تيسير حسن إدريس  المبتدأ: الجزمُ بنهايةِ نمطٍ فلسفيٍّ في حجم الماركسية؛ والقولُ بتجاوز التاريخِ له نَزَقٌ وطيشٌ فكريٌّ؛ لا يعدُو أن يكونَ شغبَ صبيةٍ؛ اسْتَعْصَى عَلَيْهم فَهْمَ خَرِيطةِ الكَنْزِ. 

الخبر:                   

     (1)

في بداية تسعيناتِ القرن الماضي؛ عصفَتْ بدولِ المعسكرِ الاشتراكي ريحٌ صرصرٌ؛ وأدَّتْ -كما هو معروف- لانهيارِ الاتحادِ السوفيتي؛ وانفضاض سامر حلف “وارسو”؛ لتندلعَ موجةٌ جديدةٌ من موجات القدح الداعية لإبطال “الماركسية” وهي ليست جديدة؛ فقد تكسرتْ من قبلُ عند أساس النظريةِ الثورية الصلدِ عدة موجات؛ لكن الأخيرة تعدُّ الأعنف؛ كون أن واقعَ انهيار مجمل التجربة الاشتراكية فجأةً قد وفَّرَ لها إسنادًا عمليًّا ومنطقيًّا؛ لم يكنْ الحزبُ الشيوعيُّ ممثل الماركسية السوداني؛ بمنأى عن هذه الهزةِ الأيدلوجيةِ ولا ارتداداتها العنيفة؛ وقد تأثرَتْ مضاربُه برجع صداهَا؛ وتجلَّى الأمرُ في الدعوات التي انطلقَتْ تعلنُ عن حلول أوانِ الخروجِ النهائيِّ عن الماركسية؛ والقول: “بأنَّ السيرَ بالطريقة القديمة لم يعدْ ممكنًا” والماركسيةُ كنظرية “لم تعدْ ملهمةً ولا مفجرة للطاقاتِ ولا جامعةً لقوى التغييرِ”، قَادَ هذَا العصفُ الذهنيُّ وفجَّرَهُ أحدُ أميزِ قياداتِ الحزبِ الشيوعي آنذاك؛ وفي معيتِهِ كوادرٌ حزبيةٌ لا يُستهانُ بِهَا؛ وقد جاءتْ دعوةُ الردةِ صريحةً على لسان الأستاذِ الراحل الخاتم عدلان؛ ضمَّنها كراستَهُ (آن أوان التغييرِ)؛ التي تميَّزتْ برؤيةٍ سياسيةٍ عميقة استنادًا على تجربته النضالية الطويلةِ؛ التي لا يستطيعُ إلا مكابرٌ أن يَغمِطَهَا حقها من الثرى؛ ولا أنْ يقدحَ في صدقِ توجه صاحبِهَا؛ الذي أَعْلَنَ في  جرأةٍ عن قناعاتٍ جديدةٍ تبلْوَرَتْ في ذهنِهِ ِ؛ دفعتْهُ لاتخاذِ قرارٍ بمغادرةِ مؤسسةٍ ؛ أفْنَى العمرَ يُنافح عن منهجِهَا؛ وكان أحدُ مخططي خطَّها العام قبل الفراق عام 1993م.

   (2)

كان لظهور وثيقةِ (آن أوان التغيير) وقعٌ صادمٌ؛ وقد خطَّها قياديٌّ من الصفِ الأول؛ شغلت وأربكَتْ ساحةَ الحزب الشيوعيِّ؛ في لحظة كان يُكَابِدُ فيها عسرَ إجراءاتِ تأمينِ جَسدَهُ من هجمةِ النظامِ الإسلاموي الشرسِ؛ وقد أرخت الوثيقةُ بظلال تأثيرِهَا على عددٍ مقدر من شبابِ الحزبِ؛ وقادَتْ بالفعلِ لانشقاقِ أعدادٍ منهم؛ فضلت اللحاقَ بصاحبها الذي قَضَى فترةً من حياتِهِ يعملُ بتكليفِ حزبي وسط القاعدةِ الطلابية؛ لذا فدعوته لاقَتْ صدًى؛ أوساطُ الشبابِ المتطلِّعِ لكلِّ جديدٍ؛ حينها خاصة في مناخ الإحباطِ الذي انتَشَرَ عقب انهيارِ المنظومة الاشتراكيةِ؛ وادى لحالة من التشويش النظري وفقدان البوصلة الفكرية؛ التي أحدثَتْ شرخًا وأثارَتْ لَغَطًا كثيفًا حولَ صلاحيةِ بعض المسلماتِ المنهجية؛ لكن في ذات الشأنِ لم يخفَ على الرواسخِ من راكزي الفكرِ الماركسي؛ أن وثيقةَ الأستاذ الخاتم -على أهميتها السياسية- قد عانَتْ فقرًا فلسفيًّا ونظريًّا مدقعًا؛ حاولَ مهندسُهَا إخفاءَهُ خلفَ أكمة مهارتِهِ السياسيةِ وعلمِهِ بتاريخِ الحزبِ والعثرات التي لازمَتْ مسيرته وافشلت تنفيذَ مشاريعِهِ الطموحة ؛ حيثُ عمَدَ الأستاذ الخاتم إلى محاصرةِ عقلِ متلقِي أُطْرُوحِتِه؛ بزحامٍ كثيفٍ من سلبيات التطبيقِ محملاً المنهجَ الماركسي المسؤوليةَ عن الإخفاقاتِ التي صاحبَتْ تجربةَ الحزبِ الشيوعيِّ السودانيِّ مشيرًا بصورة خاصة لعجزِهِ عَنْ التحولِ لقوى اجتماعية كبرَى قادرةٍ على إحْدَاثِ التغييرِ وانْجَازِ برنامج “مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية”؛ ولتأكيدِ دعاويِهِ عقَدَ بمهنيةٍ سياسيةٍ وحرفية عالية مقايسة؛ بين الايجابياتِ التي تحقَّقَتْ عبرَ مسيرةِ الحزبِ وقد أضعفَ مِنْ قِيمتِها وقلَّلَ من شأْنِها؛ وسلبيات القعود وحالة العجزِ عن تحقيق الشعاراتِ المطروحةِ التي أَعْلَى من كعبها؛ ذَرَّ بذلك المزيدَ من الرمْلِ في العُيُونِ الجزِعَةِ وممهدًا بذكاءِ العقولِ الشابة لتلقِّى الصدمة الفكريةِ الكبرى بصدر رحبٍ وإيمانٍ صادقٍ لوجه الحقيقة بأن فيما جاء بـ(الوثيقة) هو الشفاءُ والخلاصُ مِنْ الدَّاءِ.

(3)

لاقت دعوةُ الراحلِ الخاتم عدلان -بضرورة التخلُّصِ من الحمولة الأيدولوجيا والتحللِ من أعبائِها- هوًى عندَ كثيرٍ من الطلائعِ الشابة التي ظُلِمَتْ ولم تنلْ حظَّهَا من التأهيلِ النظري الذي نالته الأجيالُ التي سبقَتْ وفي هذا تُسْأَلُ قيادةُ الحزبِ التي أَهْمَلَتْ جانبًا حساسًا من جوانب بناء العضو الثوري الملتزمِ وفرَّطتْ في أَدَاءِ أهم واجباتِها الثوريةِ؛ وهكذا مَضَتْ الوثيقةُ تؤسسُ لفراقِ الخط العام سياسيًا مهملة التأسيسَ لهذا الفراقِ نظريا لتقعَ في المحظورِ؛ حيث لا نجدُ فيما بُذل من جهد الرحيلِ ملمحا نظريًا جديدًا ولا حتى مجرد دحضٍ علميٍّ لأركانِ النظريةِ المهجورةِ؛ فقد آثرت الوثيقةُ نهجَ المراوحةِ السياسيةِ على المواجهة الفكرية الصريحةِ؛ لينعكسَ هذا الآمرُ على الجسدِ التنظيمي الذي انبَثَقَ مِن صُلْبِهَا ؛ فلم يلبثْ – كحال من سبق من دعوات مبطلة-  إلا قليلاً ليقعَ في داءِ الشللِ والقعود الذي رَمَى به الحزبَ الشيوعيَّ وَانْسَلَّى؛ لا أحدٌ يُنْكِرُ أنَّ وثيقةَ (آن أوان التغيير) قد طرَحَتْ كثيرًا مِنْ الأفكارِ المهمةِ وعرَّتْ جوانبَ الخللِ في تجربةِ الحزب الشيوعيِّ؛ وهي عثراتٌ اعترفَتْ بها قيادةُ الحزب ؛ وفتَحَتْ نقاشَ عامٍ حَوْلَها امْتدَّ لأكثرِ من عقدٍ من الزمان؛ ومن ضمْنِ الوثائقِ التي قُتِلَتْ بَحْثًا في هذا النقاش الوثيقةُ المذكورةُ ذات نفسها؛ وقدْ أدْلَى كلُّ صاحبِ دلوٍ بدلوِهِ على كافة الأصعدة والمستويات التنظيمية؛ ونشَرَتْهَا الإصدارةُ الفكريةُ الرئيسة للحزب “الشيوعي” كاملةً غيرَ منقوصةٍ؛ وتمَّ النقاشُ حَوْلَها دُونَ حَجْرٍ.

(4)

الدعوةُ لإبطالِ الماركسيةِ ليست حديثةً؛ فقد تَوَالَتْ عبْرَ الحقَبِ؛ تَعْلُو وتهبِطُ مثل صرعات المُوضةِ؛ دون أن تصيب نجاح يذكر أو تتمكنَ من دَحْضِهَا أو طَرْحِ منهاجٍ ثوري جديد؛ وستستمرُ عمليةُ الحصبِ والرجمِ هذه ما استمرَتْ الحياةُ؛ وما شق طريق النضال الوعر على البعض غيرَ أنَّ التجربةَ وحقائقَ الواقعِ حتَّى اللحظةِ الراهنةِ؛ قد كشَفَتْ خطلَ هذه الدعواتِ؛ وباتَ كثيرٌ من الأطروحاتِ المعارضة للماركسية؛ مثل “صراع الحضارات” لصامويل هنتنجتون؛ و”نهاية التاريخ” لفرانسيس فوكاياما؛ ببوارٍ عظيمٍ وطاشت سهامُهَا؛ بل ارتَدَّتْ لنحر الإمبرياليةُ وهي في أوجِّ توحُشِهَا حتى هرَعَتْ  بجلالةِ قَدْرِهَا جزعة تبحثُ عن حلولٍ لازمتِهَا الاقتصاديةِ التي تعصفُ بها منذ 2007م في سفر (رأس المال) الركن الركين في النظرية الماركسية؛ وتظلُّ الماركسيةُ كما قال مؤسسها نظريةً مفتوحةً على التجديد الذي يمثل مِفْتَاح وآلية تطورها، ويستحيلُ هذا التجديدُ دون اتخاذِ موقفٍ نقدي؛ من هذه الفكرةِ أو تلكَ في النظرية؛ فالواقعُ الماثلُ هو المرجعُ النهائي للأفكارِ، والدافعُ لتطوير وتجديدِ المفاهيم والتصوراتِ الفلسفيةِ لِذَا فمِنْ العبثِ حشر الواقع المتغير حشرًا في إطار المسلمات النظرية الجاهزةِ ليتطابقَ معها حتْمَ أنف، بل عَلى العكس تمامًا على النظرية أن تظلَ في حراكٍ لتطوير أدواتِ تحليلِهَا ؛ لمواكبة تعقيداتِ الواقعِ؛ والعملِ على إيجادِ الحُلولِ.

  (5)

ليس للأفكار والرؤى الفلسفيةِ أعمارٌ افتراضيةٌ تشيخُ بعدَها وتذبل ويتخطَّاهَا الزمنُ؛ كما أن الجزمَ بنهاية نمطٍ فلسفي في حجم الماركسية؛ والقولَ بتجاوزِ التاريخ له هو نَزَقٌ وَطَيْش فكري؛ لا يَعْدُو أن يكونَ شغبَ صبيةٍ؛ استعْصَى عليهم فَهْمَ خريطةِ الكنزِ؛ ستظلُ هذه الأصواتُ الملولةُ تعْلُو عندَ المنعطفاتِ التاريخية في حياة الشعوبِ؛ معبرةً عن تبرمِ أصحابِهَا بقيدِ الالتزامِ؛ والعجزِ عن الاستمرارِ في دفعِ استحقاقاتِهِ؛ راضينَ مِن الغنيمةِ بالإِيَابِ؛ وبزائِف دعاوي “غربة الماركسية”؛ عن المواكبةِ الفكريةِ دونَ أن تحْوِي الكنانةُ ما يفيدُ البشريةً؛ واليومٌ إذ تَدْنُو ساعةُ المؤتمرِ السادسِ؛ تترددُّ في أرْوِقَةِ الحزبِ الشيوعيِّ السوداني صدَى هذه الأصواتُ تنشدُ كالمعتادِ مواويلَ الفراقِ؛ في تَكْرَارٍ رَتِيبٍ للحنٍ قديمٍ؛ صَاغَتْ ترانيمَهُ رُؤى شعبوية حاولَتْ دون جدوى السائدة على الحركة الشيوعية السودانية منذ فجرِ ميلادِها وهي في كلِّ مرحلةٍ تعيد صياغةَ مقولاتِهَا ومفاهيمِهَا النظريةِ عن مسألة التبعيةِ والنضال الطبقيِّ الأساسي في المجتمعِ بشكلٍّ منفصلٍ وبعيدٍ عن الماركسيةِ.

(6)

الماركسيةُ فلسفةٌ ومنهجُ تفكيرٍ منفتحٍ؛ وقابل للتطوير والإثراء؛ ولم يَدْعِ لُه مؤسسوه العصمةَ ولا القَدَاسَةَ؛ بَلْ على العكس تمامًا؛ الجدلُ الماديُّ منهجٌ ديناميكيٌّ؛ لفَهْمِ كيفية عملِ الظواهرِ الاجتماعيةِ؛ والطبيعيةِ؛ وكيفية تطوُّرِ الأفكارِ؛ وهو بذلك يرفضُ النظرةَ الجامدةَ للأشياءِ ويشدِّدُ على أنَّ الأشياءَ نفسَهَا في ظلِ شروطٍ محددةٍ يمكِنُ أنْ تتحولَ إلى نقيضِهَا  فكيفَ يمكنُ وَصْمَ مثل هذا المنهج بالجمودِ؛ مَنْ يَصِمُ الماركسيةَ بعدَمِ المُواكبَةِ يعبر في حقيقةِ الأمرِ عن سطحيةِ فهْمِهِ لقوانينِهَا؛ ومنهجِ تحليلِهَا الفذِّ؛ وعن مللِهِ من اتباعِ طرقِ البحثِ والتَّقَصِّي العلمي الذي تَفْرِضُهُ الماركسيةُ على معتنقِهَا؛ إنَّ اختيارَ الخطابِ الشعبوي القائمِ على تغبيشِ الوعْيِ؛ لَهُوَ أسهلُ بكثيرٍ من نَكَدِ البحثِ والاستقصاءِ العلمي؛ ورهق النضالِ من أجلِ نشر الوعيِ وانتشالِ الجماهير من الجهلِ والتخلف؛ ولكن هل يكفي تبرير لضعف الهمة النضالية مجرد القول بأنَّه من (غير العقلاني أن نحاولَ بناءَ حزب من الفلاسفة في بلدٍ أُمِّيٍّ)؟!؛ هذا ضرب من فراق الجادة الثورية عقيم؛ ومع الوصولِ لهذِه المرحلةِ من الضياعِ الفكريِّ؛ لا يهمُّ إنْ كانَ الفردُ يَعِي بأنه يضللُ نفسَهُ  قبلَ أنْ يضلَّ لآخرين بمثل هذا الطرح أم لا، فالمُحَصِّلةُ النهايةُ واحدةٌ وتشيرُ إلى أنَّ صاحبَ الطَّرْحِ قدْ تَجَاوَزَ نُقْطَةَ اللا عودة وَحَسَمَ خِيَارَهُ بَعْيدًا عَنِ المَاركِسيَّةِ ومشاق اتباع طريقها الثوري الوعر.

 ** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.

30/10/2015م