رشا عوض إن مشهد الشاب الصغير الذي رأيناه يعذب بتلك الوحشية في مقطع فيديو تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي من مشاهد الخزي والعار التي لا يمكن أن يمررها مجتمع يحترم نفسه 

دونما رد فعل قوي ومدوي يثبت عزلة وشذوذ من ارتكب هذه الجريمة، وما لم يتم ذلك فكلنا مذنبون وشركاء في هذه الفظاعة بالتواطؤ بالصمت!

فما دام الفيديو انتشر على نطاق واسع، وتناقلت خبره الصحف، ورأينا رأي العين صبيا في مقتبل العمر يضرب ويهان وتكشف عورته لإدخال الشطة في مؤخرته وهو يصرخ ويستجدي الجلادين  المنحطين فاقدي الإنسانية ومعطوبي الضمير بأن يتركوه دون جدوى، وسمعنا بوفاته بعد ذلك، ولا ندري هل مات متأثرا بجراح الجسد ام بجراح الكرامة وكسر النفس أم بهما معا!

بعد كل ذلك  لم يعد من عذر للتخاذل عن غسل هذا العار! غسله من قبل الشعب السوداني بالتعبير العلني، وبشتى الوسائل عن إدانة هذه الجريمة البشعة، إدانة تتجاوز توصيف حالة الصدمة والغثيان والحزن والغضب التي لا شك أصابت كل الأسوياء بعد مشاهدتهم أو سماعهم بهذه الجريمة، إلى مواجهة صارمة لعيوبنا كمجتمع سوداني وكدولة سودانية! تلك العيوب التي جعلت جريمة كهذه تمر مرور الكرام!

كل المجتمعات الإنسانية، على اختلاف مستويات تحضرها، لا تخلو بشكل مطلق من المصابين  بالتعفنات الأخلاقية التي تجعلهم يستبيحون أجساد الضعفاء ويتلذذون بإذلالهم وتعذيبهم، ولكن الحد الفاصل بين المجتمع الفاضل والمجتمع الرذيل، هو مدى الصرامة والحسم في التعامل مع هؤلاء المنحطين، فالمجتمع الفاضل يكون الرأي العام الغالب فيه رافضا وبحسم لمثل هذه الجرائم مستنكرا لها، ووقوع أي منها يستفزه ويغضبه، ليس فقط على مستوى من يمثلون “ضمير المجتمع” من مثقفين وحقوقيين وإعلاميين وفنانين وسياسيين، بل على مستوى عامة الناس، وبالتالي فإن اكتشاف جريمة تعذيب شخص حتى الموت أو اغتصاب طفل او طفلة أو المجاهرة بالاضطهاد العنصري لمجموعة من الناس..الخ هذه الانتهاكات، يتسبب في ردود فعل استنكارية تلقائية كأنما وقوعها هو إساءة مباشرة للمجتمع ككل، وتتحول هذه الردود إلى عواصف مزلزلة إذا كان مرتكب الجريمة شرطي أو ضابط في الجيش أو صاحب منصب سياسي استغل نفوذه في ارتكاب الجريمة أو التستر عليها.   

وهنا لا بد ان نتساءل كسودانيين، ما السبب في البرود الذي نواجه به أبشع وأقسى الجرائم التي ترتكب في حق بني جلدتنا وعلى أرض الوطن الذي نتشاركه جميعا؟! ابتداء من جرائم الحرب في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق مرورا بالجرائم المخزية التي ترتكبها القوات النظامية في حق المواطنين في قلب الخرطوم وعلى رأسها التعذيب في أقسام الشرطة ومكاتب الأمن وانتهاء بالعنف اللئيم الذي يصل درجة القتل تحت التعذيب الذي يمارسه بعض أفراد المجتمع ضد لصوص المنازل؟!

خلال أسبوع واحد، جريمتان من العيار الثقيل: شرطي يقذف بطفلة رضيعة في النيل عقابا لامها التي فرت من ملاحقته لها مع أخريات وآخرين من بائعي الخمور البلدية، لتكون حصيلة المجزرة أربعة ماتوا غرقا وخامستهم الطفلة!

وشاب فقير بالكاد يكون بلغ العشرين، يموت تحت التعذيب عقابا على الشروع في سرقة! في مشهد يجب ان يذكرنا بجريمة أكثر بشاعة ارتكبت العام الماضي في حق المواطن عطا المنان حسن عبد الله، راعي المواشي، الذي قتل تحت التعذيب الوحشي بقسم شرطة تميد النافعاب لأن أشقاء نافع علي نافع (البلال وعبد الرحمن) اتهماه بسرقة مواشي!! فاستخدما نفوذهما في جهاز الامن وحرضا على تعذيب عطا المنان وثمانية من المتهمين، لانتزاع اعترافات بالسرقة المزعومة! فتم التعذيب بوسائل وحشية حيث ورد في تقرير الطب الشرعي الخاص بالمرحوم عطا المنان(الاظافر منزوعة … واصابة في الرأس ونزيف داخلي بالمخ … ونزيف في البطن ادى الى نزيف حوالى ٤ لتر من الدم … ونزيف في الخصية يقدر بحوالي ٣٠٠ مل من الدم)!

والسبب في خروج هذه الفضيحة المزدوجة(التعذيب تحت بصر الحكومة واستغلال النفوذ السياسي) هو تناحر العصابة الحاكمة فيما بينها وانقسامها على نفسها حول انصبتها من دم ولحم الشعب السوداني! فهذا الانقسام هو الذي سمح في الآونة الأخيرة بفتح ثقوب في غطاء بالوعة الإنقاذ مما أدى لظهور قضية أحد أطرافها أشقاء نافع في الصحف الصادرة في الخرطوم! ووصولها إلى المحكمة! كما أدى لتسرب بعض ملفات الفساد!

باختصار أدى اختلاف اللصوص حول المسروق إلى ظهور رأس جبل “العفن الإنقاذي” المدفون في تلك البالوعة!

في سياق الإجابة على سؤالنا المركزي في هذه المقالة حول حالة اللامبالاة في الشارع السوداني إزاء ما انكشف أمامنا من جرائم التعذيب والقتل لأبرياء، لا بد من التوقف عند عدة حقائق:

أولا: الجدية في استنهاض المجتمع السوداني وعلاجه من أمراض التخلف المزمنة وعلى رأسها ضعف الحساسية تجاه حقوق الإنسان بشكل مخجل تقتضي نقد كثير من المفاهيم والممارسات الشعبية بصرامة، وفي هذا الإطار لا بد من التعرية الأخلاقية للعرف السائد اجتماعيا في التعامل مع اللصوص، وهو استباحة ضربهم ضربا مبرحا والتشفي الجماعي فيهم قبل تسليمهم للشرطة، واحيانا قتلهم والالقاء بهم في النيل! اعتقادا بأن هذه القسوة سوف تردع اللصوص وتحمي الأحياء السكنية من السرقات، وهذا الرهان على العنف في منع الجريمة يجعل المجتمع، او على الأقل جزء منه متماهيا مع النظام الإسلاموي الاستبدادي في أن العقاب القاسي هو الوسيلة الأمثل لتطهير المجتمع من الجريمة! ولهذا السبب صفق كثيرون من عامة الناس لقوانين سبتمبر ظنا بأن الجلد والصلب والقطع من خلاف سيجعل الذئب ينام مع الغنم في سلام!

إن أكبر دليل على أن استئصال الجريمة يكون بالتدابير الاقتصادية والتنموية والاجتماعية والثقافية المتكاملة في خطة لتطوير المجتمع هو أن أعلى معدلات الجريمة يوجد في المجتمعات الفقيرة التي تعاني من اختلال التوازن والفوارق والمفارقات الاجتماعية، رغم أنف العنف المجتمعي تجاه المجرمين ورغم انف التعذيب في سلخانات الشرطة والأمن!ورغم قساوة السجون!  بينما أدنى معدلات الجريمة عالميا في الدول الاسكندنافية حيث لا عقوبة إعدام في القانون وحيث السجون مثل الفنادق!

إذا أدرك المجتمع ذلك سوف يعلم ان معركته ليست مع اللصوص بل مع الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أنتجتهم! وحينها سوف يصوب غضبه في اتجاه تغيير تلك الأوضاع  بدلا من تصويب السياط والعصي و”الشطة” إلى أجساد ضحاياها.

ثانيا: لا شك في ان “الإنقاذ” مثلت عصر انحطاط سوداني شامل، والقتل والتعذيب والاغتصاب في عهدها لم يشهده السودان في تاريخه الحديث، ولكن اختزال جريمة التعذيب الأخيرة للشاب المتهم بالسرقة في أنها دليل على نجاح الإنقاذ في إعادة صياغة الإنسان السوداني، غير صحيح، وفيه تغافل عن علل كامنة في السودانيين، فالعنف المفرط في التعامل مع اللصوص وتصالح المجتمع معه وعدم الاحتجاج الجدي على من يمارسه، سلوكيات سابقة للإنقاذ! وهنا أجد نفسي متفقة مع مقولة الاستاذ عبد الله بولا في سياق مختلف” الغول لم يهبط من السماء”، ولذلك أكرر هنا ما قلته في مقالة سابقة” لكي ننجح في هزيمة الإنقاذ، فلا بد كخطوة أولى، أن نتقيأ “الإنقاذ التي في دواخلنا”، أي الأفكار العنصرية والإقصائية وما يرتبط بها من عنف مادي ومعنوي”.

ثالثا: كثيرون فسروا ما تعرض له الشاب الضحية من تعذيب تفسيرا عنصريا باعتباره ينحدر من المناطق المهمشة على أساس عرقي، ولهذا السبب بالذات تتضاعف المسؤولية على من يمثلون”ضمير المجتمع” في إدانة ما حدث، واتخاذ خطوات قانونية لمحاكمة الجناة(رغم فساد نظام العدالة الإنقاذي)، كما يجب اتخاذ خطوات عملية في مواساة أسرة الضحية وتعويضها ماديا ومعنويا بمبادرة شعبية تساهم فيها شخصيات تمثل التنوع السوداني شمالا وشرقا وغربا وجنوبا، ففي حالات الاحتقان الاجتماعي يجب أن ترتفع الحساسية تجاه أي جريمة ترتكب في حق من يعانون التهميش والتمييز العنصري، ولكن يجب الحذر من الانغماس في المفاصلات العرقية بصورة تحجب رؤية “العدو الأكبر” للسودانيين على اختلاف أعراقهم وانتماءاتهم وهو “نظام الاستبداد والفساد”، ولا عن التخلف الاجتماعي ومترتباته من ثقافة عنف.

رابعا: عندما يكون التعذيب مسلكا حكوميا وبصورة منهجية،  وعندما ترفض الحكومة المصادقة على اتفاقية مناهضة التعذيب، وعندما تمارس أبشع صور التعذيب بأيدي القوات النظامية كما تم في حالة المرحوم عطا المنان، سيكون من السذاجة انتظار تحقيق العدالة للشاب القتيل وغيره من الضحايا، وإلى ان يحدث تغيير شامل ويصبح لدينا “نظام عدلي موثوق” قوامه الكفاءة والنزاهة والشفافية،  من واجب القوى الحية في المجتمع السوداني ان تتصدى بنفسها لتضميد هذا الجرح، عبر الاحتجاج المنظم على الجريمة بالوسائل السلمية، السعي لمعرفة أسرة الضحية ودعمها ماديا ومعنويا.  

rashahe71@hotmail.com