عبد الله الشيخ شهدنا في ما سبق، كيف انفلت زمان الفونج من ربقة "الإقطاع" بظهور الكميونات الصوفية. وتلمسنا تحرُر المجتمع الهجين، من التنطع الفقهي بشيوع ثقافة "أهل الله".. 

و رأينا كيف تدفّق الشيخ إسماعيل صاحب الربابة، وهو يبِث أشجانه وأشواقه الحسية والروحية، مُرمِّزاً بالخمر والنساء ، أو هو المُنغمس في ذلك دون مواربة ، و دون استلاب من موقفه الروحي والإجتماعي،طالما أن الحرية كانت مُفعمة بما هو مُتاح..!

 لقد كانت نصوص الفقهاء محض تصاحيف، وكان “النص” مقدّساً ، لكنه ليس على ارض الناس ، بل داخل القلوب.. رأينا ،كيف أن صاحب الربابة، قد باح “مُطاردته” لامرأة محصنة، وأعلن عشقه لها ، من موقع المسنود بالولاية والسيف، حتى أن زوجها لم يجِد بُداً من مفارقة وطنه والرحيل بها، أو قل “الهروب”، حتى لا يواجه شيخاً هام وصلاً بأنثاه..! لكن الشيخ العاشق ــ بالرغم من كل ذلك ــ لم يترك الرجل وشأنه ، بل اتهمه بالجُبن، وقال فيه : “تَخلاتْ عروسك دِيك بطالة”..!

قال أيضاً : “تخلات عروسك ديك ما بتوافِق”..!

هذا ما ورد مدوناً في الطبقات،عن هيام صاحب الربابة، بـ “تهجة” الجعلية..وسنرى بعد قليل، أن الشيخ العاشق قد طرق أبواباً كثيرة، فكان عالمه شاهداً على تحييد نصوص المالكية المتشددة حيال الخمر.. كان عالمه شاهداً على أن فزّاعة القبيلة من خطر المرأة ، قد حُيِّدت ، لتوائم بيئة السودان، لأن طاقة العصر وإطاره الفكري قد تمثّل في الولاء لثقافة المجتمع الهجين، الذي كان قيد التشكل من “ثقافة” زنجٍ وعُربان..!

 ويقول الشيخ اسماعيل في هيام آخر.. يقول في “هيبة “:ــ

“صب مطر الصعيد ياليت عايد ـــ فوق خشم البيوت جرّو الكسايد/ النُّسوان بلا هيبة أم  قلايد ـــ لحم سوقاً رخيص مَشري بحدايد”..

هذه عشيقة أخرى هي “هيبة”، إلى جانب “تهجة” الجعلية.. كأن صاحب الربابة، قد سبق جميع رجال السودان ليقول بأن :إمرأة واحدة لا تكفي، ولربما ضنّ قلم ود ضيف الله ببقية الرواية، فلم يترجم لعشيقات أخريات،، فهاهو، في ميوله المذهبية ، يقدِّم لنا أنباء صبابة الشيخ بحاشية، كأنه  يُطيِّب  بهاخاطر المُتلقي، عندما  يَغمِس إنفلات العاشق في بحر القداسة، فأتى بالعبارة : “وقال (رضي الله عنه) في هيبة”..! و لعل في عبارته هذه “تزكية”،أرادها ود ضيف الله،لتأكيد موقفه كفقيهٍ لا يتحرّج من ولاءه لولي صوفي، خرج بصريح العبارة، على النص..!

مهما يكن، فإن النص أعلاه ،بليغٌ في تصوير حالة الإستقرار الحياتي لشعبٍ أعدّ العُدّة،  لتحتمل سكناه زخات مطر الصعيد، والزيفة.. كانت رائحة المطر، عبق ملهم لا يتمنى الشاعر انقطاعه..كان الشاعر ولياً  وأميراً، لا يلهيه فوران الطبيعة عن العشق والقفز فوق الكوابح الاجتماعية والمصاعب المناخية وأجواء الصعيد الضاجة..يقول صاحب الربابة: إن كل النساء خلا هيبة ، لا خطر لهن..هن دونها كلحم سوق، يُشترى بدراهم معدودة.. يُشترى بـ “حدايد” ، أو “مُحلّقات”، هي عملة ذلك الزمان..!

هذا معناه أن “العُملة” كانت متداولة في سوق الناس الذي يعرض فيه الجزارون لحوم المواشي، في بلد يمتلك منها ثروة هائلة..فإذا كانت العُملة هي أثمن متاع في الرأسمالية، فإن تَعمُّد تبخيسها على لسان الشيخ، في موازاة العشق، هو بمثابة التأكيد على رأسماليةٍ تعلن حضورها بـ “غرور برجوازي”..! فتلك الأنثى لم تكن زوجة، بل كانت عشيقة..كانت هناك سلطنة تعتمد “اقتصاد سوق” في مدائنها الطليعية، بينما الأطراف والتخوم، تعيش مخاض الإنسلال من البدائية، في نواح، والقبيلة في نواح،، بينما تتحشد القوى في كافة الأصعدة لتحتمي بتِباعة المُتطرِّق، في عصرٍ أشرق فيه قانون السوق، بصورة حاسمة..