نبيل أديب " من يخالف القانون الذي يعتقد أنه قانون ظالم، ويقبل عن طيب خاطر عقوبة السجن من أجل أن ينبه ضمير المجتمع لما في ذلك القانون من ظلم، يعبرفي الواقع عن أعلى درجة من درجات إحترام القانون" مارتن لوثر كينغ

تنتظم البلاد هذه الأيام حركة قوية تدعو لإصلاح القوانين السائدة. ومعقولية القانون، والتي تفتقدها عدد من التشريعات التي صدرت أخيراً، توفر معياراً هاماً لذلك الإصلاح أردت بهذا المقال المساهمة فيها بالتنبيه لضرورة مراجعة تلك القوانين وفقاً لهذا المبدأ.

حكم القانون من المبادئ الأساسية للحكم الراشد. وهو مبدأ تجمع عليه معظم الأنظمة السياسية المعروفة في العالم، أو بشكل أكثر دقة لا يعارضه منها أحد. ولكن ذلك لا ينفي، ويجب أن لا يخفي، الخلافات بين تلك الأنظمة بالنسبة لموقفها من المبدأ، فالمبدأ لا يحمل نفس المعنى لكل تلك الأنظمة.

يُعرّف مبدأ حكم القانون في العادة، بما لا يعنيه وليس بما يعنيه، أي بمقابلته بضده. فيقال أن حكم القانون قصد به مقابلة حكم البشر. ويُعتقد أن أول من عرفه بهذا الشكل هو أرسطو، الذي قال أن حكم القانون خير من حكم أي إنسان. وقد شرح جون آدامز المبدأ بنفس الطريقة في دستور كومنولث ماساشوستس الذي وضعه وذلك في باب توضيح مبدأ فصل السلطات بقوله “والهدف من ذلك أن تكون الحكومة حكومة قانون لا حكومة رجال.” أراد الإثنان بذلك أن يفرقا بين الحكم التعسفي  النزقى، وبين الحكم الذي يخضع لقواعد مسبقة. ولكن هذه المقابلة لا تفعل ذلك، إذا إعتمدت على وجود القانون دون النظر لمصدره ومحتواه. إذ أن القانون نفسه قد يكون أداة لحكم البشر حين يكون لفرد أو مجموعة أو حزب قدراً غير محدود من السلطة، بحيث يصبح القانون تعبيراً عن  إرادتهم التي لا تخضع لمحاسبة فيما تفعل. القانون هو مجموعة من القواعد التي يضعها الحكام وبالتالي فسيادة حكم القانون في حد ذاتها، لا تؤدي لمنع الأحكام التعسفية ما لم يخضع القانون نفسه لقيود عديدة من حيث الشكل والمحتوى، حتى لا يصبح مجرد أداة لحكم البشر. وهذا ما حذر منه إدموند بيرك حين قال “ القوانين السيئة هي أسوأ أنواع الطغيان “. أساس مبدأ سيادة حكم القانون هو منع الأحكام التعسفية للحكام وذلك بإخضاع الجميع حكاما ومحكومين لقواعد معلومة سلفاً ومقبولة لهم. وأهم ما يمنع الأحكام التعسفية هو إشتراط معقولية القانون Rationality of the law إذ أن ذلك هو أساس قبول المحكومين لحكم القانون.

معنى معقولية القانون

الغرض من القانون هو تنظيم نشاط معين، أو علاقة معينة، بما يخدم المصلحة العامة. و جوهر مبدأ سيادة حكم القانون هو أن يتم تنظيم ذلك النشاط، أو العلاقة بمعقولية، بمعنى أن يكون السبب في أحكامه منطقياً ويمكن إستخلاصه من أحكامه. فسيادة القانون لا تعنى تسلط القانون، كما ولا تعنى تسلط السلطة التشريعية. القانون عموماً هو قيد على تصرفات الأفراد وما يخلقون من هيئات سواء أكانت عامة أو خاصة. وهذه القيود تختص بوضعها في حدود تفويضها السلطة التشريعية. إختصاص السلطة التشريعية هو إختصاص فريد من نوعه فهو إختصاص يمنحها سلطة بوضع قيود على الشعب الذي منحها تلك السلطة، ولذلك فهي بالضرورة سلطة مقيدة. سلطة التشريع مقيدة بأن تكون القيود التي يفرضها القانون تهدف لحماية مصلحة المجتمع ككل، دون أن تصل لدرجة إنتهاك الحقوق الأساسية للأفراد المكونين له. وهذا يتطلب أن تكون تلك القيود معقولة وليست تعسفية. وهذا ما يجعل إرادة السلطة التشريعية ليست مطلقة فيما تصدر من قوانين، بل هي مقيدة بمبدأ المعقولية.

شروط معقولية القانون

القانون المعقول، هو القانون الذي يتوفر فيه أمران: الأول أن يكون هنالك سبباً معقولاً لإصداره، والثاني أن تكون أحكامه تحقق الغرض من إصداره بصورة معقولة. والسبب في ذلك أن التشريع يجد شرعيته فقط فى قبول الناس المسبق للرضوخ له، وهذا  الرضا مقيد بالقيود والتي تراضوا عليها مع حكوماتهم في الدستور الذي يحكم الحاكمين والمحكومين على السواء. وذلك الرضا المسبق يتضمن بالضرورة إشتراط معقولية القيود. التفويض المسبق بالضرورة لا يشمل قبول قيود لا تفرضها مصلحة من أصدر التفويض. والقيود التعسفية تقوم على أهواء ومصالح الحكام وليس مصلحة المحكومين. أساس تطلب معقولية القانون إذاً، هو أن رضا المحكومين يتطلب أن يعلموا أسباب ما يرضخون له من إجراءات أو قواعد. وهذا يقتضي أن لا يكون لأي من السلطات العامة سلطة تعسفية. حتى يكون القانون معقولاً يشترط أن يتوافر فيه ما يلي:

أ‌.        أن يصدر لتحقيق هدف واضح يجوز للدولة أن تسعى لتحقيقه.

ب‌.    أن ينظم العلاقة التي يهدف لتنظيمها بشكل معقول.

ت‌.    أن لا يميز بين الخاضعين له إلا لأسباب موضوعية متعلقة بإختلاف مراكزهم القانونية.

ث‌.    أن يوفر الحماية المتكافئة وهذا يقتضي عدم التمييز صد الأقسام الضعيفة من المجتمع وعدم إنتهاك الحقوق الأساسية للخاضعين له

معقولية الهدف ومعقولية الوسيلة

القانون الذي لم يصدر لتحقيق هدف واضح يجوز للدولة أن تسعى لتحقيقه، هو قانون تعسفي. فإذا كان الهدف الذي تسعى الدولة لتحقيقه غير معقول فإن القانون نفسه يفقد أساس إصداره. على أن مشروعية الهدف لا تكفى. فالقانون قد يكون تعسفيا ً رغم مشروعية الهدف من إصداره، إذا كانت أحكامه لا تؤدي لتحقيق الغرض منه بشكل معقول.ولننظر لمعالجة القانون لمسألة تدخين الشيشة. تدخين الشيشة يشتبه في انه يشكل خطورة صحية على المدخن، وعلى من يكونوا على مقربة منه.  إذاً فإن محاربة هذه العادة الضارة هي هدف مشروع للقانون، ولكن لما كانت المسألة متصلة بالحرية الشخصية للأفراد فإن المعقولية تتطلب أن يترك المدخنون وشأنهم، بشرط منعهم من تسبيب الضرر لغيرهم بتحويل من حولهم إلى مدخنين سلبيين، وهم الذين يتعرضون للدخان الذي ينفثه آخرون. إذا كان ذلك هو الهدف من القانون، فإنه يجوز للقانون منع تدخين الشيشة في الأماكن العامة المغلقة، وكذلك فرض تخصيص أماكن للمدخنين بعيداً عن غيرهم، في الأماكن العامة غير المغلقة.  نأى التشريع القومي بنفسه عن المسألة برمتها وتركها لتشريعات محلية. أنتج النظام الفيدرالي ثلاث مستويات للتشريع وهم، المستوى  القومي والولائي والمحلي، وكلها تقصف المواطن يومياً بتشريعات عقابية تعالج كل الظواهر السالبة بالعقاب غير عابئة مثقال خردلة بمقولة فولر “كلما كثرت القوانين العقابية كلما كثر المجرمون”. نتيجة لذلك فقد منعت الشيشة مطلقاً في بعض المحليات، ومنعت بالنسبة للنساء فقط، ما لم يكنّ من حملة الجوازات الأجنبية في أخرى، وتطلب الأمر تصريحاً في مقابل مبلغاً باهظاً من المال في الأغلبية. وهكذا ذهبت تماماً مشروعية القيد، فليس هناك فرق فيما تنفثه النساء من دخان، بغض النظر عن جوازاتهن، عن الدخان الذي ينفثه الرجال. وكذلك فالثابت هو أنه لا يخفف من ضرر ذلك الدخان المبلغ المدفوع لقاء التصديق. ومن ذلك مثلاً الحكم الوارد فى قانون النظام العام والذى يجعل من غسيل العربات في غير الأماكن المخصصة لذلك جريمة معاقب عليها بالسجن والجلد والغرامة. فتنظيم الأماكن العامة غرض مشروع، للدولة أن تسعى لتحقيقه. ولكن المبالغة فى العقاب تفقد القانون معقوليته بالإضافة، لما فى عقوبة الجلد من حط للكرامة الإنسانية.

التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي

 لعب حكم المحكمة العليا في دريد سكوت ضد ساندفورد دوراً أساسياً في إيقاظ أمريكا لفظاعة التمييز بين الناس بسبب العنصر. تتلخص وقائع الدعوى في أن سكوت والذي كان مسترقاً حسب نظام الرق الذي ظل معترفاً به في عدد من الولايات، بعد إلغائه بواسطة الحكومة الإتحادية، كان قد تنقل مع سيده مروراً بولايات كانت تمنع  الرق. قام سكوت برفع دعوى في ولاية ميسوري أسسها على أن إنتقاله إلى الولايات التي تمنع الرق جعل منه مواطناً حراً، وبالتالي لايمكن أن يعود عبداً لمجرد إنتقاله بعد ذلك لولاية تعترف بالرق. أصدرت المحكمة العليا حكماً يعتبر الأسوأ في تاريخها، ذكرت فيه أن الأفريقيين الذين حضروا للولايات المتحدة كعبيد، وسلالاتهم سواءاً كانوا عبيداً أو أحراراً، لايمكنهم أن يصبحوا من مواطني الولايات المتحدة. وأن العبيد لايملكون حق المقاضاة، وأنهم يشكلون ملكية خاصة لا يمكن أخذهم من مالكهم بدون التدابير المقبولة للقانون . كان هذا  الحكم من الفظاعة بحيث أثار سخطاً كبيراً لدى القطاعات المؤثرة أدى فيما بعد لصدور التعديل الرابع عشر للدستور، والذى جعل من كل من وُلِد في الولايات المتحدة ،أو إكتسب جنسيتها بعد الولادة، مواطناً أمريكياً لايجوز التمييز ضده. كما و أقر التعديل الحق في الحماية المتكافئة .إستندت المحكمة العليا على ذلك التعديل لمنع التمييز بين الناس ما لم يكن بسبب معقول. وقد أصبح عدم التمييز الآن مبدأ أساسياً في القانون الدولي لحقوق الإنسان، تضمنته جميع العهود الرئيسية لحقوق الإنسان، وهو الموضوع الرئيسي لبعض الاتفاقيات الدولية، مثل الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.  وقد تبنى الدستور الإنتقالي المبدأ في المادة 31 ونصها(الناس سواسية أمام القانون ، ولهم الحق في التمتع بحماية القانون دون تمييز بينهم بسبب العنصر أول اللون أو الجنس أو اللغة أو العقيدة الدينية أو الرأي السياسي أو الأصل العرقي )

التمييز والمعقولية

التمييز بين الناس بسبب ماولدوا عليه من صفات جسدية، أو بسبب معتقداتهم الدينية أو السياسية لم يعد متناسباً مع ما توصل إليه التطور البشري. ولكن التمييز بين الناس حينما تمليه إختلاف ظروف الخاضعين للحكم القانونى المعين ليس فقط جائزاً بل هو مطلوب. فتطلب درجة معينة من الدراسة لممارسة مهنة معينة، أو عمر معين لممارسة حق بعينه لا يشكل معضلة لأن السبب فيه واضح. ولكن المعضلة تأتى عندما يتم التمييز بسبب لادخل له بالمنح أو المنع. فإذا صدر قانون يمنع مزاولة المهن الطبية إلا بترخيص من المجلس الطبي، فإن السبب فى ذلك باد للعيان، ولكن إذا منع القانون عنصراً إثنياً معيناً أو من يعتنقون ديناً بعينه من ممارسة الطب، فإن ذلك يشكل تمييزاً غير مقبول لأنه لادخل للعنصر أو المعتقد الدينى بقدرة الشخص على مزاولة مهنة الطب. القانون قد يتبنى أحكاماً عشوائية دون أن يكون تعسفياً طالما أن الغرض من ذلك تحقيق مصلحة مشروعة للدولة، وطالما أن التمييز الذى ينتج عنه لا يخل بالحماية المتكافئة. من ذلك القانون الذى كنت إقترحته على ولاية الخرطوم لتخفيف أزمات حركة المرور بسبب إزدحام مركز المدينة، ولكنها لم تأخذ به، وهو أن تمنع العربات التي تحمل لوحات فردية من دخول مركز المدينة في أيام معينة والزوجية في أيام أخرى،  فالإختيار هنا عشوائي ولكنه لا يميز بين الناس، ويهدف لتحقيق غرض مشروع من حيث أنه يهدف لمنع عرقلة المرور

حدود مشروعية التمييز

 التمييز بين الناس في الأحكام القانونية يجب أن يستند على سبب معقول. إذا كان الحكم القانوني يمنح مزايا لبعض الناس ويحرم غيرهم منها، فإن ذلك يجب أن يكون متعلقاً بأسباب متعلقة بإختلافات تجيز التمييز. من ذلك إختلاف الأعمار، فالناس ينضجون ببلوغهم سن معينة، وتتناقص قدراتهم أيضاً في سن معينة، وهي خلافات تبرر حقوق مختلفة وواجبات مختلفة في ظروف معينة. فقانون حركة المرور مثلاً يمنع من لم يبلغ سن الواحد والعشرين عاماً من الحصول على رخصة قيادة، وفي هذا تمييز ضد الذين تقل أعمارهم عن ذلك، ولكن السبب في ذلك هو حماية أرواح وممتلكات  المواطنين، بضمان نضوج السائقين. وقانون الخدمة العامة يفرض التقاعد ببلوغ سن معينة، حماية لمن يبلغون ذلك السن. وعليه فإن الحظر ضد التمييز بين الناس يقتصر على حالة التمييز بينهم في مسألة لا يتميزون فيها عن بعضهم البعض.

لا يجوز الإخلال بالحماية المتكافئة

الغرض المشروع يفقد مشروعيته إذا كان تحقيقه يتم عن طريق التمييز ضد فئات تستحق الحماية. عندما تصدت الولاية لإزدحام مركز الخرطوم بالعربات، قررت منع المواصلات العامة من دخول مركز الخرطوم. وقد خفف ذلك بالفعل الإزدحام، وإن كان تسبب في مشقة في التحرك داخل المركز بالنسبة لمن لا يملكون عربات خاصة. واجهت عمودية لندن نفس المشكلة ولكنها عالجتها بشكل مختلف، وهو أنها فرضت رسوماً على العربات الخاصة التي تدخل إلى مركز لندن. والوسيلة التي لجأت إليها عمودية لندن لمنع عرقلة الحركة في مركز المدينة وسيلة معقولة تؤدي إلى تحقيق الغرض من الإجراء، لأن صاحب العربة الخاصة يمكنه إستخدام المواصلات العامة. في حين أن الإجراء الذي إتخذته الولاية في الخرطوم وفقاً لسلطاتها بموجب قانون الحركة، يفتقد المعقولية لقيامه على التمييز ضد الفئات الضعيفة، لأنه يفرض على من لا عربة له أن يجوس في مركز الخرطوم راجلاً.

التمييز وإنتهاك الحقوق الأساسية

ومعيار المعقولية هو جزء من الفحص الدستوري تقوم به الهيئة القضائية بالنسبة لأعمال السلطتين التشريعية والتنفيذية، ويكون بأن تسأل المحكمة نفسها هل الإجراء الحكومي (أو القانون) موضوع الفحص هو وسيلة معقولة لغرض مشروع يجب على السلطة المعنية أن تهدف لتحقيقه؟ بالإضافة لذلك فيجب على المحكمة أن تسأل نفسها هل الوسيلة المستخدمة تنطوي على تمييز ضد الفئات المستضعفة؟ فإن كانت الإجابة على السؤال الأول بالنفي، أو على الثاني بالإيجاب عليها أن تستخدم سلطتها لإسقاط القانون لإفتقاده المعقولية. ويجب أن تتشدد المحكمة في تتطلب المعقولية عندما يتصل الأمر بالحقوق الأساسية. في سكينر ضد أوكلاهوما حين حوكم سكينر بالتعقيم وفقاً لقانون يجعل التعقيم عقوبة إضافية فى حالة الإدانة ثلاث مرات أو أكثر في جرائم لها الصلة بالأخلاق ، رأت المحكمة العليا الأمريكية في القانون تمييزاً بين المجرمين بسبب الثروة، لأن جريمة  الإختلاس، وهي من جرائم الياقات البيضاء، أي تلك التى يرتكبها أعضاء الطبقات الأعلى إجتماعياً، قد تم إستثناءها من القانون. ذكرت المحكمة أن الولاية “لم يثبت وجود صفات وراثية مختلفة بين مرتكبي الإختلاس ومرتكبي جريمة السرقة العادية بحيث يبرر الأمر تعقيم فئة دون الأخرى، وبالتالي فإن مبدأ الحماية المتكافئة تبدو مجرد كلمات فارغة إذا سمحنا لمثل هذه الفوارغ الوهمية بأن تسود” كذلك أضافت المحكمة العليا أن القانون الذي يمنح سلطة التعقيم يجب أن يخضع لمراجعة دقيقة لخطورة مسألة التعقيم لكونها عقوبة نهائية لارجوع عنها بعد توقيعها، وقد تقود، إذا إستُخدِمت إنتقائياً، إلى إفناء أجناس معينة .

التمييز ضد الفئات المستضعفة

”  يطبق القانون بكل هيبته مبدأ المساواة بأن يمنع الأغنياء والفقراء على السواء من النوم تحت الجسور، والتسول في الشوارع، وسرقة الخبز.” أناتول فرانس

عندما تتصل المسألة بفئات غير متكافئة فإن على الحكومة أن تثبت أهمية مصلحة الدولة في تنظيم المسألة وأن التمييز تتطلبه مصلحة جوهرية ومشروعة للدولة  ففى Pyre V. Doe حين أصدرت ولاية تكساس قانوناً يحرم أطفال الأجانب الموجودين في الولاية بصفة غير مشروعة من أموال الولاية المخصصة للتعليم، قررت المحكمة العليا أن أطفال الأجانب الموجودين بشكل غير شرعي في الولاية هم بشر يتمتعون بحماية التعديل الرابع عشر من الدستور، والذي يمنع التمييز ضدهم ما لم تكن للولاية مصلحة جوهرية تبرر ذلك. وقد لاحظت المحكمة العليا أن أطفال المهاجرين غير الشرعيين في وضع لم يتسببوا فيه من حيث أنهم قد أُدْخِلوا إلى أمريكا بواسطة والديهم دون أن يكون لإرادتهم دخل في ذلك، ولا يوجد سبباً منطقياً لحجب الحماية المفروضة بموجب التعديل الرابع عشر للدستور عن شخص بسبب الطريقة التي دخل بها إلى الدولة .

وفي دعوى City of Cleburne V Cleburne Living Center  والتي رفعتها جمعية تتولى رعاية المتخلفين عقلياً ضد سلطات مدينة كليبيرن، لأنها رفضت منحها ترخيص لإستخدام مبنى لسكن لعدد  من المتخلفين عقلياً ،وهو ترخيص خاص يتطلبه قانون يدخلهم ضمن الفئات المشبوهة التى يجب الحصول على تراخيص خاصة لسكنهم لأنهم قد يكونوا مصدر خطورة على جيرانهم ،رأت المحكمة العليا أن القانون ليس له سند عقلاني بعد أن طبقت عليه معيار الـThe rational basis review  لأن تعبيرالمتخلفين عقلياً يشمل طائفة كبيرة من الناس تضم درجات مختلفة من القدرات العقلية، وضمهم جميعاً في حكم واحد مع التمييز ضدهم جميعاً بإعتبارهم طائفة مشبوهة، يفقدهم حقهم في التمتع بالحماية التي يضفيها عليهم التعديل الرابع عشر .

 

العنصر أو الدين

درجت المحكمة العليا على أن تخضع الأمر لرقابة أكثر دقة عندما يتصل الأمر بالعنصر أو الدين، ولعل دعوى لفينج ضد فرجينيا توضح ذلك. في عام 1958 تزوج رتشارد لفنج وهو رجل أبيض من سيدة سوداء، مخالفاً بذلك قانون ولاية فرجينيا الذي يمنع الزواج عبر الفروقات العنصرية. وقد تم توجيه إتهام للزوجين وصدر حكم عليهما بالسجن، ولكن القاضي أرجأ تنفيذ الحكم لمدة 25 عاماً، بشرط أن يغادر المحكوم ضده  الولاية ولا يعود إليها طوال تلك المدة . ذكر القاضي في حكمه أن الله خلق الناس في شكل أجناس مختلفة، ووضعهم في قارات مختلفة، وكون أن الله قد فرق بين الأجناس يعني أنه لم يقصد أن يختلط بعضهم ببعض. قررت المحكمة العليا أن التفرقة في المعاملة بين الأجناس تتعارض مع الأساس الدستوري القائم على المساواة بين الناس، ولما كان الحق في الزواج هو حق أساسي للإنسان الحر في البحث عن السعادة. وحرمان شخص من هذا الحق الأساسى بحثاً عن الإبقاء على نقاء الجنس، والذي هو في ذاته غرض غير مشروع يفقد القانون أي معقولية .

نبيل أديب عبدالله

المحامى