حوار: مصطفى سري، الشرق الأوسط *لم نرفض نقل رئاسة الجبهة الثورية لجبريل ولكن... * المعارضة الآن في أفضل حالاتها * احتمالات الانهيار والتشظي هي الأرجح  

نفى نائب رئيس الحركة الشعبية نائب القائد العام لجيشها الشعبي عبد العزيز آدم الحلو انشقاق تحالف الجبهة الثورية السودانية الذي يضم حركته الى جانب حركات العدل والمساواة ، فصيلي تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور ومني اركو مناوي بسبب الخلافات حول تداول موقع رئاسة التحالف الذي تشكل قبل اربع سنوات ، وعد ما حدث من صدور بيان من مسؤول الاعلام في الجبهة بتسمية رئيس حركة العدل والمساواة جبريل ابراهيم رئيساً للجبهة الثورية وانهاء رئاسة مالك عقار بانه اختلاف حول تفسير مقاصد بعض نصوص دستور الجبهة ، وشدداً على ان حركته لم ترفض نقل الرئاسة الى جبريل ، وسرد تفاصيل ما حدث في آخر اجتماع للتحالف في باريس قبل اكثر من اسبوع .

واكد الحلو في حوار له والرجل لا يظهر في الاعلام الا في حالات نادرة ان الحركة الشعبية مع الحل الشامل وترفض الحلول الجزئية ، واصفاً الحكومة السودانية بعدم الجدية ، وشدد على ان حركته تتمسك بخارطة الطريق التي اعلنتها الجبهة الثورية من قبل للوصل الى حل شامل وعادل وتحول ديموقراطي ، ورأى ان مستقبل السودان في انهاء الشمولية والعنصرية .
ورفض الحلو وجود انشقاق في الحركة الشعبية التي تقاتل الحكومة المركزية في منطقتي النيل الازرق ( جنوب شرق السودان ) وجنوب كردفان في جنوبها الغربي ، وقال ان احالة ضباط الى الاستدعاء نص عليه القانون وان المتهم برئ حتى تثبت ادانته .

*
بدأت ارهاصات انشقاق داخل صفوف تحالف الجبهة الثورية وحرب البيانات بين فصائلها ، هل هذا مؤشر الى ان الوضع في المعارضة الى زوال ؟
=
هذا تعميم مخل ، لان محاولة اختزال المعارضة السودانية في تحالف الجبهة الثورية غير موفق ، خاصة ان المعارضة تتشكل من مسلحة وسلمية وهذه اوسع من الجبهة الثورية ، الا اذا كنت تقصد درجة الفاعلية ، وما حدث لم يكن انشقاقاً وانما مجرد اختلاف في تفسير مقاصد بعض نصوص الدستور والقيم الديموقراطية والاهداف التي يرمي لتحقيقها والتزام الاطراف بالمواثيق والاتفاقيات .
ما جرى هو حدث عارض وقابل للمعاجلة اذا صدقت النيات ، والمعارضة السودانية في عمومها بخير وتخطو الى الوحدة ، بل هي في افضل حالاتها ، حيث تكتلت في قوى نداء السودان ، وما انتجته من مواثيق واهداف محددة ، والمعارضة تشئ خاضت معارك مع الشعب السوداني في مقاومة النظام الحاكم ، من مقاطعة ناجحة لمهزلة الانتخابات في ابريل ( نيسان ) الماضي ورفض مسرحية ما يسمى بالحوار الوطني واستطاعت عزل النظام الذي اصبح الى زوال.

* لماذا اذن ترفض الحركة الشعبية – وهي احدى مكونات تحالف الجبهة الثورية مع الحركات المسلحة في دارفور – نقل الرئاسة منها الى الدكتور جبريل ابراهيم رئيس حركة العدل والمساواة ، خاصة اذا كان هناك اتفاق بينكم على تداول موقع رئاسة هذا التحالف ؟
=
لم نرفض نقل رئاسة الجبهة الثورية الى الدكتور جبريل ، ولكن كانت الحركة تعبر عن تمسكها بقضايا مبدئية واخرى اجرائية ، وهي ترى وجوب مراعاتها في اي هكذا عملية من اجل ضمان استمرارية التحالف وتقويته حتى يتمكن من التصدي لمهامه الوطنية الهادفة الى اعادة هيكلة الدولة السودانية بعيداً عن الصراعات والمشاكسات التي تنجم عن اي عملية دستورية مخلة مثل التي اريد لها ان تقع بواسطة بعض اطراف الجبهة الثورية .

* اذن ما الذي حدث في الاسابيع الماضية من صراع حول الرئاسة ؟
=
الفصائل المكونة للجبهة الثورية في 2011 هي أربعة تنظيمات تتمثل في الحركة الشعبية لتحرير السودان، حركة تحرير السودان بقيادة عبدالواحد نور، حركة تحرير السودان بقيادة مني اركو مناوي وحركة العدل والمساواة ، ونص الميثاق وقتها على أن تكون الرئاسة دورية وبالتوافق، يحق فيها لكل فصيل أن يتولى رئاسة الجبهة لمدة عام ، وعندما بدأنا تطبيق ذلك فشلت الفصائل الاخرى في التوافق على تحديد رئيس من بينها لرئاسة التحالف ، استمرت هذه الخلافات في عدم قدرتها لاربع دورات وفي كل عام يعهدون الرئاسة الى رئيس الحركة الشعبية مالك عقار وكان آخرها في اجتماع يونيو ( حزيران ) الماضي وقد عهدوا في ذلك الاجتماع ان يتسمر عقار رئيسا حتى يونيو ( حزيرام ) 2016 ، ريثما يتم تشكيل لجنة من كل الفصائل لإجراء التعديلات الضرورية في الدستور بما يضمن الانتقال من مبدأ التوافق بين الفصائل الأربعة المؤسسة حول الرئاسة إلى مبدأ الانتخاب ، وهذا يكفل لكل التنظيمات المنضوية تحت مظلة الجبهة والتي ارتفع عددها إلى سبعة تنظيمات حق التنافس على الرئاسة وعدم قصره على الأربعة المؤسسين فقط .
ولكن في سبتمبر ( ايلول ) الماضي وبعد ثلاثة أشهر على الاتفاق السابق فاجأت فصائل دارفور الجميع باعلانها أنها قد تجاوزت خلافاتها حول الرئاسة وطالبت بنقل الرئاسة فورا إلى الدكتور جبريل ، وهذا يتناقض مع اتفاق يونيو ( حزيران ) الماضي ، كما ترى فان الحركة الشعبية كانت تصبر في مواقفها من منطلق الحرص على حياة الجبهة الثورية وضمان استمرارها وتماسكها وتوسعها وليس العكس .

* يقول مراقبون ان الحركة الشعبية هي من افتعلت الخلافات للانفراد بالحوار مع النظام ، ما صحة ذلك ؟
=
هذا قول مردود وتاريخ الحركة الشعبية ومواقفها في كل جولات التفاوض تدحض هذا الادعاء ، وقد توفرت للحركة عدة ذرائع كان يمكن ان تستغلها للوصول الى اتفاق منفرد مع حزب المؤتمر الوطني ومنها قرار مجلس الامن الدولي (2046 ) ، ولكن منعها موقفها المبدئي في التمسك بالحل الشامل وتحقيق التحول الديموقراطي والسلام العادل واشراك الجميع بدلا عن الاتفاق الجزئي من اجل الحصول على وظائف من عمر البشير .

* ولكن الخلافات التي تظهر الآن تضع المعارضة تحت دائرة الشك بالحديث عن انها فشلت في التداول السلمي فيما بينها ، فكيف لها ان تتفق اذا وصلت الى سدة الحكم ؟
=
اذا وضح السبب بطل العجب ، العكس هو الصحيح ، حيث كانت الحركة الشعبية ومعها فصيل نصر الدين المهدي من حزب الامة ، وجبهة الشرق بقيادة زينب كباشي في ذلك الاجتماع يستميتون دفاعاً عن الممارسة الديموقراطية والتمسك بروح وقيم النظم الليبرالية بما يعبر عن مسلك جديد بما يمثل قطعية مع الممارسات السابقة في الحياة الديموقراطية في السودان التي جربت على ثلاث عهود منذ استقلال البلاد والتي قامت على التحايل القانوني والالتفاف على نصوص الدستور واغتيال الديموقراطية بالمؤامرات وتغييب الجماهير .

* حتى داخل تنظيمكم الحركة الشعبية هناك انباء على خلافات بين قياداتها باعفاء ضباط من الجيش الشعبي التابع لها ، ما ردكم ؟
=
أن الحركة الشعبية كتنظيم فاعل فإنها مثل أي كائن حي في نمو وتطور مستمرين ، وعضويتها في توسع وأعداد كوادرها القيادية في تزايد ومع العمل والعطاء تكثر الإنجازات وكذلك الأخطاء ، وهنا تنبع ضرورة المحاسبة وتطبيق القانون ، ولذلك فان السؤال هنا غير قائم اصلا لأن التوقيف يتم بغرض المحاسبة وهو عمل تنظيمي متعارف عليه وان رفض العضو المعني الامتثال والتقيد بالإجراءات القانونية لا يعد هذا انشقاقا وإنما مخالفة عادية يتم التعامل معها في إطار القانون حتى لو أراد البعض تصويرها كخروج على التنظيم ، وعليه فان المتهم برئ حتى تثبت ادانته .

* هناك من يرى ان الخلافات بدأت باقالتكم من منصب رئيس هيئة اركان الجيش الشعبي ؟
=
عبارات مثل اقالة واحالة غير واردة وليست دقيقة بل وتعتبر خروجا بالموضوع عن اطاره الصحيح ، وبقليل من الجهد كان يمكن قراءة نص قرار رئيس الحركة الشعبية في اوائل اغسطس ( آب ) الماضي الذي جاء في اطار خطة شاملة لتوسيع مواعين الحركة وترقية اكبر عدد من القيادات لتمكينها من المشاركة في عمليات اتخاذ القرار على كل الاصعدة في المؤسسات السياسية والخدمة المدنية وانتهاء بالعمل العسكري ، وهذا يعتبر علامة صحة وليس العكس .

* الا تتفق على ان توازن القوى الان اصبح في صالح الحكومة السودانية ، بعد تغير الوضع الاقليمي باتفاق جنوب السودان وتقارب المجتمع الدولي مع الخرطوم ؟
=
التعويل على العوامل الخارجية والعلاقات الاقليمية والدولية لانجاز التغيير في السودان او لقياس توزان القوى في الداخل واستخدامه كمعيار لحساب قوة المعارضة او النظام فانه غير مجدٍ ولا قيمة له في واقع الامر ، المهم هي الاوضاع الداخلية المتأزمة التي خلقها النظام الحاكم بسياساته الرعناء المتمثلة في الدكتاتورية من غياب الحريات ، القمع ، عمليات الاغتصاب ، الابادة ، الفساد ، هذه هي العوامل الحاسمة والتي ستقود الى انهيار النظام وتقرر المآلات في الدولة السودانية لدورها في تصعيد المقاومة الداخلية ، لذلك يتوجب علينا التوقف عن ممارسة تلك العادة المتمثلة في البحث دائماً عن شماعة خارجية لتعليق مشاكلنا الداخلية عليها او انتظارها لحل مشاكل صنعناها بايدينا .

* صدر بيان الجيش الشعبي التابع للحركة الشعبية قبل اسبوع يتحدث عن استعدادات لمواجهة الجيش الحكومي ، هل نتوقع تصعيدا عسكريا رغم اعلان وقف الاعمال العدائية بينكما ؟
=
في الواقع النظام الحاكم في الخرطوم غير جاد في التوصل الى حل سلمي للازمة السودانية ، حيث خرق بعد يوم واحد وقف الاعمال العدائية الذي اعلنه بنفسه ومن طرفه هو دون الرجوع الينا ، عليه فان النظام يستخدم مثل هذه الاعلانات والحيل لخداع الرأي العام المحلي والدولي بانه يسعى الى الحل السلمي ، ولكن سرعان ما تتكشف حقيقته ويؤكد انه نظام لا يؤمن الا بالحل العسكري والامني ، والحرب لم تتوقف يوماً واحداً في المنطقتين منذ بدأها النظام بالهجوم على الحركة الشعبية في يونيو ( حزيران ) 2011 في جنوب كردفان وفي سبتمبر ( ايلول ) من ذات العام في النيل الازرق .
*
كيف تقيمون الاوضاع الانسانية حالياً في المنطقتين ؟
=
الحال يغني عن السؤال ، حيث تكشف تقرير المنظمات الانسانية ومجموعات حقوق الانسان عن الاوضاع المتردية في المنطقتين ، والتي اصبحت سيئة للغاية لانعدام الامن الغذائي للنازحين في المناطق المحررة ( المناطق التي تسيطر عليها الحركة الشعبية ) هذه من ناحية ، تدمير المحاصيل الزراعية بشكل متعمد من قبل طيران حكومة البشير التي تلقي القنابل على المزارع والمراعي بشكل يومي من ناحية اخرى ، كما ادت غارات السلب والنهب للمواشي بواسطة قوات النظام والمليشيات التابعة له الى تفاقم الاوضاع الانسانية ، اضافة الى انتهاكات حقوق الانسان والقصف العشوائي على قرى ومساكن المدنيين الابرياء وما يلحق بهم من موت وتشريد والتصفيات الجسدية المستمرة في المدن والارياف على اساس الهوية ، العرب ، الدين واللون .

* هل ستلتحقون باالحوار الوطني قبل نهاية العام الحالي وكيف ستتعاملون مع الشروط السابقة التي اعلنتها الجبهة الثورية في خارطة الطريق ؟
=
اي حوار تقصد ؟ نحن لا نرى ان هنالك حواراً قد فاتنا ، اما اذا كنت تقصد ما يجري الان من عرض لفصول المسرحية الهزلية في الخرطوم فإنه حوار للبشير مع نفسه وهذا لا يعنينا في شيء ، نحن متمسكون بخارطة الطريق من أجل حوار يقود الى حل شامل وعادل للمسألة السودانية ويؤدي لسلام دائم ويفتح الطريق لتنمية شاملة وإقامة دولة الرفاهية في السودان .
وهنا تنبع ضرورة عقد الاجتماع التحضيري في اديس أبابا للبت في المسائل المتعلقة بتهيئة المناخ لاجراء حوار من أجل التوصل الى تعديلات دستورية تؤمن الحريات والاتفاق على أجندة الحوار والتأمين على حيادية الجهة التي سيناط بها مهمة الإشراف على إدارة الحوار حتى نخرج بالنتائج المرجوة في شكل الانتقال بالبلاد لتحول ديمقراطي حقيقي بعيداً عن تكرار تجربة مؤتمر الحوار الوطني الفاشل الذي عقده نظام الانقاذ منذ استيلائه على السلطة في العام 1989 ولم ينفذ من توصياته ايا من بنوده رغم ضعف قراراته ، كفى هدرا للموارد والوقت والتضليل وهذه المسرحيات التي تثير الغثيان .

اذن كيف تنظر الى مستقبل السودان في ظل هذه التعقيدات ، وهل من مخرج ؟
=
احتمالات الانهيار والتشظى والصوملة هي الارجح في ظل تعلق المؤتمر الوطني باهداب السلطة وتجاهله للواقع المتردي مع تواطؤ النخب ومساندتها لتوجهات الاسلاميين لتوافق مصالحها والخوف على الامتيازات التي توفرها لهم دولة السودان القديم على محدوديتها .
المخرج يتمثل في إظهار الجدية باتخاذ القرار الوطني الشجاع وإلغاء القوانين المقيدة للحريات والقائمة على اساس ديني ، ونبذ السياسات الأحادية والعنصرية والتقدم لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس المساواة والعدالة والحرية ومبدأ الوحدة الطوعية.