بابكر فيصل بابكر مقدمة :قلتُ في مقالٍ سابق لي بعنوان "حراك السودان السياسي : دعوهُ فإنه مأمور"  أنَّ  هنالك تسوية سياسية تلوح في الأفق سيكون من شأنها إحداث تحولات كبيرة في المشهد السياسي السوداني.

ولكنها بالطبع لن تؤدي لتحقيق طموحات أطراف في المعارضة تأملُ في الإطاحة بالنظام الحاكم، وهى كذلك ربما تخلط أوراقاً كثيرة تقود لخلق تحالفات وظهور قوى جديدة في الساحة.

جاءت تلك الخلاصة نتيجة لقراءة مواقف أطراف الأزمة السودانية ممثلة في الحكومة والمعارضة بشقيها السياسي والعسكري إضافة للمُجتمع الدولي, وقد طرأت مواقف مُختلفة طيلة الشهور الماضية أدَّت لتأخير وقوع تلك التسوية, ولكن تطوراتٍ أخيرة ظهرت في مواقف أطراف الأزمة المخُتلفة ضاعفت من إحتمالات حدوث تلك التسوية في الأشهر القليلة القادمة.

الموقف الحكومي :

أدَّى إصرار الحكومة على إقامة الإنتخابات العامة في شهر أبريل الماضي إلى نتيجة مُخيِّبة لآمال الحزب الحاكم , حيث ظهر بوضوح عزوف الجماهير عن التصويت, وفشل حزب المؤتمر الوطني حتى في تأمين أصوات عضويته التي ظل يُباهي بأنها فاقت العشرة ملايين شخص, وهو الأمر الذي دفع بالرئيس البشير ولأول مرَّة في إجتماع مجلس الشورى للتحذير من خطورة الأوضاع الحزبية والخوف من تحوُّل المؤتمر الوطني لحزب “سلطة” شأنه شأن “الإتحاد الإشتراكي” المايوي.

نفس النتيجة المُخيبة للآمال التي أسفرت عنها الإنتخابات تبَّدت في “مؤتمر الحوار الوطني” الذي أنطلق في العاشر من أكتوبر الماضي, حيث قاطعتهُ قوى المعارضة الرئيسية, السياسية والعسكرية, وبدى جلياً أنَّ الحزب الحاكم إختار أن يحاور نفسه بدلاً من محاورة الأطراف ذات الصلة الحقيقية بالأزمة السودانية.

كذلك لم يحدث أي إختراق في ملف الإقتصاد الذي بات بمثابة “كعب أخيل” النظام الحاكم, حيث إستمر إرتفاع أسعار السلع والخدمات بصورة جنونية, وتدهورت مستويات المعيشة, وإنخفضت الدخول و تصاعد سعر صرف الدولار حتى كسر حاجز العشرة جنيهات, مما أدى لزيادة معدلات الفقر, وإرتفاع نسبة الهجرة في أوساط جميع الطبقات بصورة غير مسبوقة.

وعلى الرغم من التحوُّل اللافت الذي وقع في سياسة السودان الإقليمية بإنضمام الحكومة لمحور “السعودية – مصر” وتخليها عن حليفها السابق إيران, وهو التحول الذي كان دافعه الأساسي تراجع الأوضاع الإقتصادية الداخلية إلا أنَّ العائد لم يكن مُجزياً حتى الآن, حيث عزفت دول الخليج العربي عن تقديم الدعومات المالية المباشرة واكتفت بالتعهد بالدخول في شراكات إستثمارية في مجال الزراعة.

أدركت الحكومة بعد سنوات متطاولة الأثر السلبي العميق الذي أحدثته العقوبات التجارية والإقتصادية الأمريكية على الإقتصاد السوداني, وأنه لا يمكنها علاج الأزمة الإقتصادية في ظل إستمرار الحصار, وهذا هو الأمر الذي بات يُردده الوزراء و كبار المسؤولين الحكوميين بكثرة في جميع المحافل الإقليمية و الدولية وكان آخرها إجتماع الأمم المتحدة للتنمية المستدامة بنيويورك, والقمة الهندية الافريقية بنيودلهي.

قد أثبتت التجربة أنَّ التهديد الأكبر لبقاء وإستمرار النظام الحاكم لا يتمثل في المعارضة السياسية, ولكنه يأتي من تدهور الوضع الإقتصادي, وإرتفاع تكاليف المعيشة, وهو الأمر الذي إتضح بجلاء في تظاهرات سبتمبر 2013 التي أعقبت قرارات رفع الدعم عن المحروقات والسلع الغذائية.

صحيح أنَّ الحكومة حققت إنتصارات عسكرية كبيرة على الحركات المتمردة في دارفور, وتمكنت من محاصرتها عبر قطع خطوط الإسناد والإمداد من تشاد وجنوب السودان, ولكن الصحيح أيضاً أنَّ الحركة الشعبية لتحرير السودان, وهى الحركة ذات الوزن العسكري والسياسي الأكبر ما زالت تحتفظ بمواقعها في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.

حزب الأمة

نجح الإمام الصادق المهدي بعد خروجه من السودان في أعقاب أزمة إعتقاله في خلق تحالفات عريضة مع الحركات المسلحة التي تنضوي تحت مظلة الجبهة الثورية وكذلك مع قوى الإجماع الوطني, عبر توقيع مواثيق وإعلانات باريس ونداء السودان وبرلين.

الملمح الرئيس الذي لا تخطئه العين هو تمكُن الإمام من جعل موضوع “الحوار” خياراً أساسياُ, بل يكاد أن يكون الخيار المُقدَّم للمعارضة المسلحة, إضافة لتوسيع منابر التفاوض بحيث لا تنحصر مع حملة السلاح, وقد بذل في ذلك مساع كبيرة شملت الإتحاد الإفريقي والمانيا وفرنسا وغيرها من الدول المؤثرة في الشأن السوداني.

يتميَّز موقف زعيم حزب الأمة, بغض النظر عن الإتفاق أو الإختلاف معه, بوضوح الرؤية لموضوع الحوار حيث ظل يُمثل بالنسبة له خياراً إستراتيجياَ, كما أنه إبتعد على الدوام عن مساندة الخيار العسكري و محاولة إسقاط النظام بالقوة, وظل يُحذِّر من مآلات الأوضاع في حال وقوع مواجهة عنيفة شاملة بين النظام الحاكم والمعارضة.

هذا الموقف منحهُ ثقة أطراف عديدة داخل الحكومة وحزب المؤتمر الوطني, بحيث أنها ظلت تتعاطى معه بصورة إيجابية تختلف عن بقية مكونات المعارضة, وإذا أضيف ذلك للرصيد الذي تحقق في علاقاته مع  الحركات المسلحة فإنَّ الإمام المهدي وحزبه يصبح رمَّانة الميزان في أية تسوية قادمة.

الإجماع الوطني

وهو مظلة المعارضة السياسية بالداخل, وبتعبير أدق فهو الكيان الذي يُعبِّر عن قوى اليسار السوداني وعلى رأسها الحزب الشيوعي إلى جانب بعض القوى الأخرى التي بدأت تتخذ لها موضعاً في الخارطة السياسية  مثل حزب المؤتمر السوداني, إضافة لعدد من الفصائل الإتحادية.

وعلى الرغم من توقيع قوى الإجماع على ميثاق “نداء السودان” مع الجبهة الثورية وحزب الأمة, إلأ أنَّ هناك تبايناً كبيراً في مواقف مكوناته الحزبية تجاه قضية الحوار المطروح عبر منبر أديس أبابا, إذ أن بعضها يرفض الحوار بصورة قاطعة ويدعو للإنتفاضة الشعبية للإطاحة بالنظام مثل حزب البعث الأصل, بينما البعض الآخر يطالب بتحقيق بعض الشروط من أجل الدخول في الحوار مثل الحزب الشيوعي, بينما هناك من هو أقرب لموقف الجبهة الثورية وحزب الأمة مثل حزب المؤتمر السوداني ورئيسه إبراهيم الشيخ.

الجانب الحكومي لا يأبهُ كثيراً بموقف قوى الإجماع من الحوار إذ أنَّها لا تشكل له هاجساً يمكن أن يُعيق عملية التسوية القادمة, ولذا فهو لن يمانع في تجاوزها, وهذا ما بدا جلياً من خلال موقفه من الإجتماع التحضيري للحوار والمزمع عقده في أديس أبابا , حيث أصرَّ على رفض مشاركة أية حزب له تمثيل داخل السودان في ذلك الإجتماع سوى حزب الأمة.

ويعتقدُ كاتب هذه السُّطور أنَّ الأيام والشهور القليلة القادمة ستكون حاسمة بخصوص إستمرار تحالف قوى الإجماع بشكله الراهن, حيث يتوقع أن تختار بعض فصائله الإنضمام لركب الجبهة الثورية وحزب الأمة في عملية الحوار القادمة, بينما ستتشبث بالتحالف بعض الأحزاب اليسارية بإعتباره المظلة المعبرة عنها سياسياً.

الجبهة الثورية

شهدت الأيام الأخيرة موجة عاصفة من الخلافات بين الحركات المسلحة المكونة للجبهة الثورية, حيث تكتلت حركات دارفور الثلاث ( العدل والمساواة, تحرير السودان/عبد الواحد, تحرير السودان/مناوي) في جانب, بينما إختارت الحركة الشعبية لتحرير السودان الوقوف في جانب آخر.

وعلى الرغم من أنَّ الخلاف إنصبَّ ظاهرياُ حول منصب “رئاسة” الجبهة, إلا أنَّ هناك أسباباً أخرى أساسية وقفت وراءه, من أهمها  موقف حركة التحرير بقيادة عبد الواحد محمد نور المتناقض جذرياً مع المواقف المعلنة للجبهة من موضوع الحوار, حيث ظلَّ على الدوام يخرج على قرارات الجبهة و يدعو لإسقاط النظام عبر تكامل خياري الإنتفاضة والعمل المسلح.

كذلك فإنَّ الحركة الشعبية إستشعرت ضعف الأوضاع العسكرية والسياسية لحركات دارفور, إضافة لتمايز قضيتها عن قضايا المنطقتين, وهو الأمر الذي ظلَّ يطرق عليه حلفاء الحركة الإقليميين والدوليين في موازاة إصرار الحكومة على عدم التفاوض حول قضية دارفور إلا عبر منبر الدوحة.

يُعزِّز ذلك القول أنَّ القرار الأممي رقم 2046 الذي قام على أساسه منبر التفاوض في أديس أبابا كان مقتصراً على المنطقتين ( جنوب كردفان والنيل الأزرق), وبالتالي فإنَّ الحركة وبما تمتلكه من ثقل ميداني وسياسي مدعوم بقرارات أممية تعتبر نفسها الكيان الرئيسي المعني بالتفاوض, وإنها إنما قامت بإلحاق الآخرين من أجل توسيع مظلة الحل لمشاكل السودان.

إلا أنَّ ذلك لن يمنعها من التخلى عن حلفائها في دارفور إذا أصبح وجودهم ضمن تحالف مُوحَّد يُهدِّد عملية التفاوض برُّمتها ويؤدي لأن تدخل الحركة في مواجهة غير مرغوبة مع حلفائها الإقليميين والدوليين.

كذلك فإنَّ هنالك حديثاً جدياً عن مطالب متنامية وضغوط مكثفة من قبل أبناء جبال النوبة الذين يشكلون العمود الفقري للحركة الشعبية من أجل التوصل لتسوية لقضية المنطقتين, خصوصاً وأنهم ظلوا يُحاربون الحكومة المركزية لعقود متطاولة من الزمن دفعوا فيها أثمان باهظة من دماء و أرواح أبنائهم ومن الدمار الذي لحق بمناطقهم و توقف مسيرة التنمية فيها.

الحركة الشعبية كذلك لا تثق في مواقف بعض الحركات الدارفورية المسلحة, وعلى وجه الخصوص حركة العدل والمساواة بزعامة الدكتور جبريل إبراهيم, حيث أنها تعتقد بوجود قواسم مشتركة كثيرة بينها وبين النظام الحاكم, وبأنه من الممكن أن تتقارب مع الحكومة في أية وقت مثلما حدث مؤخراً مع عرَّاب النظام السابق الدكتور الترابي وحزبه.

وربما كان من المفيد في هذا الإطار النظر لورشة العمل التي عقدتها الحركة الشعبية مؤخراً في مدينة أروشا التنزانية للبحث في مستقبل المنطقتين ( جنوب كردفان والنيل الأزرق ), وهو ما قد يُشير إلى أنَّها تتحسَّب لوقوع أية تطورات من شأنها أن تفصل موقفها عن مواقف حلفائها في الجبهة الثورية.

أعلن قادة الجبهة الثورية المتنازعين على مقعد الرئاسة لدى مخاطبتهم الإحتفال الذي نظمه حزب الأمة بذكرى أكتوبر أنهم قد إتفقوا على تجاوز خلافاتهم التنظيمية, وجددوا تمسكهم بوحدة التحالف, ولكن هذا الأمر يصعبُ التاكيد عليه خصوصاً في ظل وجود كافة المعطيات التي ذكرناها ومع إقتراب موعد التفاوض الذي سينطلق منتصف هذا الشهر.

وبالتالي فإنهُ في ظل وجود هذا الإنقسام الحاد الذي قسَّم التحالف الثوري عملياً لكيانين, ستواجه مشاركة الجبهة في الإجتماع التمهيدي للحوار باديس أبابا مشكلة حقيقية في تنسيق المواقف من أجل الدخول بأجندة موحدة و مشتركة مثلما حدث في الجولات السابقة, وهو الأمر الذي إن لم يتم تداركه سيضعف موقفها, وربما يُحدث إختلافاً يؤدي لإبتعاد أحد أطرافها من عملية الحوار برُّمتها.

المجتمع الدولي (أمريكا)

عمدت أطراف المجتمع الدولي المرتبطة بالشأن السوداني إلى إرسال رسالة واضحة للحكومة بخصوص  مؤتمر الحوار الوطني, حيث قاطعت جميع الدول والمنظمات الإقليمية الفاعلة في الأزمة السودانية بما في ذلك الإتحاد الإفريقي والإتحاد الاوروبي والترويكا الحوار وواصلت دعوتها  للحكومة السودانية بضرورة الإنخراط في حوار جاد مع الأطراف ذات الصلة الحقيقية بالحروب الدائرة في جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور.

تلك هى الرسالة الأمريكية التي عاد بها وزير الخارجية إبراهيم غندور من واشنطون في أعقاب لقائه مع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري, وهى نفس الرسالة التي أشاعها كيري في لقائه بطلاب جامعة هارفارد حيث أبدى إستعداد بلاده للعمل مع الحكومة السودانية شريطة أن يلتمسوا جديتها في السعي لإبجاد حل للأزمة السودانية.

قال كيري بوضوح شديد : (  نحن مستعدون للعمل أكثر لإبعاد الخرطوم عن حافة الهاوية، ولكني أقول لكم في النهاية أنه في بعض الأحيان، لا تجدي النوايا الحسنة، والجهود المبذولة، ان كنت تتعامل مع اناس غير مستعدين لاتخاذ الخيارات الصحيحة، وحينها سيكون عليك التراجع وبذل جهدك في مكان مناسب ).

الرسالة الأمريكية, وهى بالطبع تمثل بقية الأطراف الدولية المرتبطة بالأزمة السودانية, كان لها مفعولٌ سريع في أوساط الدوائر التي تصنع القرار الحكومي , حيث أنها أحدثت تحولاً في الموقف الحكومي الرسمي الرافض للمؤتمر التحضيري.

وقام الرئيس البشير على إثر ذلك بتوجيه آلية الحوار المعروفة ب 7+7 بالإستعداد للقاء أطراف اتفاق أديس أبابا الموقع في سبتمبر 2014، وهو ما عنى عملياً الجلوس مع حزب الأمة والجبهة الثورية، وهي القوى التي تم التوصل معها لإتفاق مبادئ حول الحوار السوداني وعرفت إصطلاحاً بمجموعة (إعلان باريس).

بعدها طار غندور لمقابلة ثابو أمبيكي الذي كان قد إستعصم بجوهانسبيرج في إنتظار إنقضاء مهلة الثلاثة أشهر التي منحها للأطراف المتنازعة قبل إرجاع ملف القضية لمجلس الأمن, وأبلغه بموافقة الحكومة على عقد المؤتمر التحضيري.

ربما يكون من المفيد في هذا الإطار التذكير بأنَّ المواقف المعلنة والعملية لجميع الأطراف الدولية, وعلى رأسها أمريكا, لا تستهدف إسقاط النظام السوداني بالقوة, بل تنادي بضرورة إحداث تسوية سياسية غايتها الأولى والأساسية هى إيقاف الحرب.

وكالعادة فإنَّ أمريكا لا تكتفي بإظهار حسن النوايا والوعود بالتعاون مع الحكومة السودانية, ولكنها تواصل في ممارسة الضغوط على طريقتها الخاصة, ففي الوقت الذي أرسلت فيه رسالتها التي تطالب الحكومة بالإنخراط في الحوار مع القوى التي تحاربها أتبعتها بقرار تجديد قانون “الطوارىء الوطني” تجاه السودان.

هذا القانون كان قد صدر بأمر تنفيذي للرئيس بيل كلنتون في العام 1997 , وتم تجديده في العام 2006 أبان رئاسة جورج بوش الإبن, ويتعلق بإتخاذ خطوات للتعامل مع التهديد “غير العادي” و “الإستثنائي” الذي تشكله أفعال وسياسات الحكومة السودانية للأمن القومي الأمريكي.

وقد قام الرئيس أوباما الأسبوع الماضي بتجديد هذا القانون لمدة عام, مشيراً إلى أنَّ التمديد يتضمَّن توسيع نطاق القانون كي يشمل تجميد ممتلكات بعض المسؤولين السودانيين المتورطين في النزاع في دارفور.

أطراف الحوار وعقباته

يُظهر الحديث أعلاهُ أنَّ أطراف الأزمة السودانية, حكومة ومعارضة, تعيش أزمات عميقة, وتعاني من ضغوط كبيرة ومشاكل جمَّة, مما حدا بها للإستنجاد بمظلة الحوار الوطني بإعتباره الحل الأنسب للأزمة.

كذلك فإنَّ المُجتمع الدولي المُمسك بكثير من خيوط المشكلة السودانية لم يعُد يتحدث عن خيار إسقاط النظام الحاكم بقوة السلاح أو الإنتفاضة الشعبية, بل رمى بكل ثقله من أجل إحداث تسوية سياسية تكون الأولوية فيها لإيقاف الحروب المشتعلة في دارفور وجنوب كردفان و النيل الأزرق.

وعلى الرغم من حالة الإنهاك التي تسم طرفي النزاع إلا أنَّ توازن القوى بلا شك يميل لصالح النظام الحكام لأسباب  بائنة يقف في مقدمتها السيطرة المطلقة على بيروقراطية الدولة بدواوينها المدنية وأجهزتها الأمنية, إضافة لتحكمه في موارد الإقتصاد ومؤسسات المُجتمع المختلفة لأكثر من ربع قرن.

والحال هكذا فإنَّ هناك صعوبات كبيرة تواجه عملية الحوار, وتحتاج لتقديم تنازلات مهمة, خصوصاً فيما يتعلق بعملية التفاوض بين الحكومة والحركات المسلحة و التي ستسبق الحوار المصغر الذي دعت له الوساطة.

فعلى الرغم من إبداء الطرف الحكومي الموافقة على الجلوس مع حملة السلاح كلٌ على حدة إلا أنَّ سجل تفاوضها مع الحركة الشعبية في المرَّات السابقة كان على الدوام يصطدم بالعقبة الرئيسية المتمثلة في إصرارها على حصر النقاش في قضايا المنطقتين, وعدم فتح ملف دارفور الذي تقول أنه لن يتم إلا من خلال منبر الدوحة.

كذلك فإنَّ التوصل لإتفاق وقف إطلاق نار في المنطقتين يمثل عقبة أخرى كأداء, حيث تطالب الحكومة بوقف دائم, وهو أمرٌ يتضمَّن نزع سلاح الحركة الشعبية, بينما تصرُّ الأخيرة على أنَّ الوقف الدائم لإطلاق النار يجب أن يعقب إجراء المشورة الشعبية, وبالتالي فإنَّ إختراقاُ مطلوباً لتجاوز هذا الأمر.

وإذا حدث إختراق إيجابي في هذه القضايا, فسيتحتم على الفرقاء بعد ذلك الإتفاق على قضايا الحوار وأجندته وقواعده, وهى أمور في درجة عالية من التعقيد نسبة لبعد الشقة في المواقف بين الحكومة والمعارضة.

التسوية القادمة

وبرغم هذه الصعوبات إلا أنَّ هناك العديد من المؤشرات التي تؤكد أنَّ تسوية ما تلوح في الأفق, أطرافها الرئيسية تتمثل في الحكومة ومن يقف في صفها , وحزب الأمة والحركة الشعبية وبعض الأحزاب المعارضة الأخرى في قوى الإجماع.

هذه المؤشرات تتمثل في الموقف الحكومي الذي لا يُعطي أهمية كبرى للتفاوض مع قوى الإجماع وحركات دارفور المسلحة, بإعتبار تأثيرها الضعيف على المشهد السياسي والعسكري في البلاد, خصوصاُ بعد الإنتصارات العسكرية التي تحققت في دارفور مؤخراً.

كذلك فإنَّ الخلافات الحادة التي أصابت الجبهة الثورية مقروءاة مع الضغوط الكبيرة التي تواجهها الحركة الشعبية من قبل قواعدها ومن المجتمع الدولي, قد تؤدي لإنفصام في مواقف مكونات التحالف الثوري, وربما إختارت الحركة الشعبية, كما فعلت من قبل مع التجمع الوطني الديموقراطي في إتفاق نيفاشا, التخلي عن الحل الشامل الذي تدعو له.

ويبرز حزب الأمة من ناحية أخرى كأكبر حزب يمثل المعارضة السياسية المدنية, وقد إرتضى المشاركة في الحوار التمهيدي المُصغر دون أن يتمسك بمشاركة حلفائه في “نداء السودان” ممثلين في قوى الإجماع.

أمَّا المُجتمع الدولي وإن كان يُفضِّل حلاً تشارك فيه الحركات المتمردة في دارفور, إلا أنه لن يرفض أية تسوية تؤدي إلى وقف الحرب في جنوب كردفان والنيل الأزرق ومشاركة طيف واسع من المعارضة في عملية الإنتقال القادمة, وهو موقف شبيه بما حدث في إتفاق “نيفاشا” حيث منحت الأولوية لإحلال السلام في جنوب السودان رغم إستعار الحرب في دارفور.

إذا صدق تحليلنا هذا فإن هناك “تسوية” سياسية تلوح في الأفق سيكون من شأنها إحداث تحولات كبيرة في المشهد السياسي السوداني، ولكنها بالطبع لن تؤدي لتحقيق طموحات أطراف في المعارضة تأملُ في الإطاحة بالنظام الحاكم، وهى كذلك ربما تخلط أوراقاً كثيرة تقود لخلق تحالفات وظهور قوى جديدة في الساحة.