عادل العفيف مختار* من أكبر المعضلات التي تواجه العامة وبعض أنصاف المتعلمين هي االثقافة السماعية، بالإضافة إلي المناهج التعليمية المتخلفة ، 

والتي من فرط تخلفها لم ترهق من أمر مؤلفيها عسرا أن يراجعوا بعض ما ورد فيها من خطل ومعلومات أقل ما يمكن أن توصف به هو أن الزمن قد تجاوزها. مثال ذلك كتب الجغرافيا في المرحلة الثانوية التي تصف الهند بالدولة المتخلفة الفقيرة. ولو كان مؤلفوا هذه المناهج قد قاوموا  صفة العجز والكسل وعدم الإطلاع لعلموا  أن الهند تملك عاشر أقوى جيوش العالم، وتملك في ترسانتها خمسة ألاف قنبلة نووية، وإنها أرسلت للفضاء مركبة  هندية الصنع. وتملك مصانع للسيارات والقطارات، وأن بها مخترعين أفادوا البشرية أيما إفادة، فهم قد إخترعوا الهوت ميل الذي ننعم به كلنا، وأنهم تطوروا في مجال الكمبيوتر وتقنياته وتجاوزا أقرانهم بآلاف السنوات الضوئية، وأن قوقل ومايكروسوفت  والماستر كارد يقف خلفهم هندي.

  اما في مجال الإنتاج فقد إكتفي الهنود ذاتياَ منها مع التنوع في انتاج السلعة الواحدة، ففي الهند تجد لكل سلعة ثلاث مستويات، فسلعة السكر مثلا بها فرز أول لمن يستطيع ، وثاني لمن لا يستطيع، وثالث للمعدمين، علما بأن هذه الأصناف الثلاثة بها نفس الطعم الذي يحدثه النوع الأول.  علي هذا المنوال تسير جميع المنتجات الإستهلاكية، من صابون وملح وزيت حتي التبغ والخمور. علي عكس كل الدول التي تنتج أو تستورد سلعة واحدة يكون شراؤها بنفس السعر للمليادير وللمتسول. هذا يعني أن المواطن مهما بلغ به الفقر إلا إنه يستطيع الحصول علي إحتياجاته الأساسية من مطعم ومشرب وملبس.

   لقد تسامح الهنود مع أنفسهم ، عندما أعلنوا أن الهند ستكون أرضاَ للأديان المتعددة. تعاملوا مع واقع بلدهم بعقلانية فأحدثوا التطور الذي شهد لهم به العالم. لم يفعلوا كما فعل قادة السودان الذين أضحت لهم عبارة فجة ممجوجة ومحفوظة للعامة وهي الجزع عند النوائب  وترديد عبارة “نحن مستهدفون في ديننا” فيلقون بفشلهم علي الدين. والله وحده يعلم ما إستهدفوا – هذا بإعتبار أن هناك إستهداف- إلا لخطل سياساتهم، وفقر تجربتهم، وسرقتهم ودعمهم للإرهاب.

  تطور الهنود لأنهم ذهبوا في مجال التعليم برؤية وفكر ثاقب، فتعدد الجامعات فيها لم يفقدها التميز الأكاديمي، وهو تعدد يتناسب مع التعداد السكاني الضخم الذي تتميز به. إذ تأتي الثانية بعد الصين ،الهند نشرت ثقافة انتشار الكتاب، فهم يطبعون جميع الكتب بوفرة مذهلة، إذ أنهم يطبعونها على ورق عادي رخيص السعر، ومن ثم تصبح في متناول الجميع. وقد كانت هناك طبعات هندية في مكتبات الخليج، فتجد الكتاب ذو الطباعة الفاخرة بسعر 80 ريالا مثلا ، ونفس الطبعة الهندية للكتاب بسعر 18 ريال. فالفرق المذهل هذا هو مؤشر لإحترام تلك الدولة للعلم والمعرفة والعمل على توفرهما بأقل الاسعار.

  أما في مجال البحث العلمي عند أساتذة الجامعات فالأمر محير، فالتأليف عندهم أمر يجعلك تعيد النظر في أن اليوم يحوي 24 ساعة، وأكاد أجزم أن اليوم عند الأستاذ الجامعي الهندي مقداره ألف ساعة. وقد يكون الأمر يسيرا عليك عزيزي القاري بأن تنظر لأخر صفحة لأي كتاب لمؤلف هندي  لتري عدد الكتب التي ألفها ذلك المؤلف. عادة ما يتراوح  إنتاج أي أستاذ جامعي بدرجاتهم المختلفة مابين 30 – 60 كتاب.

يجب ان لا ننسى أن كل هذه الإنجازات يقف خلفها نظام ديمقراطي راسخ منذ العام 1948، فالهند ليست كجارتها الباكستان ، لم تعرف حكم العسكر، وقد ورثوا نظاما تعليميا بريطانيا حافظوا عليه، وخدمة مدنية متطورة تدهش كل من زار أرض غاندي وطاغور المغني. الهند لا تطلق كفاءاتها لتهاجر، من أطباء ومهندسين  وأستاذة جامعات وفنيين، بل توفر لهم البيئة  المناسبة والحياة الكريمة، بل تسمح فقط للعمالة غير المدربة وهي الطبقة التي نراها في الخليج، وهم الفاقد التربوي لذلك التعداد السكاني المهول. وقد ظن الكل أن  هؤلاء العمال هم من يمثلون صفوة الهند، وهذا تفكير وإعتقاد أقل ما يمكن أن يوصف به هو خطل في الرأي وسذاجة في الفهم.

بعد كل هذا يأتي شخص من السودان، والذي تنعدم  فيه المقارنة كلياَ بالهند ، يقول بنبرة إستعلائية غريبة ليس لها ما يبررها على الأطلاق ” أنا هندي” وأنا أقول له ياليتك كنت هندياَ، لما كان هذا حالك، وهؤلاء لا يبصرون ما في أنفسهم. ولو كان يبصر في نفسه لرأي أن البصات التي تحمله في غدوه ورواحه، والتي أطلق عليه هو مسمي  البصات السياحية لفرط روعتها لم تصنع وتصمم في عاصمة بلاده الحضارية، وأن الركشات التي تكتظ بها شوارع البلاد ، لم تنتج في مصانع السودان الاسلامية، والشي المدهش حقا أن عبارة “أنا هندي” هذه شائعة في سودان البؤس والمسغبة أكثر من أي مكان أخر، وقد قيل قديماَ أن الإساءة – باعتبار أن هذه العبارة المستفزة- تحوي في داخلها إساءة مغلفة وهي إني  لست غبيا ومتخلفاَ وجاهلاَ ساذجاَ مثل هذا الهندي، أ ن الإساءة عندما تأتي من الند يكون وقعها أخف من حيث الإيلام ، باعتبار أن مطلق الإساءة مساوياَ لك في الكسب، لكن أن تأتي من شخص هو بكل مقاييس التقدم والتحضر والسلوك والعلم يحتل المؤخرة، تضحى هنا الإساءة أوجع، إنسان يعيش في بلد يفتقد كل مقومات الحياة الأدمية الكريمة، حيث لا مسكن ولا ملبس ولا مأكل ولا مشرب، ولا علاج ولا تعليم محترم، وفوق كل ذلك يحكمه نظام متخلف أورثه كل هذه العلل، فيترك كل هذه المخازي جانباَ  ولا ينظر إليها  إطلاقا، مع أنه  لو إمتلك حكمة الهنود وأرجع البصر إلي نفسه ودولته كرتين، لانقلب إليه البصر خاسئاَ وهو حسير من هول ما هو فيه.

المنطق يقول هو الذي يجب أن يستعلي عليك، فهو قد أنتج لك البص والركشة والسيارة والموبايل وتقنيات وبرامج الكمبيوتر، وانت أقصي ما وصلت إليه صناعتك هي “كارو الحمار” هذا وفي الإعتبار أن الكفرات التي تسير عليها الكارو هي بقايا سيارة قديمة متهالكة مصدرها الهند أو أي دولة اخري، وأن الحمار الذي يجرها هو من صنع الخالق جلا وعلا.

 *محاضر بالرياض

adilafifi@hotmail.com