إيمان أحمد الخواض كثيرا ما تحدث أهل العلم والفكر عن تداخل ظواهر العلوم الطبيعية مع العلوم الإنسانية، وبالأمس القريب حدثني صديق عن أستاذه الجامعي الذي يستخدم "نظرية المتوسط" الرياضية ليبشر بالوسطية والاعتدال في الفكر والرأي. 

والمؤكد أن شواهد هذا التداخل كثيرة مشاهدة لكل متأمل، انظر مثلا ظاهرة التشبع الكيمائية والتي تقول عنها الويكيبيديا أنها “النقطة التي لا يصبح محلول أي مادة قادرا على إذابة المزيد منها” … تتجلى هذه القاعدة الكيميائية في عالم الإنسانيات بتأويل غير بعيد فيما تترجمه الحكمة الشعبية إلى مقولة (القندول الشنقل الريكة) والفصيحة إلى (القشة التي تقصم ظهر البعير)، وكليهما تشيران لذات النقطة التي لا احتمال بعدها، ولهذه الظاهرة أيضا تجلياتها في القانون في ما يعرف ب“Accumulative provocation ” وترجمته الاستفزاز المتراكم” وهو أحد الدفوعات التي تخفف جريمة القتل من عمد إلى شبه عمد، وقد درسنا في كلية القانون بجامعة الخرطوم سابقة سودانية شهيرة تطبيقا لهذا الدفع وقعت في ربوع كردفان حيث دفع محامي المتهم بأن موكله أقدم على قتل المجني عليها وهي والدة زوجته (نسيبته) لأنه كان واقعا تحت تأثير “الاستفزاز المتراكم” حيث أن المجني عليها جاءت يوم الحادث إلى منزل المتهم واتكأت على “صريفه” وطفقت تغني بصوت عالي بكلمات تقدح في المتهم، والشاهد في السابقة هو أن هذا الفعل لا ينهض وحده ليوقع المتهم تحت تأثير الاستفزاز إلا بإضافته إلى سلسة تصرفات أخرى كانت تأتيها المجني عليها على نحو يومي دأبا منها على استفزاز المتهم إلى أن حان أجلها على يديه عندما بلغ تلك النقطة، وقد نجح دفع المتهم فتحولت جريمته من القتل العمد إلى شبه العمد. وفيما أعلم فإن لظاهرة التشبع أيضا تجلياتها في عالم الاقتصاد في حركة السوق وديناميكيته.

ومن عالم الفيزياء يتجلي قانون الجاذبية في السلوك الإنساني على النحو الذي استوحاه الشاعر الصفدي وهو يتحدث عن حالة إحباط ملأت نفسه إذ يقول:

قنعت بالعــود إلى منـزلي ذلك دأب المرء في خيبته

كالحجر الملقى إلى صاعد ليس له هم ســوى عودته

وهناك النظرية الفيزيائية المعروفة “لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه” وهي القاعدة التي يكاد المرء يزعم أن تطبيقاتها تتجلى كل ساعة في حياتنا اليومية في في كل مكان وزمان، في الطريق والبيت والسوق والبرلمان و…..الخ. وعليه فإن ظاهرة الاستيداع الكيميائية ليست بدعا من بين ظواهر العلوم في امتدادها إلى عالم الإنسانيات، والاستيداع في الكيمياء يحدث عندما يسكن العنصر “القاع” وفقا ل”كثافته”! والمتأمل الحصيف يستطيع أن يرى كيف أن هذا يحدث ليس فقط في الكيمياء، وغني عن القول أن لفظة “الاستيداع” متداولة على نحو واسع في غير ما كيمياء فهي معروفة جدا في أدبيات الخدمة المدنية والقوانين الإدارية وفي الآداب والفنون وغيرها. وقد تصادف أن حضرت في أوائل تسعينيات القرن الماضي حلقة نقاشية بمعهد الدراسات الأسيوية والأفريقية عرضت فيها حالة من “الاستيداع” تصيب بعض شخوص الثقافة الإسلامية في المجتمعات العربية والإسلامية، تحديدا هي شخوص: “القاضي الشرعي” و”معلم التربية الإسلامية” وربما “معلم اللغة العربية” حيث تهوي هذه الشخوص إلى القاع نتيجة واقعها الحضاري الذي يودي بها إلى التراجع والانهزام النفسي بسبب الشعور بالاستضعاف والوجود على هامش الدنيا والعجز عن التأثير، فتهبط نتيجة لذلك إلى “المستودع” وتسكن فيه، إذ لا حيلة لها سوى هذا الاستيداع فالمسألة أكبر منها ولا تطيق لها مواجهة.

وهكذا ينبئ الاستيداع دائما عن واقع مأزوم، انظر ما يقول شاعر الحقيبة عبيد عبد الرحمن في سياق من الندبة والشكوى: سهران ليلي طايل حارس بدر غايب في آمالي سابح

 ومن آلامي “راسب

 ولا تفوتن القارئ الالتفاتة إلى عنوان القصيدة الموحي “آه من جور زماني“! ولعل المرء يحتار حقيقة في هذا الاتقاد الذهني الذي ساق الشاعر لهذا القول العبقري!!

خلصت تلك الحلقة النقاشية إلى أن رسوب شخصية قاضي الشرع ومعلم التربية الإسلامية ومعلم اللغة العربية يرتبط بالواقع الحضاري الذي تعيشه هذه الشخصيات، وسيقت الشواهد على ذلك فالقاضي الشرعي لا يكاد يذكر له شأن في الحياة العامة ولا مقارنة بينه وبين رصيفه الذي يفتي في الشئون المدنية والجنائية والدستورية، وأغلب الظن أنه المقصود بعبارة “الفاضي يعمل قاضي” !!. أما شخصية معلم التربية الإسلامية فهي تعيش استيداعا مزدوجا، فهي مستودعة داخل المستودع، وقديما وحينما كانت مدارسنا تتيح لكل ذوي تخصص الانفراد في مكتب خاص لم يكن من الصدفة أن يشاطر معلمو اللغة العربية معلمي التربية الإسلامية ذات المكتب، مع أن الأحرى بهم أن يجتمعوا مع معلمي اللغة الإنجليزية والفرنسية بجامع اللغات، ولكنهم ينتمون لشعبة التربية الإسلامية بجامع الاستيداع!