خالد فضل " سمعت قصّة شبيهة بحكاية الشطة رواها لي أحد الشبان، أحداثها وقعت في ولاية النيل الأزرق , حيث تم القبض على أحد لصوص المواشي بواسطة بعض الرعاة.. "

 في البدء الترحم على روح الفتى رمضان الذي لاقى ربّه وهو كليم حسير , بعد ذلك التعذيب المهين الذي مارسه عليه نفر من الناس , لا يدري المرء وضعهم في أيّة خانة من خانات الكائنات الحيّة , فالوحوش عادة لا تمثل بضحاياها وهي تقهقه , بل الأسد لا تفترس الاّ جائعة ,أمّا أولئك النفر من السودانيين فقد ارتكبوا جريمة مكتملة الأركان من ناحية قانونية , وتامة الانحطاط بالأعراف الانسانية , وهو ما فتح المجال أمام كثير من النقاشات الحيّة حول ما آل اليه حال اجتماعنا كبشر سودانيين على ظهر هذه الرقعة المسماة وطن , تتقاسمه تلك القسوة ,ويتجاذبه هذا الهُراء والوهم كما في حالة القنفذ الراهنة .

    ممارسة تلك القسوة ضد الشاب المتهم بأنّه لص منزلي وتعذيبه بحشو مؤخرته بالشطة وهو يتلوى ويتعذّب مثّلت حالة نقلتها الوسائط الاعلامية , ولكنها كممارسة ظلّت موجودة يتناقلها الناس في أحاديثهم دون أدنى شعور بالتقزز , بل أحيانا يتم تداول العقوبات القاسية التي يتم انزالها على اللصوص بواسطة المواطنين أنفسهم كنوع من البطولات التي تنجي المواطنين من شرور اللصوص , ويتم اقتراح تعميمها على من يشكون من كثرة زوّار الليل , وقد سمعت قصّة شبيهة بحكاية الشطة رواها أحد الشبان جمعتني به مناسبة اجتماعية في الحي الذي أقطنه , وأحداث الرواية وقعت في ولاية النيل الأزرق , حيث تم القبض على أحد لصوص المواشي بواسطة (بعض الرعاة ), وتم حشر عصاة في مؤخرته , وعندما نًقل للمستشفى توفي هناك , استنكر من سمع القصّة الحادثة للأمانة , وسرعان ما انتقل الحديث لمواضيع أخرى , على وزن الحدوتة التي صاغها شعرا كمال الجزولي عن المثقّف الذي لا يأبه بالحريق في البلد حتى تخوم بيتهم , ولم يجزع الاّ عندما علم بحرق غرفته !ولعلنا جميعا نسمع مثل هذه الروايات عن لصوص قتلوا ورميت جثامينهم في النهر , فلا نملك الاّ التمتمة بأضعف الإيمان (الإستنكار), وإذ أذكر , أنّ أستاذا لنا في جامعة جوبا أواخر الثمانينات , كان قد جاءنا للمحاضرة ثائرا حانقا , إثر العثور على جثة صبي كان قد اغتالته في الليلة السابقة رصاصات جندي ضمن جنود أوكل اليهم حراسة داخليات الطالبات في الجامعة بعد سريان أخبار عن عزم المتمردين اختطاف الطالبات الشماليات للمساومة بهنّ مع حكومة الخرطوم , وهي الرواية التي سرت في جوبا وقتها , مما حدا بقيادة الجيش لوضع تلك الحماية على الداخليات ,ونتيجة لتصرف أرعن من أحد الجنود لقي ذاك الصبي مصرعه داخل أسوار داخلية الطالبات , المهم أنّ ذلك المعلم العظيم ألقى علينا محاضرة قيّمة عن حقوق الانسان , ولم نك قبلها نعلم عنها شيئا ذا بال . تًرى هل تداول أساتذة كليات القانون والآداب والعلوم الانسانية واقعة (الشطّة الأخيرة) ضمن محاضراتهم لطلّابهم في الجامعات السودانية ؟ مجرّد سؤال .

  فمن الواضح أنّ الثمار المرّة لربع القرن ويزيد من التغييب الممنهج لكل بؤر ومظان رفع الوعي , والتدمير المخطط له بواسطة جماعة الاسلاميين الحاكمين قد أتى أًكله تماما , لقد أصبح العنف المادي والمعنوي هو الثقافة السائدة في كافة الأوساط الاجتماعية ووسط مختلف شرائح المجتمع , نساء ورجالا وحتى الأطفال , وصارت الانقسامات بين السودانيين تتم على أي أسس , دينية وثقافية وعرقية وقبلية وجهوية ,لذلك ليس غريبا البتّة أنْ يختلط الجهل والسطحية مع أيّا من الانقسامات المار ذكرها , وفي بيئة يسودها القمع والقهر والاستعلاء والإقصاء لكل ما هو نبيل وكريم من القيم , ما الذي يتوقعه الناس من حصاد ؟ وسط مجتمع تغلق فيه السلطات منابر الأحزاب والنقابات والاتحادات والمراكز الثقافية والجمعيات الأدبية والجمعيات التعاونية ومعارض الكتب والمسارح ودور السينما وتدسّ وسط طلبة المدارس الثانوية الجواسيس , وتصادر الكتب في معرض مفروش وتمنعه , وتفتح في المقابل معسكرات الدفاع الشعبي وتستوعب الجنجويد كقوات نظامية وتشوّن القبائل المتناحرة بالعتاد والسلاح , وتبيد في المدنيين وتحرق القرى وتغتصب النساء وتلقي بالأطفال في مياه النهر ليغرقوا كما غرقت أمهاتهم , ما المتوقع غير سيادة الخرافة إذا كان المجال متاح فقط للقاعدة وطالبان وداعش وعصابات الإخوان ولحى الوهابيين وبوكو حرام فليس بدعا أن يتصايح الكماسرة في كل أسواق الخرطوم والمدن الأخرى ينادون على (شيخ الكريمت ) الذي يداوي الكسيح والأعمى وينطق من به صمم بمجرّد كيّة بالنار ,والبلاد تفرغ من غالبية إنْ لم يكن كلّ الكوادر المستنيرة والمؤهلة أخلاقيا وعلميا ومهنيا فمن يبث الوعي الآن في السودان ؟ والفضائيات محتكرة لبعض المتشيخين يفتون في النفاس وسنن الوضوء وحكم الانضمام للجبهة الديمقراطية وعدم جواز الخروج في مظاهرات ضد عمر البشير , ومفردات المقررات التعليمية والتربوية تجرّم الفكر وتحسّن الهوس الديني , فمن أين لعامة الناس أن يتعرفوا على مبادئ حقوق الإنسان , من أين لهم ركل الخرافة وبينهم تنتشر كرامات بلّة الغايب وشيخ الأمين , وتخيفهم اسطورة (اختفاء الأعضاء التناسلية للذكور بمجرد مصافحة لبعض الناس), ليس غريبا أنْ تنشغل الصحف بالخزعبلات والأناطين , وكل الموضوعات الجادة خطوط حمراء دونها الترهيب والترغيب , فيشيع في المجتمع العنف كتفريغ لحالة الكبت والاحباط , ويجدون في  ممارسات السلطة ومناهجها السند والتعضيد والمسلك المشين , فالفرز العنصري سمة بارزة والولاءات الأضيق هي جوازات التسهيل لكل مصلحة فردية , هذه هي الثمار , انهيار وتحطيم شامل فما المرجو من وطن حطيم غير ما يجري !!