نبيل أديب حسناً فعل وزير العدل الحالي حين دفع بمشروع قانون 2015م إلى دائرة النقاش العام، قبل إصداره، متبعاً في ذلك التقاليد الديمقراطية العريقة التي تحترم الرأي العام، بأن تشركه في عملية إصدار القوانين، ولا تفرضها عليه فرضاً. 

وأول ما يلفت النظر في المشروع هو أن واضعيه قد تنبهوا لأنه يخالف بعض أحكام الدستور وأن إجازته تتطلب تعديلاً لتلك الأحكام ىالدستورية، وما يثير الدهشة في ذلك أمران الأول هو أن كل ما أصدره المشرع من قوانين متصلة بالحريات العامة عقب صدور دستور 2005 تخالف أحكام ذلك الدستور، دون أن يمنع ذلك المشرع من إصدارها. والأمر الثاني هو أن مشروع قانون النيابة العامة لسنة 2015  يعتبر أول  مشروع قانون يتماشي في  روحه مع متطلبات النظام التعددي الديمقراطي الذي تبناه دستور 2005  الإنتقالي، وإن خالف بعض ما تتضمنه ذلك الدستور من نصوص. المشروع يهدف لتحرير النيابات العامة والمستشارين القانونيين للدولة من تبعيتهم لوزير العدل القومي، والتي نصت عليها المادة (133) من الدستور، وهو فيما نزعم هدف أقرب لروح الدستور، من نص المادة (133) الذي إستخدم للخروج عن أحد الأسس الدستورية الهامة وهو نظام الفصل بين السلطات ومايقوم عليه من رقابة متبادلة بينهم Checks and Balances. فالواضح أن الدستور قد قصد أن يُتّبِع النيابات والمستشارين القانونيين لوزيرالعدل من الناحية الإدارية والمالية فقط، في حين يحفظ لهم إستقلالهم فيما يصدر منهم من قرارات، متبعاً في ذلك ما هو جار عليه العمل في دول الكومونولث. وهذه مسألة تبدو واضحة من حيث أنه وصف عمل النيابات العامة والمستشارين القانونيين بتقديم النصح وتمثيل الدولة في الإدعاء العام والتقاضي والتحكيم، ولكنه وصف وزير العدل بأنه هو المستشار القانوني الأول  للحكومة القومية. الحكومة تعنى السلطة السياسية القائمة فى فترة محددة، في حين تعنى الدولة الأجهزة الدائمة التي تمارس بواسطتها الحكومة القائمة فى زمن معين السيادة على الشعب والإقليم . وهذه الأجهزة الدائمة ـ ومن ضمنها جهاز النيابة ـ يجب أن  تتميز بالحياد تجاه الحكومات المتعاقبة من جهة، وتجاه التكوينات السياسية القانونية داخل إقليم الدولة من الجهة الأخرى، في حين أن الحكومة، ومن ضمنها الوزير، تتكون من أحد تلك التكوينات السياسية المتنافسة على السلطة. وهذا الوضع الذي إختاره الدستور لا يختلف كثيراً عن الوضع السائد في عدد من الدول الديمقراطية، حيث يتم وضع النيابة العمومية تحت إشراف الوزير المعين سياسياً، مع الإحتفاظ التام للنيابة العمومية والمستشارين القانونيين التابعين له بإستقلالهم فيما يصدرون من قرارات، عن الوزير الذي يتبعون له من ناحية إدارية ومالية. ولكن التجربة العملية أبدت عالماً من الخلاف بين التجربتين. ففي حين فسرت تلك الدول نصوصها بما تتمتع به من تقاليد ديمقراطية عريقة، فإستطاعت أن تحفظ للنيابة العامة إستقلالها عن الوزير المعين سياسياً، إلا أن تجربة السودان القصيرة حمّلت تلك النصوص من التقاليد السلطوية ما لم تعد معه جزء من خيار ديمقراطي. فبدلاً عن أن ينأى بنفسه عن قرارات النيابة، كما فعل نظيره في دول الكومونولث، جعل وزير العدل نفسه جهة إستئنافية لقررارات النيابة العامة، بموجب لائحة عمل النيابات التي أصدرها. وكان تدخل الوزير المعين تعيينا سياسياً في الدعاوي ذات  الصيغة السياسية والتي تجعل منه، وهو الخصم السياسي للمتهمين، صاحب القرار النهائي في قرارات النيابة حول توجيه الإتهام لهم، يُحمِّل بالضرورة قرارات النيابة شبهات لا تتفق مع الطبيعة شبه القضائية لقراراتهم، والقضاة كما قال لورد باوين كزوجة القيصر يجب أن يكونوا دائما فوق الشبهات.

السمة الرئيسية للمشروع هو إسترداد مهنية النيابة العامة، بإبعادها عن العمل السياسي الحزبي، وتكريس إستقلالها عن السلطة التنفيذية وذلك يبدو فيما يلي :

حظر العمل بالسياسة الحزبية

إشترطت المادة 6 الفقرة (ج) من المشروع أن يكون النائب العام من القانونيين الذين مارسوا مهنة القانون لمدة لا تقل عن عشرين عاماً، إلا أن ذلك في الماضي لم يمنع إختياره على أساس سياسي حزبي، فقد جرى العمل على أن يتم  إختيار وزير العدل من الذين مارسوا مهنة القانون لمدة طويلة من المنتمين للحزب أو الإئتلاف الحاكم. لتجنب ذلك،  إشترطت الفقرة (هـ) من نفس المادة دون مواربة أن يكون من يتولى منصب النائب العام غير  منتم سياسياً. كذلك فقد جعلت الفقرة (أ) من المادة 7  بسط مبدأ سيادة حكم القانون من إختصاصات النائب العام، وهذا يمنعه من النظر للمصالح السياسية الحزبية حين يتخذ قراراته في الإشراف على فتح الدعوى الجنائية. حظر القانون على وكلاء النيابة في الفقرة (ج) من المادة 43 الإشتغال بالسياسة، وهو حظر يشمل أيضاً النائب العام والمدعى العام بإعتبارهم وكلاء نيابة بحكم مناصبهم(م 10 (2). ولعل المقصود هنا هي السياسة الحزبية وليس مطلق السياسة، والقول بغير ذلك يخالف المادة الثامنة من المبادئ التوجيهية بشأن دور أعضاء النيابة العامة اعتمدها مؤتمر الأمم لمتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المنعقد في هافانا عام 1990 والتي تنص على أنه لأعضاء النيابة العامة، شأنهم شأن غيرهم من المواطنين، الحق في حرية التعبير والعقيدة وتشكيل الرابطات والانضمام إليها وعقد الاجتماعات. ويحق لهم، بصفة خاصة، المشاركة في المناقشات العامة للأمور المتصلة بالقانون وإقامة العدل، وتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها، وكذلك الانضمام إلى منظمات محلية أو وطنية أو دولية أو تشكيلها وحضور اجتماعاتها، دون أن يلحق بهم أي أذى من الوجهة المهنية بسبب عملهم المشروع أو عضويتهم في منظمة مشروعة.

إستقلال النيابة العامة عن السلطة التنفيذية

نص القانون على إستقلال النيابة العامة عن السلطة التنفيذية بألفاظ واضحة الدلالة في الفقرة (2) من المادة 3 من القانون حيث ذكر “تكون النيابة العامة مستقلة في أداء وظائفها وممارسة سلطاتها ولا سلطان عليها في ذلك لغير القانون.” وقد نص القانون صراحة على عدم تدخل أجهزة الدولة في أعمال النيابة في المادة 38 والتي تنص على أن “تعمل الدولة وكافة أجهزتها على تمكين وكلاء النيابة من أداء وظائفهم وممارسة سلطاتهم دون ترهيب أو تعويق أو مضايقة أو تدخل أو إعاقة سير العدالة بأي صورة”

ولكن لما كانت خبرة السنوات الأخيرة تقطع بأن النصوص العامة يسهل تجاوزها، فقد تضمن المشروع نصوصاً تدعم ذلك الإستقلال، بضمانات هامة تتعلق بالتعيين والعزل، تجعل النائب العام ومن يتبعه من أعضاء النيابة العامة في مأمن من نفوذ السلطة التنفيذية. فرغم أن المشروع ترك سلطة التعيين النائب العام في يد رئيس الجمهورية إلا أنه جعلها سلطة شكلية حيث قيدها بأن تصدر بناء على توصية من المجلس الأعلى للنيابة العامة، وهو مجلس مكون تكوين مهني من أفراد معينون بحكم منصابهم. كما وأخضع التعيين لموافقة الهئية التشريعيية القومية. وهذا يعني موافقة المجلس الوطني ومجلس الولايات، وهذا يدعم إستقلال المنصب.

 وحظرت المادة 41 من مشروع القانون عزل وكيل النيابة وهذا الحظر، كما أسلفنا يشمل حظر عزل النائب العام والمدعى العام ومساعدي النائب العام.  وحظر العزل على  إطلاقه هي مسألة مخالفة لمبدأ حكم القانون والذي يتطلب الخضوع للمحاسبة في كل مستويات السلطة، وخاصة بالنسبة للنائب العام والمدعى العام واللذان لا يخضعان للمحاسبة التي يخضع لها وكلاء النيابة، لذلك فأني أقترح ان يتم عزلهما عن طريق إجراءات  عزل خاصة Impeachment تتم أمام الهيئة التشريعية.

نص المشروع على أن يتولى النائب العام منصبه لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة لنفس المدة. خالف المشروع بتبنيه لتأقيت ولاية النائب العام بفترة محدودة النظام المصري الذي لم يحدد زمناً لولاية النائب العام وأيصاً النظامين الإنجليزي والأمريكي واللذان ربطا ولاية النائب بولاية رئيس الوزراء في الأول ورئيس الجمهورية في الثاني. ولم يحدد القانون من يملك سلطة تجديد ولاية النائب وهل يخضع التجديد لما يخضع له التعيين من موافقة كل الجهات التي قررت تعيينه؟ ويجب أن يتم تحديد هذه المسألة قبل إجازة القانون. وربما كان الأوفق، في حالة إستقرار الرأي على التوقيت، أن تكون الفترة واحدة فحسب، على ان تكون طويلة نسبياً.

قصر سلطات النائب العام على الإشراف على الدعوى الجنائية

 يبدو من ظاهر المشروع أنه قد إستخدم تعبير النائب العام على الوجه الذي إستخدمه به القانون المصري، والذي قصر إختصاصاته على الإختصاصات المتعلقة بالإشراف على الدعوى الجنائية، وهي إختصاصات يختص بها المدعي العام، سواء في النظام الأنجلوسكسوني أو في النظام القاري اللاتيني. ولكن منصب النائب العام في النظام الأنجلوسكسوني يختص بالإضافة لذلك بتقديم النصح القانوني لأجهزة الدولة في المسائل المدنية والإدارية والدستورية، وتمثيل الدولة في النزاعات حول المسائل التي تنظمها تلك القوانين، والتي تكون الدولة طرفاً فيها، وهي إختصاصات تتبع وزير العدل في النظام اللاتيني، والذي لا يستخدم تعبير النائب العام. وهذا يعني أن المشروع قد ترك المهام المتعلقة بتقديم النصح القانوني لأجهزة الدولة في المسائل المدنية والإدارية والدستورية، وتمثيل الدولة في النزاعات حول المسائل التي تنظمها تلك القوانين، لوزير العدل. إختصاصات النائب العام الواردة في مشروع القانون تؤكد ذلك رغم أنها ليست إختصاصات حصرية، حيث نص المشروع في الفقرة (هـ) من المادة (7)على أي اختصاصات أو سلطات أخرى مخولة له بموجب أحكام قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991، وأي قوانين أخرى. ولكن النص على قانون الإجراءات الجنائية، يعني أن القوانين الأخرى هي من جنسه، أي القوانين المتعلقة بإجراءات في قوانين عقابية. وهو نص بطبيعة الحال لا يشير للقوانين السائدة، والتي لا تعرف المنصب، ولكن لما قد تنص عليه القوانين في المستقبل.

الأهمية القصوى لإستقلال من يتولى الدعوى الجنائية

لم تتعرض المذكرة التفسيرية إطلاقاً لمسألة خيار ترك المسائل المتعلقة بالدستور وبالقوانين المدنية والإدارية خارج إختصاص النائب العام ولا للسبب في ذلك.  ربما قاد لهذا الخيار هو أن القانونيين عندما يتحدثون عن إستقلال النائب العام فإنهم يقصدون بشكل خاص المدعي العام. وأنا وإن كنت من جانبي أرى ضرورة أن يكون من يقوم بدور ممثل الحكومة في مجال القانون المدني مستقلاً عن السلطة التفيذية، وبعيداً عن رقابة الإدارات المالية، حتى يقوم بإقرار حكم القانون حتى ولو كان ذلك يؤدي إلى أن يضع على عاتق السلطة التي يمثلها أعباء مالية. وأرى كذلك أن دوره كممثل للحكومة في المسائل الإدارية يجب أن لا يحول بينه وبين تبين مصلحة الدولة في عدم المساس بالحريات الدستورية لمواطنيها. ولكنني أعتقد أن ذلك الإستقلال يكتسب أهمية قصوى بالنسبة لإدارة الدعوى الجنائية، وذلك لأن الإتهام الجنائي بطبيعته يشمل إجراءات تمس حريات المواطنين، وأمنهم في مواجهة الدولة، ولذلك فإن إستقلال الجهة التي تتولى الإتهام الجنائي عن السلطة التنفيذية مهم لحماية الحريات الدستورية للمواطنين. كما ويزداد الأمر أهمية بالنسبة لما يمكن أن تقود إليه مصالح الحكومة السياسية الضيقة من إستخدام لسلطة الإتهام الجنائي بشكل يضر بالنظام الديمقراطي ككل حين تتدخل الأهواء السياسية في توجيه الإتهام أو شطبه.

إستقلال المدعي العام في إنجلترا

تبعية مدير إدارة الإتهامات الجنائية الذي يتولى توجيه الإتهام أو شطبه، للنائب العام المعين سياسياً في إنجلترا، عولجت على عكس تجربة وزير العدل عندنا بتأكيد إستقلال قراراته في مواجهة النائب العام. وصف النائب العام سيلكين العلاقة بقوله (( البعض يعتقدون أن مدير إدارة الإتهامات الجنائية هو مجرد صنيعة للنائب العام وهم في ذلك مخطئون. المدير هو بالأساس شخص مستقل وغير سياسي،  والقرارات التي يتخذها هي قراراته هو، وليست قرارات النائب العام. على أن السلطات والمسؤوليات الخاصة بالنائب العام تتطلب بالضرورة علاقة مستقرة ووثيقة وثقة متبادلة بين الاثنين. كل سيشاور الآخر حتى حين لا يفرض القانون عليه ذلك، لأنه لن يتمكن ايا منهما من إداء مهامه بالفعالية المطلوبة بدون ذلك. ولكن كلاهما مستقل عن الآخر))

في محاكمة جيريمي ثورب الزعيم السياسي لحزب الأحرار، والتي تتلخص وقائعها في أن المدعو نورمان سكوت، وهو شخص يعاني من إضطرابات في شخصيته، كان قد شن في أوساط مختلفة حملة من الإدعاءات عن تورط ثورب معه في علاقة جنسية شاذة معه. ورغم أن القانون منذ صدور قانون الجرائم الجنسية في 1967م لم يعد يعاقب على أي علاقة جنسية رضائية بين شخصين بالغين، إلا أن الإدعاءات كانت مزعجة بالنسبة لثورب، لأنه من شأنها أن تؤثر سلباً على وضعه كزعيم سياسي. وقد تطور الأمر بعد واقعة إطلاق النار على كلب سكوت وقتله، حيث إتهم الأخير ثورب بتأجير قاتل محترف لقتله. لما كانت الدعوى مثار إهتمام الرأي العام، وبالنسبة لحساسية هذا الأمر المفرطة، فقد أعلن النائب العام أنه لايرغب في إصدار أي توجيهات لمدير الإتهامات الجنائية حول ما اذا كان يتوجب توجيه الإتهام لمستر ثورب أم لا. تمت محاكمة ثورب في عام 1979م حيث لم تر المحكمة أن بينة سكوت وشهوده بينات يمكن الركون إليها فشطبت الإتهام في مواجهة ثورب.

وفي ناميبيا

في ناميبيا ثار نزاع حول مدى خضوع المدعي العام لقرارات النائب العام في الدستور الذي كان جديداً آنذاك. في 1992 حوّل النائب العام الخلاف إلى مفوضية الخدمة القضائية بدعوى أن المدعي العام كان مذنبا بالعصيان. في 10 أبريل 1992 كتب الأمين العام لمفوضية الخدمة القضائية لمقدم الطلب موضحاً وجهة نظر تلك الهيئة فيما يتعلق بالشكوى. جاء في الرسالة ما يلي: –
أ) من الواضح تماما أن هناك خلافاً حاداً في الرأي فيما يتعلق بتفسير أحكام ذات الصلة من دستور جمهورية ناميبيا وأحكام قانون الإجراءات الجنائية التي تتناول العلاقة بين النائب العام والمدعي العام.
  
ب المفوضية مقتنعة بأن المدعي العام يعتقد بحسن النية، وقد ظل طوال الفترة ذات الصلة يعتقد، في  صحة تفسيره، أي أن النائب العام ليس له السلطة المطلقة والسيطرة على مكتب المدعي العام.
ج واللجنة مقتنعة كذلك بأن المدعي العام في الحالات التي رفض فيها تلقي تعليمات من النائب العام فعل ذلك وهو يعتقد بأنه يحق له قانونا للقيام بذلك.
  
د في ظل تلك الظروف لا يمكن أن يقال أن المدعي العام إرتكب تقصيراً متعمداً أو انه بسلوكه هذا أبدى عصياناً .

من المستحسن أن يحيل النائب العام الأمر وفقا لأحكام المادة 79 (2) من الدستور الناميبي إلى المحكمة العليا للحصول على قراريكون ملزما لجميع الأطراف

قام النائب العام بتحويل المسألة المحكمة العليا حيث طلب منها أن تقرر بموجب دستور ناميبيا في  العلاقة الدستورية بين النائب العام والمدعي العام وما إذا ما كان من سلطة النائب العام أن:

1-                       يوجه المدعي العام ببدء الإجراءات الجنائية أو بأن يرفض القيام بها أو أن ينهيها

2-                       يوجهه بأن يأخذ أو لا يأخد إجراء بعينه في ممارسته لسلطة الإتهام

3-                       يطلب أن يطلعه المدعي العام على كل الإجراءات الإتهامية التي يأخذها أو يصدد أن يأخذها والتي قد تكون موضع إهتمام من الرأي العام.

وقد وجدت المحكمة العليا أن تعيين النائب العام هو تعيين سياسي والمهام التي يقوم بها تنفيذية في حين أن المدعي العام يتم تعيينه على أساس مهني بحيث يتطلب الدستور أن يكون مؤهلاً للظهور في كل المحاكم. وعليه فإن المحكمة العليا رأت أن الإجابة على 1و2 يجب أن تكون بالنفي وعلى 3 بالإيجاب

سلطة التحري

كان حكم المادة 11 من المشروع والتي تذكر “تختص النيابة العامة دون غيرها بممارسة سلطة التحري” مثار إستنكار من قيادات الشرطة في ورشه العمل التي قدمت بها وزارة العدل مشروع القانون، ورأوا في ذلك إفتئات على دور الشرطة. لا أعتقد أن المشروع قصد سلب الشرطة دورها في التحري، فقد أورد ذلك الدور في الفقرة (1) من المادة (17)، ولكنه قصد أن تكون التحريات التي تجريها الشرطة تحت إشراف النيابة، وهذا أمر لايجب أن يكون محل خلاف. التحري هو رصد البينات المتعلقة بالجريمة وهو يشمل إجراءات يتم بموجبها التدخل في حريات الشخص، وخصوصيته، لمجرد الإشتباه بصلته بجريمة ما، لذلك فلابد وأن تشرف النيابة عليه.  يتطلب التحري في أغلب الأحوال القبض على الأشخاص وتفتيشهم إخضاع شخص المشتبه فيه لإختبارات، وفحوصات جسدية، وعقلية،وتوجب الحقوق الدستورية للخاضعين لها، أن تنفذها الشرطة بموجب أوامر بواسطة النيابة، وهذا يحتم أن تتم التحريات بإشرافها. وتعض إجراءات التحري نفسها تشمل معرفة فنية في الأغلب تتوفر للشرطة ولا تتوفر لوكيل النيابة مثل قص الأثر ومقارنة الخطوط وغيرها من الإجراءات التي تتطلب إكتساب خبرة مهنية معينة، والتي يلزم أن تباشرها الشرطة. عموماً فإن المشروع لا يتطلب أن تباشر النيابة التحري ولكن يتطلب فقط أن تشرف عليها، لأنها  وكيلة عن المجتمع في منع الجريمة، وتقديم المتهم بإرتكابها للمحاكمة، وفي كفالة الحقوق الدستورية للمتهمين والمشتبه في إرتكابهم الفعل.

أخطاء غير أساسية

المشروع كأي عمل بشري لا يخلو من أخطاء، يضيق المجال عن إيرادها، ولكنها أخطاء غير أساسية، ويسهل علاجها لعل أهمها أنه على ضوء المعيار الذي إتخذه المشروع بقصر إختصاصات النائب العام على الدعوى الجنائية، يبدو النص على منصب المدعي العام ومنحه إختصاصات في صلب القانون، هي من حيث طبيعة الأشياء، من إختصاصت النائب العام، أمراً مربكاً، ودعوة لتنازع في الإختصاص، بخلق منصب لا توجد له حاجة عملية. و كان الأوجب الإكتفاء بمساعدي النائب العام وأن يترك تحديد مهامهم للنائب العام.

وأخيراً، حسناً فعل المشروع حين أبعد منصب النائب العام عن السلطة التنفيذية، والإعتبارات السياسية، ولكن كان الأولى أن يترك له جميع إختصاصاته كمستشار قانوني للدولة، بدلاً عن حصرها في الدعوى الجنائية.