ياسر عرمان "50" عاماً على إغتياله مالكوم أكس نكهة الستينيات وعطرها: " إن اللون وحده غير كافي لإلغاء علاقات الإستغلال فكم من أسود اضطهد السود أكثر من البيض أنفسهم، وكم من أبيض ناضل ضد الكوابح السياسية والإقتصادية والثقافية ودعى لإنصاف الجميع"

الى سيدي ومولاي الحاج مالك السيباز

مالكوم أكس الأوجه المتعددة:-

لمالكوم أكس أوجه متعددة ومنها جميعا أشرقت شمسه من عالم المخدرات والسجن وإستطاع أن يحول الكارثة الى منفعة، قرأ ودرس ومن نصف متعلم خرج من السجن معلم ومن أعظم المتحدثين باللغة الإنجليزية، بل إن خطاباته ولقاءاته حفرت مجرى رئيسي للخطاب السياسي الأمريكي المعاصر المتشبع برائحة الستينيات وبحركة الحقوق المدنية، ورغم محاولات الإعلام المؤسسي تجاهله ومحاصرته وإستغلال هفواته لسد طريقه وهو يخوض معركة مزدوجة في تحدي السلطات وإيلاجا محمد زعيم أمة الإسلام على نحو باهر، وتعرف مع مرور الوقت على حقائق المجتمع الأمريكي والعالم الخارجي وفي نهايات حياته لامس جذور القضايا الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والثقافية وإقترب من اليسار الأمريكي ومن مجلة (المنصلي رفيو) كما أقترب من تيارات البان أفريكان وألتقى بقادتها في إفريقيا، كما إلتقى  بقادة من الحركات الإسلامية الحديثة وبدء يمد الجسور نحو حركات البيض المؤمنة بالعدالة الإجتماعية والسياسية مما عجل بإغتياله، ومن ضمن من إلتقى بهم عبدالرحمن عزام ومحمد الفيصل وزار عددا من البلدان الإفريقية من بينها السودان وإندمج في حركة الحقوق المدنية في أوج عظمتها وأصبح واحدا من زعماءها ومتحدثيها المفوهين، وأثار قضايا لا تنتمي لدين بعينه، كقضايا الديمقراطية الإثنية والمساواة بين الأعراق. وكاد أن يدلف الي بوابة قضايا العدالة الإجتماعية ويفتح صفحة جديدة في نضاله المتصاعد، وحبي لمالكوم أكس يبلغ قمته عند الصفحة التي لم يكتبها مالكوم أكس بعد لا عند الصفحة التي كتبها، وعند منحنى الرصاصات التي أطلقت عليه كان على أعتاب مرحلة جديدة في نضاله ومع ذلك يظل بازخاً فيما أنجزه وما كاد أن ينجزه.

وسيدي ومولاي الحاج مالك الشيباز كان مع أمة الإسلام ولم يكن منهم، فهو مختلف رائحته كفاحية وتصويبه دقيق وإستقامته لا تخطئها العين وقد كاد أن يتوصل الي تفاهمات وتحالف مع آخرين  من الباحثين عن التغيير في خاتمة حياته وحينها كان ذهنه متوهجاً وبدء سريعاً في التوصل الى جذور الإضطهاد الإثني وأعماقه الإقتصادية الإجتماعية وضرورة تغيير علاقات الإستغلال نفسها للوصول لمعادلة سياسية ثقافية جديدة. إن اللون وحده غير كافي لإلغاء علاقات الإستغلال فكم من أسوداً حقاً إضطهد السود أكثر من البيض أنفسهم، وكم من إنسان أبيض ناضل ضد الكوابح السياسية والإقتصادية الثقافية ودعى لإنصاف الجميع،  إن مالكوم أكس غير موجود اليوم وتغيرت الوجوه في البيت الأبيض وظلت أحداث فرغسون بارزة النتوءات تستدعي أحاديث سيدي ومولاي الحاج مالك الشيباز، وحينما غاب مالكوم أكس عن المسرح أو غيب عنه كان وجهه أشد نضجاً ووسامة من كل أوجهه المتعددة السابقة، إن وجهه الأخير صلاحيته لا تنتهي.

رغم تباعد الزمن بيننا وبين الستينيات الساحرة ولكن لا يزال عطر الستينيات ينداح برائحته النفاذة من أمواج الإحتجاجات التي شملت كآفة المدن العظيمة، من نيويورك الي لندن وباريس ومدن إفريقيا وأسيا وأمريكا اللأتينية وجمال صور الطلاب الفرنسيين وحركة الطلبة في كوريا الجنوبية وصور فرقة الخنافس ومانديلا شامخاً في محاكمة روفانا، والظهور الكبير للنساء السودانيات في ثورة أكتوبر 1964م ودخول الزعيمة فاطمة أحمد إبراهيم البرلمان وهي تؤدي القسم وحيدة جنباً الي جنب مع الرجال، والعم كلمنت أمبورو يؤدي القسم وزيراً للداخلية كأول جنوبي تحمله رياح أكتوبر الى وزارات السيادة، والأب فيبلب عباس غبوش متسائلاً عن جدوى المواطنة في ظل دستور إسلامي ولا زال سؤاله قائماً. إن عطور الستينيات حملت في قلبها صور مالكوم أكس ومارتن لوثر كينغ وأستوكلي كارمايكل الذي قال عنه القس جيسي جاكسون عبارته الأنيقة وهو يقوم بزيارته في فراش الموت في غانا بعد أن هجر الولايات المتحدة الأمريكية وإستقر هناك وهو صاحب بصمات واضحة في أمواج الستينيات المتلاطمة لحركة الحقوق المدنية، قال جيسي جاكسون عن إستوكلي (هو واحداً من أبناء جيلنا الذين عقدوا العزم ووهبوا حياتهم لتغيير أمريكا وإفريقيا لقد كان ملتزماً بإنهاء التمييز العنصري في بلادنا، وقد ساهم في هدم حائطه الي الأسفل).

إستمتعت بالحديث مع الدكتور جون قرنق عن الستينيات وعن أيام تنزانيا وقرنيل وعهود الصبى ونظرت في عين الستينيات آفاقاً وأسراراً ومعنى، وقرنق مبيور مثقف مطبوع ومفكراً قادماً من قلب السيتينيات عطراً ورائحة ودم.  

كان مالكوم أكس إنسانا عظيم التأثير على الآخرين وإستطاع أن يجذب كثيرين الي حركة الحقوق المدنية ولكن يظل تأثيره على الرجل الفراشة محمد علي كلاي هو الأهم والأكثر تاريخية وبعد رحيل مالكوم أكس ظل محمد علي كلاي محتفظاً بذلك التأثير رفض المشاركة في حرب فيتنام واضحى أهم البهارات في حملة مقاطعتها، ورفض عرض دان كنغ متعهد مباريات الملاكمة الأسود للذهاب الي جنوب إفريقيا النظام العنصري رغم ترغيب وترهيب ومكائد ومكر دان كنغ، لقد كان مالكوم أكس بالغ التاثير على محمد علي كلاي بالرغم من أن إلايجا محمد كان ضد تلك العلاقة، وظل كلاي وفياً لها بعد إغتيال مالكوم أكس الذي ظلت ذكراه تلاحق الظلم في الحل والترحال. وقد نازل محمد علي كلاي حكومة الولايات المتحدة الأمريكية ذات الوزن الثقيل ورفض الذهاب الي فيتنام وتمت مصادرة جوازه ومنع من السفر للخارج وأوقف عن الملاكمة رغم محاولات إلايجا محمد لإثناءه عن ذلك، وإيلاجا الذي لا يفرق بين الدين والمال والحماقات وقد تدخل مراراً لقطع العلاقة بين مالكوم أكس ومحمد علي كلاي، وحينما حكم على محمد علي كلاي بالسجن لمدة خمسة سنوات قال عبارته المشهورة (ليست لدي حرب مع الفيتى كونغ سوف أكون يوماً ما أريد، كنت في السجن لمدة 400 عام ولا أمانع خمسة سنوات آخرى) تعليقاً على الحكم عليه بخمسة سنوات سجن لرفضه المشاركة في حرب فيتنام، وقد كانت تلك عبارة من عبارات الحرية، وقالت زوجة محمد على عن دان كنغ الذي أخذ عشرة مليون دولار من مبوتو سيكسيكو لنقل مباراة محمد على وجورج فورمان الي زائير وكان يتاجر مع المؤسسات بالملاكمين السود قالت عنه (إن دان كنغ يتحدث كأسود ويعيش كأبيض)، إن روح الحاج مالك الشيباز أو مالكوم أكس كانت بينة في مواقف محمد علي، وستعود من جديد في طموحات الشباب القادمين.

إن مالكوم أكس لم يمت في نيويورك فمازالت روحه طليقة وأفكاره حرة تجوب عالمنا ولا تنتمي الي أي لون، بل تنتمي الي بحث الإنسان الدائم عن العدالة والمساواة والحرية للجميع، وعن الإنسجام والمجتمع الجديد.

قبل أكثر من عام كتبت مكتوبي هذا الي سيدي ومولاي مالك الشيباز وطلبت من عزيزنا منعم الجاك طباعة تلك القصيدة وإحتفظت بها بعيداً عن ظلال أحداث فرغسون التي أعادت إنتاج مواجع قضايا حركة الحقوق المدنية وفي قلبها مالكوم أكس الذي عادة ما يطل عقب كل نسيان، فالحياة تبتسم له حياً وميتاً فبالأمس إلتقى بالكاتب الرائع ألكس هيلي الذي كتب سيرته الذاتية ومرة آخرى أعاده الي الحياة لي دانيالز ودينزل واشنطن في فلمهما الشهير عن مالكوم أكس، وقد ورد من بعض المصادر إن الذي قام بالصلاة على جنازة مالكوم أكس سوداني، وفي ذلك قصة جديرة بأن تروى.

إن ديمقراطية الثقافة بما في ذلك إعادة النظر في كتابة تاريخنا المشترك وعلى نحو شامل لمجتمعنا والإنتماء الي كل حقب تاريخنا التي شكلت الشخصية السودانية وبناء الوحدة في التنوع، ويأتي الإهتمام بقضايا الفقراء والمهمشين في قلب التحالف الجديد، تحالف يرد الإعتبار للقضايا التي تغافلها القوميون من القوميات المضطهدة الذين يركزون على القضايا الإثنية وتمظهرها الثقافي ويتجاهلون على نحو قاتل الجذور الإقتصادية والإجتماعية للإضطهاد القومي، وكذلك يرد هذا التحالف الإعتبار لتغافل ذوي العيون الطبقية ومحدودية منظارهم الذي يقلل من الإضطهاد القومي والتهميش الإثني الثقافي ويعتبره ملحق من ملاحق القضايا الطبقية، والتقدم نحو إيجاد تحالف يجمع كل هذه القضايا ويناضل بكفاحية لتحقيق دولة المواطنة بلاتمييز والعدالة الإجتماعية والديمقراطية السياسية والثقافية التي تعترف بحق الآخرين وحقهم في أن يكونوا آخرين وترد الإعتبار لتاريخنا المشترك ومخاطبة قضايا العنصرية المؤسسية وإرث تجارة الرقيق وتصميم مناهج تعليمية جديدة تستند لكآفة هذه القيم وتحقق الإنصاف الجندري.

حكى دكتور جون قرنق إنه حينما ذهب الي كلية (فورت بني) للمشاه في ولاية أطلنطيا جورجيا بالولايات المتحدة وكان حينها نقيب مستوعب من قوات الأنانيا الأولى بالقوات المسلحة السودانية وذهب بمعية الرائد سعود أحمد حسون، وفي اليوم الأول في الكلية كان يوماً تعريفياً وجاء الضابط العظيم في الكلية وخاطب طابور الضباط المتدربين من كل القارات وبدأ في توزيعهم وأعطى لكل مجموعة دليل يقودها للتنوير والتعريف بكلية (فورت بني) وبدأ التوزيع بالقارات والمناطق الجغرافية فتم النداء على طلاب أوروبا وأمريكا اللأتينية وأسيا والشرق الأوسط وهكذا، وحينما تمت المناداة عل الطلاب الأفارقة نبه النقيب قرنق الرائد سعود بأنهم يجب أن يذهبوا مع الأفارقة وللمفارقة فإن الرائد سعود أحمد حسون يأتي من أقصى شمال السودان، وبما إنه هو الأقدم عسكرياً فهو صاحب القرار، فقال لقرنق يجب أن ننتظر لأنه كان يؤمن بإن السودان جزء من العالم العربي وليس إفريقيا، والمفأجاة كانت إن لا يوجد طلاب من العالم العربي والذين وجدوا ذهبوا مع طلاب الشرق الأوسط، وتم توزيع جميع القارات وبقي طالبان لاينتميان الي أي قارة هما الرائد سعود أحمد حسون والنقيب جون قرنق دي مبيور، فسأل الضابط العظيم، من أي قارة أنتم لقد إنتهت جميع القارات؟ فذكروا له إنهم من السودان، فقال لهم أين السودان أليس هو جزء من إفريقيا! وتم طلب الضابط المسئول من الطلاب الإفارقة مرة آخرى وكان هو العقيد بيتر أدوم كاي من دولة نيجيريا  الذي أصبح يسخر من سعود وقرنق ويقول إفريقيا في هذا الإتجاه والسودان في الإتجاه الآخر. حتى دعاه جون قرنق الي وليمة تمت فيها المصالحة بين سعود وقرنق وبيتر أدوم كاي الذي أصبح لاحقاً عضواً في إحدى مجالس الثورات في إنقلابات الجيش النيجيري المتعددة، وكان جون قرنق يحكي هذه القصة بحق للتدليل على أزمة الهوية في السودان. السودان الذي يقع في ظل المطر فلم يرضى به العرب ولم يرضى هو بالأفارقة وهي إحدى القضايا التي تحتاج لمعالجة بأن نكون سودانيين أولاً قبل أن نكون شماليين أو جنوبيين عرب أو أفارقة مسلمين أو مسيحيين، فلننتمي إلى أنفسنا قبل أن نتأهل للإنتماء للعالم العربي أو إفريقيا وبإمكاننا أن ننتمي لهما معا وللإنسانية ولايمكن ذلك الا بالإنتماء الى أنفسنا أولاً ففاقد الشئ لا يعطيه.

حدثني عزيزنا عبدالغني إدريس إن السوداني الذي صلى على جنازة مالكوم أكس هو الشيخ أحمد حسون والد الرائد سعود أحمد حسون وياله من حادث صدفي محض، فحينما ذهب مالكوم أكس الي الحج طلب من الملك السعودي الراحل  فيصل بن عبدالعزيز أن يعطيه عالم ليعلمه الإسلام السني فأختير الشيخ أحمد حسون الذي ذهب الي الولايات المتحدة مع مالكوم أكس وكان يجيد اللغة الإنجليزية وصلى على مالكوم أكس بعد إغتياله، روى ذلك اللواء الراحل سعود أحمد حسون لعبدالغني إدريس، بعد أن تم فصله من القوات المسلحة من قبل إنقلاب الإنقاذ وشرد وهاجر الي الأمارات، إن الحياة مليئة بالمصادفات وبالمفارقات وقد جاء ذلك في صياغ أحاديث عديدة مع عبدالغني إدريس عن زملاءه الراحلين ممن ذهبوا الي الجنوب ولاسيما الأخوين سيد ويوسف وعلي عبدالفتاح والدكتور محمود شريف الذين طالما توقفت عند شجاعتهما وإحتفظت ببعد المسافة عن الرؤية التي دفعتهم في ذاك الطريق.

إن القوميين في مناطق الهامش الذين يتغافلون عن عمد أو بمحدودية التفكير قضايا العدالة الإجتماعية والمحاسبة والشفافية ولايشركون الجماهير في صياغة المستقبل الجديد وينصبون من أنفسهم وكلاء لها في الأرض وهم بذلك إنما يسعون لإحلال وإبدال سطحي في المؤسسات الفوقية للسلطة ويسعون لوراثة علاقات الإستغلال القديمة دون تغيير في محتواها بل مجرد إحلال وإبدال شكلي للوجوه والأسماء في أكبر عملية تضليل لإعادة إنتاج النظم القديمة، إن القوى الديمقراطية والإجتماعية الجديدة التي تتغافل قضايا الإضطهاد القومي وقضايا المواطنة بلا تمييز ولا تتصدى بحسم لبناء الوحدة في التنوع ستفشل كذلك في الإقتراب من جماهير ذات دور حاسم في التغيير وتحكم على نفسها في الجلوس على مقاعد الفرجة السياسية بعيداً عن الفعل السياسي الحاسم والرصين لاسيما وإن سودان اليوم ليس هو سودان الستينيات الذي لعب فيه القطاع الحديث والطبقة الوسطى دوراً حاسماً ولقد تناقص دور القطاع الحديث وتأكلت الطبقة الوسطى وإنهار الريف وتريفت المدينة وأحتلت القضايا الإثنية والثقافية وقضايا المواطنة دوراً جديداً وحاسماً في النضال من أجل التغيير. إن الحفاظ على وحدة السودان على أسس جديدة هي من أولويات هذا التحالف الجديد وعلينا أن نهتم وأن نعكس في برنامج هذا التحالف التنوع التاريخي والمعاصر لبلادنا، ولقد سبق أن قلت في مقابلة صحفية وأشرت في مقالة سابقة لإنفصال الجنوب، إن الإنتقاص من تاريخ بلادنا سيقود للإنتقاص من جغرافيتها وهو ما حدث بالفعل في حالة جنوب السودان.