د. فيصل عوض حسن في صورةٍ من أبشع صور الذُل والهوان والانكسار، نَاشَدَ البشير السعودية للـ(تدخُّل) والـ(توسُّط) لدى مصر بشأن مُثلَّث حلايب المُحْتَلْ منذ 1995، مُؤكداً بـ(استحياء) على (سودانية) حلايب وعدم التنازُل عنها، مُعرباً عن أمله في التوصُّل إلى (تسويةٍ) وصفها بالـ(سَلْمية) مع المصريين.

وما أنْ انتهى هذا التصريح الـ(مَهين) إلا وتَعَالَتْ أصوات (أزلام) البشير وإعلامه المأجور، تمشياً مع انكسارته الـ(مُخْجِلَة) هذه، بحَجَّة الرد والتعقيب على تطاوُلات الإعلام المصري، وتجاوُزاته ضد البشير (بصفةٍ خاصَّة) والسودان بنحوٍ عام! ولمزيدٍ من (إلهاء) الرأي العام السوداني، رَكَّزَتْ تلك الأصوات على ما وصفوه باستفزازت الإعلام المصري، وتَغَاضوا – عَمْداً – عن مسئولية (البشير) المُباشرة في ما حدث بحلايب (وغيرها) وما كان عليه القيام به، ومن بين تلك الأصوات من وصف مصر الـ(مُحتلَّة) لأراضي السودان بـ(الخط الأحمر) الذي لا يجب المساس به!

ثمَّة العديد من الأسئلة تطرح نفسها إزاء هذه الدراما الإسلاموية، لعلَّ أبرزها لماذا لم يُسارع البشير لتحرير حلايب كما سارع لاستعادة شرعية اليمن طالما ادَّعى (هو) ووزير دفاعه جاهزية قواتهم وطائراتهم (بطيَّار أو بدونه)؟ وهل الأوْلَى بالاهتمام سيادة البلد وكرامتها وهيبتها أم اليمن التي عَرَضوا إرسال المزيد من قواتهم إليها؟! متى يُدرك البشير عدم جدوى الحلول الانهزامية الموصوفة بالـ(سَلْمية) لإنهاء احتلال حلايب منذ 1995؟ ثم ألا يرى البشير تَمَدُّدْ المصريين جهة وادي حلفا والتهامهم للأراضي الواقعة شمال المُحافظة، بدءاً بـ(اشكيت)، وانتهاءً بـ(عُمُودِيات) الصحابة واشكيت ودبيرة وسره (شرق وغرب) وفرص (شرق وغرب) وثلاثة أرباع أرقين، حتَّى شارفوا شمال دارفور؟! إذا قال لا يدري مُشكلة، ولو كان دَارياً تُصبح مُصيبة! ولو سَلَّمْنَا بمبدأ الحلول الـ(سَلْميةِ)، فبدلاً عن (استجداء) السعودية، لماذا لم يفعل البشير كما فعل أمير الكويت الراحل جابر الصباح عقب اجتياح العراق لبلاده، والذي لم يستمر أكثر من خمسة أشهر، بدلاً عن بقاء المصريين بحلايب عشرين عاماً والتهامهم لغيرها من أراضي السودان؟ ثم عن أي (سَلْمية) يتحدث البشير ومصر وإعلامها لا يعترفون بالسودان من أساسه بما في ذلك (البشير نفسه)؟ ما الذي يمنع البشير وعصابته من تصعيد القضية دولياً وإقليمياً عبر الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية ومحكمة العدل ومجلس الأمن الدوليين ومُلاحقة المصريين لاسترداد أراضينا المُحتلَّة؟! مع مُلاحظة أنَّ هناك ثلاثة رُؤساء تُنَاوَبوا على حُكْم مصر خلال فترة الاحتلال! ثم لماذا صَمَتَتْ آلة المُتأسلمين الإعلامية عن تجاوُزات مصر بحق السودان وأهله؟ ألا يستحق الاحتلال المصري (بعضاً) من أوصاف الإعلام الإسلاموي التي أطلقها على أبناء السودان الشرفاء إبان سبتمبر 2013؟ ألا يستحي أولئك الـ(أزلام) من وصف حلايب بالمنطقة غير الاستراتيجية وغير المُهمَّة؟ ولماذا لم يتعلَّموا العزَّة والكرامة من مصر التي اعتبروها (خطاً أحمر) لا يجب المساس به؟ وهي (أي مصر) تحرص و(تُصِر) على استرجاع طابا بالجهود الـ(سَلْمية)! مع الفارق بين (طابا) التي لا تتعدَّى بضع كيلومترات، وبين مُثلَّث حلايب الثري بأهله وموقعه الجُغرافي المُميَّز وخيراته التي لا يُنكرها إلا جاهل أو خائن لوطنه وأهله، بخلاف الأراضي التي التهمها المصريون حول وادي حلفا، ولرُبَّما يرون حلفا وما حولها (غير استراتيجية) ويستحقرونها كما فعلوا مع حلايب؟!

المُؤلم في الأمر، (اعتراض) الناطق باسم مشايخ حلايب وأبورماد على (استجداء) البشير للسعودية، وتأكيدات ذلك الناطق على انتماء أهالي المنطقة لمصر وارتباطهم بها، وهو أمرٌ حذَّرنا منه عقب زيارة البشير الـ(مُخزية) لمصر العام الماضي، و(بَهْدَلته) من قبل رئيسها (http://www.alrakoba.net/news-action-show-id-169743.htm). حيث أعقب تلك الزيارة تعتيمٌ إعلامي كبير، مع إجراءات مصرية مُريبة جداً، تمثَّلت بصفةٍ خاصة في توجيهات وزير التنمية المحلية لمُحافظ البحر الأحمر، بضرورة إيجاد حلول جذرية لمشاكل مُواطني حلايب وشلاتين، والـ(تعجيل) بمُعدَّلات التنمية، و(إشباع) احتياجات أعضاء الإدارة المحلية للمثلث، و(إظهار) اهتمام مصر باستقرار الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لأهالي المنطقة، بما يدعم روح الـ(إنتماء)! وذكرنا بالنص احتمالية (اتفاق) البشير مع المصريين على (إسراع) مصر بكسب وُد سُكَّان حلايب وتجميل صورتها الذهنية لديهم، عبر أنشطة وبرامج ظاهرية بسيطة وتضخيمها إعلامياً، والترويج لقادمٍ أكبر! مع تجاهلٍ سودانيٍ (مُتعمَّد) نظير الاهتمام المصري، حتَّى إذا (طَالَبَ) السودانيون بحلايب يقترحون (الاستفتاء) حلاً، رغم وجود الوثائق الداعمة لحق السودان في حلايب! وبالطبع فإنَّ نتيجة الاستفتاء ستكون لصالح مصر، وبذلك يصمُت السودانيين عقب إضفاء الـ(صيغة) الـ(قانونية) للوجود المصري وأحَقِّيته بالمنطقة!

واسْتَدَلَّيتُ في استنتاجي هذا، بصَمْت البشير وعصابته على إعلانات مصر وأفعالها الاستفزازية في المنطقة آنذاك، التي تمَّت بـ(ثقةٍ عالية) تنُم عن تخطيطٍ مُسبق ومتَّفقٌ عليه. ولعلَّ هذا ما يجري الآن تماماً، فالبشير وإنْ بدا حريصاً على سودانية حلايب، لم يَتِّبع (عن عَمْدْ) الأساليب التي تُؤكد هذا الحرص سواء كانت أساليباً (سَلْمية) أو غيرها، وإنَّما قَدَّم (استجداءً) مهيناً للسعودية يرجوها للـ(تدخُّل) والـ(توسُّط) لدى مصر، بينما أمامه الطرُق الـ(سَلْمية) الأخرى الـ(مُجرَّبة) والـ(فعَّالة) كحالة الكويت مع العراق، والتي لو استخدمها لأدْخَلَ مصر في عنق زجاجة، خاصَّة مع ما نحمله من وثائقٍ رسميةٍ دامغة، تُثبت سودانية حلايب. لكن البشير لم ولن يفعل هذا، فهو يخشى على نفسه من المصريين الذين يبتزُّونه لأسبابٍ يعلمها الجميع. وما يُؤكد هذا الاستنتاج، ليس فقط تصريحات الناطق باسم قبائل حلايب، وإنَّما التوغُّل المصري داخل الأراضي السودانية من جهة وادي حلفا كما ذكرنا أعلاه، حيث لم يتناولها البشير وعصابته (نهائياً)، وتجاهلوا تماماً هذا التجاوُز الصارخ على السيادة الوطنية السودانية! وبالنسبة للـ(أزلام) الذين حاولوا (إلهاء) السودانيين بقضايا انصرافية كالرد على أحد الإعلاميين المصريين، أو ربط الموضوع بسد النهضة وغيرها، نقول لهم لماذا (أغْفَلْتُم) مسئولية البشير وعصابته عن هذا الاحتلال؟ لماذا لم تسألوهم عن أسباب (صَمْتُهُم) طيلة هذه الفترة؟ وأين أنتم من حلفا وما جَاوَرَها من أراضي التهمتها مصر – ولا تزال – على مَسْمَعْ ومرأى منكم؟!

الحقيقة أنَّ جرائم البشير وعصابته في حق السودان أصبحت مُتلاحقة وبإيقاع أسرع من ذي قبل، وما من أسبوع يمضي دون كارثة أو مُصيبة، ويستهينون بأي شيئ بدءاً بالأرض وانتهاءً بالبشر والعرض، والأمثلة عديدة لا يسع المجال لحصرها ولا تحتاج لذكر. ولقد حرصنا على توضيح الوقائع المُخزية أعلاه (مُبكراً)، وها هي ذي الأيَّام تُثبت ما سُقناه بشأن اعتزام المُتأسلمين التخلي عن حلايب وغيرها نهائياً، وبصورةٍ تبدو (قانونية) ليُغلقوا الطريق أمام المُطالبة بها مُستقبلاً، في إطار مخططهم الرامي لتمزيق السودان (مُثلَّث حمدي)، بتكتيكاته المُختلفة. علينا كسودانيين تجاوُز (إلهاءات) الإعلام الإسلاموي المأجور، والتركيز على اقتلاع البشير كخُطوةٍ أولى و(حتمية) تبدأ منها مُعالجة كل مشاكل السودان، باعتباره هو (شخصياً) السبب الرئيسي لاحتلال هذه الأجزاء من السودان، وما يُمكن أن يُحتَلَّ مُستقبلاً كلما استمرَّ وجوده، تبعاً لاستغلال المُغامرين والطامعين (داخل وخارج) السودان لضعف البشير.

والدعوة مُوجَّهة لشرفاء السودان، لا سيما القانونيين، لعدم الانتظار حتَّى اكتمال الخيانة والمُؤامرة، والمُطالبة بتصعيد قضية كلٍ من حلايب ووادي حلفا وما جَاوَرَها دولياً وإقليمياً، استناداً للوثائق التي تثبت أحقية السودان بهذه المناطق! وبالتوازي مع هذا الاتجاه، أتطلَّع لمُشاركة الأقلام السودانية النزيهة دعماً للجهود الشعبية والقانونية، وتكثيف الكتابة حول هذه القضية باعتبارها سيادية وتتعلَّق باستقلالنا وعزَّتنا وكرامتنا..