الحاجة عن ضيوف ولدهم , تتقلّص عضلات وجهه وتعلو شفتيه زمّة خفيفة كناية عن التأفف , أهو ململم ليهو شلة عبيد كده! انتقلت كل علامات التأفف الى وجه الحاجة أم الولد , فجأة قفزت الى ذاكرتها ,حبوبة (راجين الله), وهي الجدّة الثالثة لنسيبتها , والدة زوجها , الوسيم الوجيه ,زمان عندما تقدّم للزواج منها وهي بت العز والقبايل , تم التنقيب عن سيرته الذاتية فكان فيها عرق, عن طريق تلك السرّية , تم تجاوز الأمر تحت سطوة الوسامة والمنصب والثروة الحالية والنباهة العلمية , والمهنية كإختصاصي ماهر واسع الشهرة , وفوق ذلك زميل وصديق للأخ الاكبر منذ أيام الجامعة .

  مشهد ثان: زنوبة بت النوبة , تناجي قريبتها مريومة بصوت أقرب للهمس, إذ هما في مكان شبه عام , حيث زارتها مريومة أو بالأحرى غشتها لتستريح قليلا بعد عناء يوم مضن قضته في المساسقا بين دوواين ومكاتب الأراضي , سعيا وراء تقنين وضعية منزلها الكائن في طرف المدينة العاصمة , والذي شيّدته بالجالوص منذ سنة الفيضانات (1988م), لكنها لا تعرف التواريخ بالطبع إنّما تدوّن للوقائع بالأحداث المصاحبة كعادة معظم أهلها , حتى في تسمية المواليد , المهم , فلتت جملة ( أكان شفتي عثمان العرباوي داك), يبدو أنّها بصدد بداية فاصل من القدح , فمهّدت لذلك بوصفه ب (العرباوي) !

  مشهد آخر , ومشاهد عديدة , الزغاريد تنطلق بغزارة من المنزل المجاور , بنتهم فلانة جاها عريس , جعلي من المتمّة , نعم النسب والله يا حاج , ألف مبروووك للبنيّة !

   و تترى المشاهد والصور , عندما يغني العطبراوي أنا سوداني أنا , ويردد ببحته المحببة , أمة للعُرب وللعُرب تنسب الفطن ووووو أنا سوداني أنا .(يتم دغمستها ب أمة للعرف إلخ )… , لا ليس وحده العطبراوي , فمحمد أحمد المحجوب في الثلاثينات يكتب في مجلة الفجر عن النموذج لكمال الفرد السوداني , أن يتمثل قيم العروبة والإسلام . وبينا كان أولاد الموردة محمد وعبدالله أولاد عشري صديق يقاومون صنوف اللامبالاة السائدة وسط المثقفين من أبناء جيلهم , كانت تؤرقهم تلك النزعة لبسط هوية عرقية عروبية , كانوا هم أنفسهم مستغرقين في تفاصيلها الثقافية لكنّهم لا يستشعرونها هوية عرقية , بل كان علي عبداللطيف نفسه لا يستنكف العروبة الثقافية خاصة اللغوية , لكنه كان يطمح الى أنموذج للسودانيين النبلاء عوضا عن الوصفة الببغاوية (العرب النبلاء) , النبل قيمة أخلاقية رفيعة ليست رهنا بمنحدر عرقي محدد . فأيّهم أكثر نبلا في الواقع , العبد الذي يخلص لسيذده في أحلك المواقف فيفديه بنفسه إن دعا الداعي أم السيّد الذي يتأفف من مجرد حمله لوثيقة مدنية اسمها الجنسية السودانية , لأنها بزعمه تساويه مع مملوكه (العبد) , فتأمل !

  وجدل الهوية يتجدد هذه الأيام , ووفق ما تنشره صحف الخرطوم من أحاديث عن اجتماعات الفئة الحاكمة مع بعض ربائبها فيما تسميه مؤتمر الحوار الوطني , فقد قرأت لمصطفى عثمان اسماعيل , مسؤول العلاقات الخارجية بحزب الاتحاد الاشتراكي2المسمى مجازا (المؤتمر الوطني) : تخوّفه من أن يؤدي نقاش الهوية الى انقسام في السودان . ليس الخوف على السودان في الحقيقة من نقاش موضوع الهوية بل الحاصل أنّ السودان منفصم في مسألة الهوية , كما أنّ السياسات الحكومية التي باشر تنفيذها بقسوة وعنف تيار سيادة الوزير سابقا (أم السفير الجديد) عندما استولى على السلطة ظلما وعسفا هو ما قاد الى انقسام السودان ونهوض المطالب المشروعة لدى غالبية السودانيين ليعرفوا كوعهم من بوعهم , والشيء  بالشيء يذكر , ففي مؤتمر لمنظمة النساء الافريقيات ضد الإيدز , حضرته قبل نحو عشر سنوات في كمبالا , دارت دردشة جانبية بيني , وشابة محامية من تنزانيا , ملامحها تشبه ملامح أخواتي وبنات أعمامي بل زوجتي وطفلتي , وجميع هولاء محسوبات على (عرباويين السودان) , قلت لها إنّك لو ذهبت الى الخرطوم فسيتم معاملتك على أساس أنّك (بت عرب), لحظت أن وجهها امتقع , وردّت على ملاحظتي بحدّة : بل أنا تنزانية إفريقية لا أمت للعرب بصلة . رأيت كيف أنّها تعتز بتنزانيتها لا ترجو عنها حولا , وربما رددت في سرها مقطع أغنية وردي الشهير (ليس في شرعتنا عبد ومولى) إذ هو ينطبق على بلادها بصورة أفضل مما هو الحال في موطن شاعرنا ومغنينا العظيمين!

  ماذا يقول السوداني عندما يُسأل أو يسأل نفسه من أنا ؟ أيقولها بملء الفيه أنا سوداني وكفى ؟ هل يستشعر هذه السودانوية تسري مسرى الدم في عروقة وأعراقه ؟ أم أنّ في دماء وأعراق بعض السودانيين (عرق) كما يقولون تلطفا عن (رقيق), ألا يتلعثم السوداني وهو يقدم نفسه للآخرين أم يقولها بطلاقة ؟ ألا تعبّر الممارسات اليومية في الحياة العامة والحياة الاجتماعية عن هذا الفرز العرقي البغيض بين من يفترض تباهيهم ب (سودانيتهم), أليس اللغة العنصرية تستخدم بعفوية وسذاجة من أعلى مستويات الحكم , وطوائف المتعلمين , الى جماعات الرعاة والأميين في الفيافي ؟ ألا تعبّر النكات والطرف المحكية عن هذه العنصرية والإزدراء بين المكونات السودانية , والتي تسمى لغاتها بالرطانات , أو ليس اللغة العربية نفسها بالنسبة لهولاء الآخرين تعتبر رطانة ؟ وهكذا هكذا يمكن أن يستمر سيل الأسئلة التي في الواقع تستبطن الاجابات . فنحن نعيش في السودان وليس خارجه , ونفهم أنّ الأوامر للشرطة مثلا بالتعامل الغليظ مع بائعات الخمور لأنّهن في الغالب من (خدم , ونوباويات) لا يستحققن رأفة أو حقّا , بينما يتم التستر على أخريات من الحرائر , يقوضن الأقتصاد الوطني بالاحتكار والرشاوي والتسهيلات البنكية والجوازات الدبلوماسية , لا يتم التستر عليهن فحسب بل تقدّم لهن التسهيلات للمارسة الرذائل الوطنية والأخلاقية , بينما صبايا النوبة يطاردهن الدفّار حد الغرق في (بحر أم دوم) , ولا بواكي عليهن أو على الطفلة التي غرقت , فيما ملأت شاشات العالم كله دموع السيدة ميركل أسفا على جثة طفل سوري لفظها البحر المالح الى شواطئ أوربا , لا دمعة أو سند أو أم مؤمنين رحيمة بأسمال ترتدي هياكل أطفال يموتون بسؤ التغذية وعسر الهضم والجوع والاسهالات , فقط لأنّهم (سود)  أصلاء في بلادهم التي تحمل اسمهم ويشقون فيها أيّما شقاء من عجب, وشابة تنزانية تغضبها مجرد نسبتها لإنتماء فرضي فتأمل !!!