عبد الوهاب الأنصاري ،، لاأظن إن حَجَب مثل هذه الرِسّالة، سَيجعل الدُنيا ضِياء.. بل سَيجعلها تعيِش في العّتمة.،، الواثق كمير لعقار في رسالة عام 2012 :   ،،ابتدار الحوار الحقيقى والمفتوح أمر حاسم لكى تتمكن الحركة الشعبية من التصدي للتحديات،،

الدكتور الواثِق كِميّر بيّن الأمّس واليّوم.. قِراءة فِيّ أوراق دفاتره، مَقالاته، ومُرآسلاتِه..

مُقدمة:

طّالعِ الكثِّير مِن النّاسِ مُؤخراً عدة مَقالات للدُكتور الواثِق كِمير نذكر منها “الكرة في ملعب الرئيس: تفَكك الدولة السُّودانية الخيار الأكثر ترجِيحا”، و”إلى قُوي التغّيير: هل نُعيد إختراع العجّلة؟”، و”إلى السّيد الرئيس: التالثه واقعة”، وأتبع ذّلك بِمَقالاتِهِ التَحليِلية الثّلاث؛ الأخيرة حول قضّايا التفَاوض وأزمّات الوطّن الناصِّبِات..

ورغم سّعيه الحثِيّث في أن يصُب هذا المجُهود لتملِيك جمّاهِير الحركة الشّعبية خاّصة، وقوى التغيِير عامّة، صّورة لواقِع الأزمة الوطنية بِكل أبعادها.. إلا أن الكثيرين لم يَثمِنُوا هذا الجُهد الإستثنائي الهّام الذي يشّحذ ويُطّوِر أفَكارنَا ، وخاضُوا في ذلك جدلِ التَنظِيم، ووحل التضّيِيق وضِيق صّدر النِقاش، ومن ثم جاّء فيما بين السُّطور مِن رُدُودِ الأفعّال؛ ما يُشّير الى أن الرجُل قد غيّر من مواقفِةِ وإختلف أُسُلوبه في التعاطِيِ مع قضّايا نَّذّر لها نفسّه وكان من صفّوِةِ من بشّروا بِمفاهِيمِها. فالقضِيةُ أكّبر، وأعمق، وأوغّل.

ولاأظن إن حَجَب مثل هذه الرِسّالة، أوإخَفائِها سَيجعل الدُنيا ضِياء.. بل العكّس تماماً سَيجعلها تعيِش في العّتمة و(الضّلمة) والخفاء.

في الواقع، نشّر، د.الواثِق كِميرالعديد من المقالاتِ الفكرية حول رؤية السُّودان الجديد وإستراتيِجِيات الحركة الشعبية، قبل إنعقاد المؤتمر القومي الثّاني للحركة في مايو 2008 و قد كان عُضواً فاعلاً في اللجنةِ القومِية التحَضيِرية للمُؤتمر، ونائب رئيس لجنة (المانيفستو)، التي ترأسها الأمين العام للحركة الرفيق باقان أموم حِينذَاك، كمّا خَاطب المُؤتمِرين في جلسّةِ (المانيفستو)

وفي أعقابِ المُؤتمر، و على خلفية ما خرّج به من نتائج، نَشّر الواثِق كِمير عدداً من المقالات منتقداً سِياسّات الحركة الشّعبِية، وذلك حتى قبل إستفتاء الجنوب وإنفصاله.. ففي ورقة بعنوان: “حوار مع النفس: الحركة الشعبية والعودة لِمنصة التأسيس”، صحيفة الأحداث، 20 ديسمبر 2009 شّدد فيها علي أن المؤتمر شّكل ” فُرصّة طَال إنتظارها وظلت قواعد الحركة، خاصة الوُحدويون من الشّمالييِن والجَنوبيِين، تهفُو إليها للمُشّاركة في حوارٍ جادٍ، وشّفافْ حوّل القضَايا المصِّيرِية المُرتبطة بِتَطور الحركة وإنتقالها من حركة مُسّلحة إلى حِزبٍ سِياسي جَماهِيري ديِمقراطي، يتولى قيادة التحولات الإقتصادية والإجتماعية والثقافية، وتحقيق وحدة البِلاد على أسُسٍ جديدة، في ظلِ ما يسُّود من شّعُور عام بالإحباط بسّبب الغُموض في موقف قيادة الحركة من وحدة السُّودان!.

لكن خاب ظن المؤتمرين في أجندة المُؤتمر ونتائجه.. فقد كان من المأمول أن يتيح المُؤتمر العّام الثاني للحركة الفُرصة للقِطاع الشِّماليِ وللشّماليين تمثيلاً حقيقياً في المؤسَّسات القيادية ومُشّاركة فاعِلة في صِياغة إستراتِيجِيَات وبرامج وسيِاسات الحركة، خاصة فيما يتصِل بالتوفِيق بين هدفي الوِحدة؛ وحق تقرير المصير. ولكن، تحول المُؤتمر إلى مُظّاهرةٍ سياسية، إذ لم تَتجاوز أعماله إجازة وثيقتي ( المانيفستو) والدسّتور، ولم يُحظ الشّمالِيون إلا بتمثيل بَاهِت في ظلِ هجمةٍ ملحوظةٍ ضد قطاع الشِّمال، فاستحق المؤتمر بِجَدارة وصّف “مُؤتمر الفُرصة المُهدرة”. ولم يُخيِّب القِطاع ظّن المناوئين له، فأخفقت قيادتهِ في الإستفادة من الفُرصة التي وفرتها الإنتخابات العامة في التسّلُح بأصوات الناخِبِين، طالما لم يتسنَّ للشماليين التسلُح بالذخائر الحيَّة، فأضحُوا خارج مؤسَّسات الدولة التشّريعِية والتنفِّيذية، مما أضعّف وضع القِطاع في مَنظُومة الحركة وحجم نفُوذه تماماً، فأصبح كـ “أعشاب النيل” يطّفُو على السّطح بدون جذور ضاربة“!

ولما كُنت ممن يُشركَهُم، دكتور الواثِق في حواراتِه القيِّمة ويسّتأنس بآرائهم (المتواضعه) في بعض ما يكتُبه فقد صاّدف أن عَرجّت معه إلى مَّنحنى تجربته مع الحركة الشّعبية من لدن (أمبو) الشّهيرة والتي، أرٌخت لدخُول أكاديميين كِبار ومجموعة ذات ثِقّل نوعي من المثقفين الوطنييِن من الشّمال في الحركة الشَعبية بقيادة دكتور قرنق دي مبيور.. و كان مِحور النقِاش ما أثاره شخصي الضعيف.. من سُّؤالٍ حول ما إذا كان الدكتور كِمير بالأمس هو نفسه اليّوم أم أن خِطابَه قد تَغيّر؟

وللإجابة على هذا السُّؤال.. أرسل لي هذه الرِسالة (التاريخية) والتي كان قد بعث بها الى الفريق مالك عقار رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان “المٌكلف” للمُقارنة مع كتاباته الآنية ليُثبِت لي إتسّاق خِطابه الذي ظل مُنسجِماً مع رُؤاه حول الكثّير من القضّايا التي تهم التنظيم والفِكر و تحديِات الوطن الشّائكة.. وعند إطّلاعي عليها وجدت فيها وثيقة ذات قيمة مضافة كالعهد بكتاباتهِ.. ليس فقط في أدب المُراسلّات والمذكرات فحسّب، بل تُخاطب الوثيقة قضّايا اليّوم في قراءتِها، للواقع الوطني بكل إشكالاته، وتَشَعُباتِه ولا غُرو.. فالرجل من العقول المُفكرة الكبيرة في الحركة الشّعبية لتحرير السُّودان ومشّروع السُّودان الجَدِيّد.. ففي تنَبُؤ فريد لمآلآت حقائق الواقع آنذاك، وما تُنذِر به من غُيومٍ مُلبدةٍ؛ إن لم يُثَّابِر القادة في التنظِيم لدرء تَبعاتِها.

المُقدمة أعلاه أرى أنها كانت ضّرُورية، لتّوثيق مُستّحق في حّقِ الرجل.. كان لا بد مِنه، رغم الإستِطالة التي أرى أنها مُهمة، حتي نتَفهم ونسّتوعب الخلفية المَعرِفية، والمِهنِية، والخِبرات، المُترّاكمة التي يتكيء عليها الكاتب.. ضِّف إلى ذلك المُنعطف الحّرِج الذي تَّمُر به البِلاد.

ودون تطويل آخر؛ هذه الوثيقة التارِيخِية،أبذلها هنا للنشَر بإذنٍ تكرم به علينا كاتِبها د.الواثِق كِمير.. حتى تُثرِي الفضاء الفكري المُتعطش للنِقَاش الجاد المؤدي إلى آفاق رحِيبة، فالرجل مهمُوم بقضّايا الوطن والتغيِير الحقِيقي وداعّية حصِّيف لفكرة السُّودان الجديد، فإليكم قُرائي الأعزاء نُسخة من المُذكرة الرِسّالة كامِّلة لأهميتها في هذا المُنعطف الحرج الذي تمر به بلادنا إذ أنّ نشّرها كوثِيقة يُمثل أهمية إستثانئية قُصّوى في تقًديِري.

عبدالوهاب الأنصاري بلجيكا، نوفمبر 2015

 

 

مدينة الكويت، 23 أبريل 2012

من: الواثق كمير

إلى: مالك عقار

 

Dear Chairman,

انه من المطمئن حقا أن نعلم أنك فى وضع آمن، وفي حالة جيدة، بعد العدوان الكثيف الذى تعرضت له قوات الجيش الشعبى فى معاقله بجنوب النيل الأزرق.

منذ آخر زيارة لي لكادقلي، والدمازين وباو، في أبريل 2011، ومنذ أن التقينا آخر مرة في جوبا في يونيو 2011، جرت الكثير من المياه تحت الجسر، وينعكس ذلك في التطورات التالية:

سردالأحداث

في ذلك الوقت، كان القتال قد اندلع بالفعل في جنوب كردفان في 5 يونيو 2011.

بتسيهل من قبل الآلية الأفريقية الرفيعة، تم إبرام الاتفاق الإطاري بين (حكومة السودان) والحركة الشعبية-شمال في أديس أبابا في 28 يونيو 2011، (الإتفاق الإطارى حول الشراكة السياسية، بين المؤتمر الوطنى والحركة الشعبية-شمال، والترتيبات السياسية والأمنية فى جنوب كردفان والنيل الأزرق) والذي هدف إلى التوصل إلى اتفاق على وقف الأعمال العدائية وتمهيد الطريق لترتيبات أمنية شاملة في المنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق) ، والترتيبات السياسية في المنطقتين، وعلى المستوى القومي.

ومع ذلك، رفض الرئيس البشير، من جانب واحد، الاتفاق مباشرة بعد الإعلان عنه. كما فشل لقاء بينك، كرئيس للحركة الشعبية-شمال وبين البشير، بترتيب من قبل رئيس الوزراء الإثيوبي بين، فى 21 اغسطس، كان يهدف إلى جمع الطرفين لبحث موضوع استئناف المحادثات. أثار هذا المأزق التوتر بين الطرفين وأسفر، فى نهاية المطاف، عن تكرار نفس مسار لأحداث في جنوب كردفان، ونقله إلى النيل الأزرق، إذ بدأ القتال في الدمازين في الأول من سبتمبر، والوصول إلى الكرمك في 4 نوفمبر 2011.

•    وجاء اجتماع القيادة الإنتقالية للحركة الشعبية-شمال في 20-21 يوليو 2011، ليخرج بستة قرارات، وعلى وجه الخصوص، تشكيل لجنة لصياغة الموقف النهائي للحركة الشعبية-شمال بشأن التعامل مع النظام الحاكم، على أن يتم الإعلان عن هذا الموقف في 21 أغسطس، في حين تشكيل لجنة دائمة للمفاوضات (بشرط أن تجرى خارج السودان وعن طريق طرف ثالث).

ومع ذلك، تم تشكيل الجبهة الثورية السودانية (SRF)، فى يوم الأحد 7 أغسطس، والإعلان عن تحالف (كاودا) بين الحركة الشعبية-شمال وفصيلين (مناوى وعبد الواحد) من حركة تحرير السودان من دارفور، بهدف معلن هو إسقاط النظام من خلال كل الوسائل المتاحة. وللمفارقة، فإن اللجنة المكلفة بمهمة تحديد موقف الحركة الشعبية-شمال، فيما يتعلق بالنظام الحاكم، لم تعقد أى إجتماع أبدا، في حين تم اتخاذكم لقرار إنشاء الجبهة الثورية، والمشاركة فيها، وأعلنتم القرار قبل أسبوعين من انقضاء الشهر، وهى الفترة الزمنية التي حددتها قيادة الحركة لإنجاز أعمال اللجنة.

في 11 نوفمبر 2011، انضمت حركة العدل والمساواة إلى الجبهة الثورية، ووقعت على إعلان كاودا، والتأكيد من جديد على عزم الجبهة إسقاط النظام عن طريق اللجوء إلى جميع الوسائل العسكرية والسياسية المتاحة.

وفي أثناء ذلك، وإلى الآن، لم تقطع الآلية الأفريقية رفيعة المستوى جهودها فى التواصل والتشاور مع الطرفين (الحكومة والحركة)، بغرض التوصل إلى تسوية سياسية للنزاع في المنطقتين.

ومع ذلك، فمن جهة أخرى، فقد استمر القتال والمواجهات العنيفة بلا هوادة في المنطقتين، مما ترتبت عليه آثار وعواقب بعيدة المدى، على رأسها:

  1. 1.            فقدان الأرواح والإعقات، مع أزمة إنسانية قاتمة ومؤلمة، وحالة مروعة لحقوق الإنسان، وتدمير البنية التحتية؛
  2. 2.            تهديد سبل عيش وحياة السكان على جانبي مناطق التمازج بين الشمال والجنوب؛

 

  1. 3.            إغلاق الحدود، والذى يستخدمه النظام فى وجه حكومة جنوب السودان، وتوقف تدفق المواد الغذائية والبضائع إلى الجنوب.

على الرغم من أنه تم تجنب وقوع حرب مفتوحة بين القوات المسلحة للدولتين، إلا أن الوضع يظل مضطربا، خصوصا وأن أنباء تفيد بهجمات عبر الحدود (على سبيل المثال جاو وهجليج) مما يسلط الضوء على المخاطر المصاحبة. وفى الواقع، لا السودان ولا جنوب السودان، ولا المجتمع الدولي – والذي في النهاية سيتكفل بأعباء معالجة آثار الحرب – يمكن أن يحتمل المزيد من تصعيد الصراع.

التأثير السلبى على قواعد الحركة الشعبية-شمال:

  1. 1.            قبل كل شيء، فإن الصراع المسلح الدائر في جنوب كردفان والنيل الأزرق، وما ترتب عليه من تطورات، قد خلق حالة مرتبكة ومربكة للكوادر والقاعدة الشعبية للحركة الشعبية-شمال (د. محمد يوسف أشركنا فى مذكرة من إعداده، فى 20 سبتمبر 2011، سلطت الضوء على مخاوف وهموم الأعضاء بشأن هذه المسألة).
  2. 2.            هذاالموقف يذكرنا بحيرة قواعد الحركة الشعبية، خلال الفترة التي سبقت الاستفتاء على تقرير مصير جنوب السودان، عندما وجدوا أنفسهم بلا حول ولا قوة، وشعرت بالحرج في الإجابة عن الأسئلة التي لا نهاية لها من قبل  كل من الأصدقاء والأعداء عن موقف الحركة بشأن قضايا الوحدة والانفصال، ومصير اثنين من المناطق الانتقالية.تدور في رأسهم العديد من الأسئلة تبحث عن إجابات، وتعوزهم الحيلة في التصدي لأسئلة الأصدقاء والأعداء، على حد سواء، والتي لا ينقطع سيلها حول مواضيع الوحدة والانفصال وتقرير المصير والاستفتاء.
  3. 3.            غياب قيادة الحركة الشعبية قطاع الشمال وانهيار قنوات الاتصال مع الكوادر والقواعد الشعبية، قد أدت إلى انغلاق عملية صنع القرار حول القضايا الأساسية وضيق مواعين التشاور. وعليه، اقتصرت العلاقة بين القيادة والعضوية فقط على اتجاه واحد يحكمه تدفق المعلومات من الأمين العام للحركة. وهكذا، تساءلت القواعد عن مدى جدوى قرار الأمين العام، فضلا عن الأمانة العامة لقطاع الشمال، إلى هجر مسئولياتهم السياسية والتنظيمية، دون ترتيب أو تدبير والانضمام إلى المقاومة المسلحة.
  4. 4.            ظلت هياكل الحركة الشعبية-شمال، المقترحة من قبل القيادة الإنتقالية، في فبراير 2011، إما معطلة أو لم يتم تشكيلها أيضا. فلم يتم تشكيل لجنة الدستور والتنظيم. إضافة، إلى أنه لم يبت فى مصير الهياكل القائمة حتى فبراير 2012، عندما قررت القيادة، فى اجتماعها العاشر، حل جميع المؤسسات الانتقالية، فيما عدا مجلس التحرير القومي (المنتخب) ومواقع الرئيس ونائب الرئيس والأمين العام. كما تضمنت القرارات أيضا:

1 . تشكيل مجلس قيادة جديد من 19 عضوا (تمت تسمية 7 أعضاء، على أن يكمل التشكيل لاحقا)

2.  إنشاء أمانة (لم تحدد عضويتها بعد)

 

3.  توسيع تمثيل الحركة بالخارج إلى جانب المكاتب الموجودة (وعددها 11) في أفريقيا، أمريكا الشمالية، وأوروبا، والشرق الأوسط. كما كلف الاجتماع الأمانة العامة بمهمة الإشراف على انتخابات فروع الحركة الشعبية فى الخارج، في حين تم تفويض الرئيس لمتابعة أعمال لجنة الرؤية والبرنامج والموافقة على المانيفستو الجديد، من خلال “المؤسسات”. ومع ذلك، تظل هذه القرارات مثيرة للجدل، وتطرح تساؤلات أكثر مما تقدم إجابات، من ناحية الملاءمة والمعقولية والجدوى.

5 . وهكذا، تعطلت عملية صياغة الرؤية والبرنامج الإطارى، في حين أن غياب الهياكل التنظيظية أعاق مناقشة واعتماد مسودة المانيفستو المنتجة، في حين أن القيادة الإنتقالية لم تقترح أى آلية بديلة عملية لهذه العملية.

6. على الرغم من أن نقاشات ومداولات لجنة الرؤية والبرنامج أتاحت لنا فرصة للتواصل مع أنصار الحركة، والجماعات القريبة من الحركة فكريا، ومجموعة واسعة من القوى السياسية، إلا أن العملية السياسية برمتها لا تزال متجمدة، مع افتقادنا لبرنامج إطارى معتمد من قبل أي مؤسسة فى الحركة ليرفد الإستراتيجية السيا سية وسياسات الانفتاح على الآخرين، وتشكيل التحالفات.

 

7 . كانت النتيجة النهائية لكل هذه التطورات، إلى جانب غياب القيادة وعدم وجود رؤية واضحة، هو تفكك الحركة الشعبية-شمال، وتفرق سبلها، إلى عدد من الفصائل على أسس عرقية/إقليمية تتنافس على السعى للإعتراف بها والتسجيل كأحزاب سياسية.

8 . من ناحية أخرى، لم تفلح اتفاقية السلام الشامل، سواءً في التنفيذ أو التصميم، في معالجة كافية لتحديات وأسباب الصراع في جبال النوبة، والأنقسنا، فضلاً عن سكان المناطق المُهمَّشة الأخرى في السُّودان، خاصة دارفور. هذا هو السبب الرئيسي وراء عودة العنف والتهديد بحرب أهلية جديدة، وربما صراع دولي بين السُّودان وجنوب السُّودان. إن كلا شريكي الاتفاقية يتحمَّلان المسئوليَّة عن هذه النتيجة المخيِّبة للآمال، ولو بدرجاتٍ متفاوتة.

9 . فوفقاً لشروط اتفاق الترتيبات الأمنيَّة، تمَّ تعريف الجيش الشعبي، بشكل لا لبس فيه، ككلٍ لا يتجزأ يتبع إلى جنوب السُّودان، بدون تحديد هوية وأصل المقاتلين، أي ما إذا كانوا ينحدرون من ولاية جنوب كردفان أو النيل الأزرق. في الواقع، المادة (20-2) من مرفق (1)، وقف إطلاق النار الدائم والترتيبات الأمنية ووسائل التنفيذ والملاحق، تقرأ: «إذا أتت نتيجة الاستفتاء لصالح انفصال الجنوب عن الشمال، يتعيَّن حلِّ الوحدات المشتركة/المُدمجة (JIUS) بعودة كل وحدة إلى قواتها المسلحة الأم لتمهيد الطريق لتشكيل قوات مسلحة منفصلة للدولتين اللتين سوف تتشكلان». لذا، كان الاتفاق صامتاً تماماً، وخلا من أي إشارة إلى مصير الآلاف من مقاتلي المنطقتين خارج الوحدات المشتركة المدمجة والمتمركزة مع وحداتهم الأم بالجيش الشعبي في جنوب السُّودان. في ضوء تفسيرات الشريكين المتعارضة لمعنى ومضمون مفهوم “المشورة الشعبيَّة” وغموض العملية السياسيَّة التي ينطوي عليها، كان ممَّا لا شكَّ فيه أن الانفصال المتوقع للجنوب سوف يُعجِّل بانفجار الأوضاع في المنطقتين.

10 . ومع ذلك، تمَّ إغفال وتجاهل دعواتنا المستمرَّة لقيادة الحركة الشعبية لعقد مجلس التحرير القومى، وضرورة حوار جاد وصريح حول هذه القضايا قبل حلول الاستفتاء. فقد تم الإعتقاد، خطأ، من قبل البعض فى قيادة الحركة الشعبية أن عقد اجتماع المجلس قد يقود إلى الانقسام داخل صفوف الحركة بسبب الانقسام في الرأي حول الانفصال بين الشماليين والجنوبيين. ولكن، خلافا لهذا الفهم، لم نقصد بضرورة عقد الإجتماع، بأي حال من الأحوال، الوقوف ضد خيار ابناء الجنوب للانفصال، ولكن للمناقشة الصريحة لكيفية الإعداد للتعامل مع التفجر المتوقع للأوضاع في جنوب كردفان و النيل الأزرق في ضوء إتفاق الترتيبات الأمنية المتعثر وغموض عملية المشورة الشعبية.

11 . ومن المسلم به على نطاق واسع أنه تم فرض الحرب على الحركة الشعبية-شمال في المنطقتين. فالقتال للدفاع عن النفس قد يصعب تفاديه، كما أن الإستسلام ليس بخيار خارج إتفاق الترتيبات الأمنية التى حددتها إتفاقية السلام بسقوفها الزمنية. وفي حين لا يشكك أحد في أن الظلم والتهميش يبرر ويضفي الشرعية على اللجوء إلى الكفاح المسلح، فإن الحرب مكلفة ماديا وبشريا وليست بفعل للتبجح أو الإستعراض. وهذا بدوره، يدعو القيادة للتأمل النقدى وتقييم كل هذه التطورات، وكذلك توسيع المشاركة في عملية صنع القرار. وهكذا، فقد أضحى ابتدار الحوار الحقيقى والمفتوح أمرا حاسما لكى تتمكن الحركة الشعبية من التصدي للتحديات المتعددة والشاقة التى تواجها حاليا.