رشا عوض حفلت مواقع التواصل الاجتماعي ولا سيما موقع (فيسبوك) بالتعليقات الساخرة والمستنكرة لمشاركة الفنانة ندى القلعة في ما يسمى بالحوار الوطني كشخصية قومية، عندما سرت شائعة قوية بذلك.

وقد عكس شكل ومضمون التناول لهذه الشائعة بعضا من “العقلية الإنقاذية” الكامنة بكل أسف في طريقة تفكير وتعبير كثير من المعارضين! فالبعض علق على الشائعة بنشر صور شخصية لندى القلعة وهي تدخن الشيشة، أو ترتدي ملابس غير مطابقة لمواصفات”النظام العام”! والبعض لجأ للغمز واللمز في سلوكها الشخصي، والبعض الآخر استبطنت تعليقاته الاحتقار والازدراء للمرأة الفنانة، التي لا كرامة ولا وزن لها، بل ان وجودها في اي محفل يلوثه او بالأحرى ينجسه! في استدعاء لما هو مخزون في عقلنا الجمعي من ارتباط أهل الفنون بالرذيلة ولا سيما إن كانوا نساء!!

وفجأة انصرف الناس عن العلة الجوهرية في “مهزلة الحوار الوطني” وكأنما أكبر عيب في هذا الحوار هو مشاركة ندى القلعة المزعومة فيه.

ولكن لم يخل (الفيسبوك) من تعليقات متضامنة مع ندى القلعة، اخترت من بينها (بوست) لصديقتي في العالم الافتراضي، ندى شارف الجقر، لأنها عبرت عن رأيها بوضوح ورصانة، تستحق النقاش الجاد، رغم اختلافي معها الذي سافصله لاحقا.

وفيما يلي نص مداخلتها:

عذرا” ندى القلعة … لهذا السبب سيفشل الحوار !!!(

ندى شارف علي
مواطنة سودانية
…………

استنكر الكثيرين اختيار تراجي مصطفى للمشاركة في الحوار الوطني ..
لم استغرب وتفهمت المبررات ..

ولكن ما لم أجد له مبرر حتى كتابة هذه الاسطر تلك السخرية والاستنكار الشديد لمشاركة ندى القلعة في الحوار الوطني !! سخرية طالت حتى حواء الطقطاقة “رحمها الله” وعائشة الحنانة وفلانة الفلانية وووو …

سخرية اضطرت وزير الدولة بالاعلام للمسارعة بنفي مشاركة ندى القلعة !!

لما كل تلك السخرية وما هي أسباب هذا الاستنكار الشديد؟
هل لأنها إمرأة؟
هل لسبب متعلق بمهنتها (الغناء)؟
هل لسبب يتعلق بطريقة حياتها وسلوكها الشخصي؟
هل لأن اختيارها جاء ضمن الشخصيات القومية؟ وما هي معايير القومية؟

بالبلدي كدة (ليييه الاستنكار الشديد لمشاركة ندى القلعة في الحوار الوطني)؟
والله عايزة أفهم … أدوني سبب واحد مقنع…

إن كنا ننادي بوطن تكون المواطنة فيه هي أساس الحقوق فندى القلعة مواطنة ومن حقها أن تقول رأيها كما من حق الجميع.
إن كنا نستنكر التمييز على اساس الدين والعرق واللون فحري بنا أن نخجل من ممارسة هذا التمييز ضد هذه المواطنة بسبب مهنتها وطريقة عيشها ..
إن كان الحوار من (أجل وطن يسع الجميع) فندى القلعة من ضمن الجميع ولن يستطيع كائن من كان أن يحرمها هذا الحق.

ندى القلعة لم تمتهن السياسة وتتاجر بقضايا الناس من اجل مصلحتها الشخصية
ندى القلعة لم تحمل السلاح لتصل لأهدافها على جثث الأبرياء.
ندى القلعة لم تستغل نفوذها وسلطتها لتمتلك البنايات الشاهقة في الاحياء الراقية ..
ندى القلعة لم تمنع أحداً أو تصادر حقه

هي فقط اختارت مهنة وطريقة حياة تنفعها أو تضرها وحدها
امتهنت الغناء لتعيش وتعول اسرتها وربما هي الان تعول وتكفل الكثيرين ممن ليس لنا بهم علم والله اعلم بحالهم ..

هل منا من سألها كيف تعيش ولما امتهنت الغناء؟
هل منا من وفر لها مهنة أخرى تعيش منها ورفضت؟
هل منا وهل منا؟؟

ندى ضحية من ضحايا هذا الواقع الذي نعيشه هي نتاج لوضع اقتصادي متأزم لتنجو منه عليك أن تنجح في اثنين لا ثالث لهما (يا كفر يا وتر) هذا الواقع الذي أخرج الكثيرات العفيفات من بيوتهن “ليتصرفن” من أجل لقمة العيش.. منهن من باعت الشاي ومنهن من باعت العفاف

من جانب آخر ماذا فعل الساسة (إلا من رحم ربي) منذ العام 1956م وحتى الان غير امتهان السياسة واستغلال مطالب الناس لمصالحهم واغراضهم الشخصية .. ماذا فعل من سلمهم الشعب الحكم لأكثر من مرة غير الكلام الذي لا طائل من ورائه ..

يا سادتي ندى وغيرها من ضحايا هذا البلد … أم قسمة ست الشاي وعائشة الحنانة وعوضية سمك وحواء ست الكسرة واسحق الاسكافي وابراهومة جامع النفايات والكمساري والمتشرد والموظف التعبان والفريشة في الاسواق والجائع والمريض وووو

كل هؤلاء وغيرهم هم اولى بالحوار وابداء الرأي من غيرهم في شأن هذا البلد .. وأحق بالمشاركة من كل هؤلاء الساسة والمتاجرين بقضايا البلاد والناس ..

أخيراً
آن الأوان لأن تقول ندى القلعة كلمتها في شأن هذا البلد وكيف يدار ،،،

وأخيراً
اعتذار واجب اتقدم به لندى القلعة وغيرها ممن طالتهم السخرية وذلك أصالة عن نفسي ونيابة عن كثيرين ربما ساءهم الامر كما ساءني.

أخيراً جداً
إن مصادرة حق ندى في المشاركة في حوار خاص بالوطن يعني مصادرة حقي وحقك في مناقشة شئونا وشئون بلدنا… لذلك أنا المواطنة
ندى شارف أعلن تضامني مع المواطنة ندى القلعة وأنادي بحقها في المشاركة في الحوار. .

جزيل الشكر مقدماً لكل من يرفض ممارسة الاقصاء والتمييز ضد أي من مواطني هذا البلد ومصادرة حقه في إبداء رأيه)..انتهت مداخلة ندى شارف.

اتفق مع ندى شارف في أن التمييز والإقصاء لأي مواطنين ومصادرة حقهم في المشاركة في الشأن العام مرفوض، وفي أن الشعب السوداني تضرر من السياسيين الفاسدين الذين أشعلوا الحروب ونهبوا المال العام وخربوا البلاد أكثر بما لا يقاس من فنانة لم تقدم للناس سوى الطرب، وان أصابت أو أخطأت فلن تنفع أو تضر سوى نفسها.

وبالفعل لو كان معيار تقييم ما يسمى بالحوار هو نوع الشخصيات المشاركة فيه، فإن ندى القلعة ان شاركت ستكون أفضل شخصية في المشاركين بمن فيهم السيد رئيس الحوار شخصيا! لماذا؟ لأنها ببساطة الأقل إضرارا بشعب السودان منهم جميعا وبما لا يقاس!

أما نقطة اختلافي الرئيسة مع الاستاذة ندى شارف فهي أنها افترضت وجود حوار حقيقي في السودان وأن المشكلة  فقط في موقفنا الرافض او المرحب بمشاركة هذا أو ذاك فيه، بينما الحوار الدائر في قاعة الصداقة هو حوار النظام المستبد القامع لحرية التعبير والتنظيم والعمل السياسي، والمسيطر على كل شيء مع احزاب وتنظيمات موالية، في غياب المعارضة الحقيقية مدنية ومسلحة، وبالتالي فهو حوار عديم الجدوى للقضية الوطنية، ولن ينتج عنه تغيير حقيقي لصالح المواطن.

ونقطة الاختلاف الثانية هي ان الاعتراض على مشاركة  ندى القلعة في الحوار، هي رأي سياسي مشروع، بشرط ان يطرح بحيثيات سياسية موضوعية وليس بالطريقة التهريجية التي تم بها، نعم هي مواطنة سودانية، ولكن بطبيعة الحال قاعة الصداقة لن تتسع لعشرين او ثلاثين مليون سوداني! فلا بد من معايير لاختيار ممثلين حقيقيين ينوبون عن الطيف السياسي، الفكري ، الإثني، الجهوي، السوداني، ممن لهم الحد المعقول من الوعي السياسي والكفاءة لمناقشة القضايا العامة، فبأي معيار تم اختيار ندى القلعة كشخصية قومية؟ هل انتخبها الوسط الفني مثلا لتنوب عنه ؟ هل هي ناشطة سياسيا؟ ان سخرية البعض يمكن فهمها في سياق السخرية من عشوائية ما يسمى بالحوار الوطني حيث يقوم الحزب الحاكم الفاقد للشرعية من عامة الشعب بتوزيع الصفات المجانية حسب اختياره : هذا شخصية قومية، وهذا عميل، وهذا مرتزق، وبالتالي ابتذل النظام الحاكم مفردة شخصية قومية لانها أصبحت مرادفا لشخصية موالية للنظام أو على أحسن الفروض شخصية مهادنة.

المهم في الأمر، أن زوبعة ندى القلعة، كشفت أن  بعض المعارضين للإنقاذ لم يتخلصوا من الإنقاذ التي في دواخلهم!، ولأن الشيء بالشيء يذكر، استرجع هنا الهجوم  الذي تعرض له إبراهيم محمود( مساعد البشير  الحالي، ووزير الداخلية السابق) أيام انتفاضة سبتمبر المجيدة، وهو هجوم مستحق جدا وواجب لو ركز على العلة المركزية في هذا الوزير الإنقاذي وهي وجوده على رأس وزارة الداخلية ضمن سلطة فاسدة باطشة، ومسؤوليته عن المجزرة البشعة التي لحقت بالمتظاهرين العزل، وتصديه المخجل للتستر على الجريمة النكراء وخطابه المتهافت حينها لوسائل الإعلام، ولكن للاسف انصرف كثيرون لشتم الوزير الإنقاذي بأنه أرتري! وعليه ان يترك السودان للسودانيين! وطبعا تجريد إبراهيم محمود من الجنسية السودانية بسبب انتمائه لقبيلة من القبائل التي لها امتدادات في دول الجوار سوف يؤذي كل القبائل السودانية المشتركة بين السودان وارتريا او اثيوبيا أو تشاد! فما هي الحكمة في توجيه هذه الإساءات العشوائية لملايين المواطنين السودانيين والتشكيك في انتمائهم لوطنهم وجعلهم يتحسسون جنسياتهم ومن ثم المساهمة في تفكيك المفكك أصلا ؟ وهل هناك عاهة أخلاقية أكبر من الانتماء لنظام مثل نظام الانقاذ حتى نبحث لوزير إنقاذي عن عاهة أخرى في انتمائه القبلي ونختزل مشكلتنا معه في أنه أرتري! وهل هذه مشكلة أساسا؟ أليس في هذا انحدار إلى ذات عنصرية النظام؟

لا بد من التمييز بين المعارضة الراشدة للإنقاذ والمعارضة التهريجية، فالاولى تتصدى للإنقاذ من منصة مغايرة تماما وبخطاب مختلف لأنها تعارض الإنقاذ كفكرة ونظام ، أما الثانية فتخوض مع الإنقاذ في ذات مستنقعها الآسن، لانها تعارضها كشخوص.

لكي ننجح في هزيمة الإنقاذ، فلا بد كخطوة أولى، أن نتقيأ “الإنقاذ التي في دواخلنا”، أي الأفكار العنصرية والإقصائية وما يرتبط بها من عنف مادي ومعنوي.