فايز الشيخ السليك مثلما كان  كان الأب فيودور كارامازوف، بطل رواية الكاتب الروسي ديستو يوفسكي، في صراعه المرير مع ابنه البكر  ديمتري حول امرأة شبقة اسمها كراشونيكا  ذات 22عام ، التي لا تتورع في ممارسة الجنس مع الرجل وابنه،  فأن الرفاق في " الجبهة الثورية السودانية"، يعيشون صراعاتهم المريرة حول كرسي سلطة المعارضة وقيادتها. 

لقد انشغل كثيرون خلال الأيام الماضية بحمى صراعات ” الجبهة الثورية”،  حول مقعد رئيس الجبهة االمعارضة في معركة لا تزال أعمدة دخانها كثيفة تحجب الرؤى عن الحقيقة، ولا يزال دوي انفجاراتها يصم أذان كل من يقترب من ميدان المواجهة.  ورد كثيرون الخلاف إلى حب ” الكنكشة”  كنزعة سودانية تحمل علامتها التجارية الخاصة،  بينما ربط آخرون الصراع  بوجود ” أجندة خفية، أو  صفقة  سرية مشبوهة، وبينما لم يخف البعض شماتته من حال الجبهة  البئيس،  في وقت  فتح فيه آخرون أفواههم ؛ متساءلين” كيف لا يحتمل الرفاق خلافات إجرائية” ولا يحترمون قواعد اللعبة الديمقراطية وتداول السلطة؟ .

  من وجهة نظري، أرى أن إعلان انفجار الصراع   تأخر كثيرا، فقد كتبت  مقالاً في يوم 24 يناير 2014  عن  قوى التغيير،أثار حنق عدد من المعلقين في المواقع الأكترونية، فبعضهم وصفني بالتحامل، أو السطحية، ان لم تكن ” السذاجة أو ضعف التحليل؛   بعد أن قلت إن الثورية  ” لا تزال  تحالفاً فوقياً، ولا يزال التحالف يفتقر إلى آليات العمل الجماهيري، والسياسي، والدبلوماسي، والإعلامي،” وفي البال أن التحالف عبارة عن  قوى تعتمد على العمل المسلح في وقت تكتنف  فيه استراتيجيته كثير غموض.

ومع ذلك، لا أزال عند موقفي من أن التغيير في السودان يتطلب  تشكيل “جبهة عريضة” تضم أصحاب المصلحة الحقيقيين في التغيير، وتبني أجندة واضحة، ومن ثم العمل على وضع هيكلة مرنة، تبعد شبح الخلافات، والتنافس غير المشروع بين الحلفاء، وهنا يمكننا الإشارة إلى  تجربة مثل تجربة ” التجمع الوطني الديمقراطي”  وهي كانت كفيلة بجمع السودانيين لأول مرة تحت مظلة واحدة، إلا أنها سرعان ما تكشفت نقاط ضعفها، وخضعت للصراعات، والموزانات، لتنتهي التجربة التي حملت الهواجس والوساوس بين قادتها، وعبر عن ذلك حرب المذكرات الملتهبة بين زعيم الحركة الشعبية الراحل جون قرنق، وزعيم “حزب الأمة القومي” الصادق المهدي، وخلافات الفصائل المسلحة فيما بينها حول استراتيجية العمل المسلح، وتجنيد المقاتلين،  والمواقف السياسية، وبالطبع؛  لم تكن العلاقة بين قرنق والمهدي وحدهما هي المتوترةً، فقد كان ” التجمع وعاءً حمل بعض القوى السياسية بتناقضاتها، فكانت هناك الندبة التاريخية بين المهدي والميرغني، وبين التنظيمات الجديدة مثل قوات التحالف السودانية” ومؤتمر البجا” و” التحالف الفدرالي” أو مثلث الشغب مثلما يطلق عليه بعض الحلفاء، و”المثلث الذهبي ” كما يطلق أهل القوى الجديدة على تحالفهم داخل الكيان الكبير.  ولعبت عوامل إقليمية  مثل الحرب الأريترية الأثيوبية التي بدأت عام 1998، دوراً في إضعاف العمل المسلح المعارض بعد انحسار الدعم اللوجيستي المقدم من اسمرا وأديس أبابا ، وتجفيف منابع التجنيد للقوات المعارضة، وكانت العملية تبدأ في الحُمَرَة بأثيوبيا، لتعبر الجسر المشترك مع إريتريا ،وتصل معسكرات التدريب قرب الحدود مع السودان، إلا أن الحرب أوقفت الحركة بين البلدين ،  أشرت إلى كل ذلك في كتابي ” الزلزال.. العقل السوداني ذاكرة مثقوبة وتفكير مضطرب”، و  وفي ذات السياق أشار  الدكتور تيسير علي إلى أن ” قوى التغيير لجأت  إلى محاولة ترتيب صفوفها وأجندتها بتكوين عمل  جبهوي عريض، عبر التجمع الوطني الديمقراطي، والذي ومن خلاله  لجأوا لحمل السلاح. إلا أن المعارضة المسلحة تحت مظلتها التي ضمت أطياف  قوس قزح السياسي من فصائل القوى  التقليدية وبعض القوي العقائدية  الأخرى ومن الشباب والمهمشين، حملت معها بذور الفشل الموروثة من أساليب العمل والتنظيم القديم، مما كان  له النصيب الأوفر في إفشال العمل  المسلح. وكما هو معلوم رجعت قوى التجمع الوطني إلى الخرطوم بعد توقيع  اتفاقية القاهرة والتي كانت قمة  التعبير عن سلبيات الضعف التنظيمي والفكري والسياسي وغياب الرؤية الإستراتيجية.

 ومع ذلك نجد أن  “التجمع الوطني الديمقراطي” على علاته كان أكثر تقدماً من التجربة التالية له، وتمثلها هنا ” الجبهة الثورية”،  وبدلاً أن نمضي إلى الأمام شكلت تجربة الثورية تراجعاً في مسألة تراكم الخبرات،  فقد حقق التجمع عدداً من الانجازات تمثلت في  ” اتفاق أسمرا للقضايا المصيرية في عام 1995، واتفاق القوى السياسية على تحديد علاقة الدين بالدولة، وشكل الحكم اللامركزي، وفترة الحكم الانتقالي، كما شكلت التجربة نقلة أخرى حيث ضمت “الحركة الشعبية” و”مؤتمر البجا” و”التحالف الفدرالي” كتنظيمات ترفع شعارات السودان الجديد، وتعبر عن قضايا ” جهوية، وعرقية وقومية ” في ذات الوقت؛ مع قوى السودان القديم، وقوى اليسار .

   أما ” الجبهة الثورية السودانية” فتواجه مأزقاً حقيقياً،   لأنها  وضعت الحصان خلف العربة، فقد أعلنت عن ميلادها ببيان سياسي قبل أن تعقد مؤتمرها، ودون أن تصمم هياكلها، أو تعلن عن برامج شاملة للمقاومة، أو للتغيير، بل أن القوى الثورية هذه اكتفت بفرقعات اعلامية كبيرة عند اعلانها، لتتحول مثلها مثل فرقعات جبهات تقوم وتنهي كل يوم، وهي في ذات الوقت تحمل بعض من تناقضات داخل مكوناتها ، في وقت لم تتوفر لها الظروف الإقليمية الداعمة لوجستيا وسياسيا، و التي توفرت للتجمع في اريتريا واثيوبيا وأوغندا، ومصر مع تحفظ، فالثورية ، لا تزال يتيمة، يسند ظهرها دولة واحدة جريحة ومنقسمة، هي دولة جنوب السودان.

إلا أن أكبر مآزق الثورية يكمن في تناقضات مكوناتها الداخلية ذاتها، و التي تعيش جميعها حالات تشظي مستمرة، مع غياب الممارسة الديمقراطية داخلها، بل وتصلب شرايينها التنظيمية، و الإعتماد على قيادة فوقية، هي ذات قيادة الثورية تقريباً، ومعروف أن التغيير يبدأ بالانقلاب على الذات، وأولى الخطوات هي محاسبة أنفسنا على أخطاء الماضي، وممارسة الديمقراطية داخل مؤسساتنا السياسية والاجتماعية، لأن الإصلاح يجب أن يبدأ من الداخل، ومن ثم الانطلاق نحو الخارج. وجميع ذلك ليس بعيداً عن حالنا العام، بانقساماته وتشظياته الرأسية والأفقية، وعزلة القيادة عن القواعد في كل القوى السياسية السودانية الحاكمة والمعارضة، والتي تمثل عقلنا الجمعي، باضطرابات مناهجه، وثقب ذاكرته. لنعيش جميعنا حال الأخوة كارمازوف، او الأخوة الأعداء، نتصارع فيما بيننا، ونتقاتل، فتضيع كل الأشياء.