تواصل"التغيير الإلكترونية" نشر نص الرسالة التي أرسلها الدكتور الواثق كمير لرئيس الحركة الشعبية مالك عقار عام 2012 .

تحديات تواجه الحركة الشعبية-شمال

أولا: وسائل النضال من أجل التغيير

  1. 1.             إن إعتماد خيار النضال المسلح كوسيلة أساسية للتغيير يفرض على الحركات المتبنية له أن تحدد أولا الهدف من المقاومة المسلحة، والنتيجة المتوقعة، وآفاق وسيناريوهات المفاوضات. فهل تهدف إلى تحطيم القوات المسلحة السودانية، وفي سياق هذه العملية، تقوم بالإستعاضة عنها بالجيش الذي يناسب خصوصيات السودان الذى تسعى لبنائه؟ كانت هذه هى الأطروحة الأصلية للدكتور جون قرنق. ولكن، مع تطور الصراع المسلح ضد نظام “الإنقاذ” تبين له أن هذا الأمر غير واقعى ولا يمكن تحقيقه، مما جعله يتراجع عنه مفضلا التسوية السياسية المتفاوض عليها. وبالتالي دعت إتفاقية السلام الشامل إلى تشكيل الوحدات المشتركة المدمجة، كآلية لدمج الجيش الشعبي والقوات المسلحة السودانية، لتكون بمثابة نواة لجيش السودان القومي في حالة إختيار الجنوبيين لوحدة السودان. وكان موقف الدكتور جون قرنق المبدئي، منذ عام 1972، يشدد على أن أي حل في إطار السودان الجديد الموحد يجب، أولا وقبل كل شيء، أن يعترف بلأنيانيا، والجيش الشعبي في وقت لاحق، كجيش مشروع لشعب جنوب السودان. هذا هو بالضبط ما جرى التأكيد عليه فى إتفاقية السلام الشامل. فقد كان المنطق الأساسي هو ضمان أن يكون لجنوب السودان “جيش وطني” في حال إن اختار الجنوبيون الانفصال. فى رأيى أن د. جو قرنق، من واقع معرفتى اللصيقة به، أنه كان يسعى للوحدة وكأنه يعيش أبدا، بينما يعمل للإنفصال وكأنه يموت غدا! هذا هو أيضا بالضبط ما تبين في نهاية المطاف. ولذلك، كانت الرؤية مقنعة وثاقبة والهدف من الكفاح المسلح محددا بدقة ووضوح. ولكن، يظل هذا النهج غير قابل للتطبيق على الوضع في المنطقتين، إلا إذا كان الهدف النهائي هو توحيد جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور في دولة فدرالية جديدة، وهذا أمر يصعب تحقيقه على أرض الواقع، ولم تدع له أى من الحركات المسلحة.
  2. 2.             وإلا، فهل يهدف العمل المسلح، على شكل حرب عصابات، إلى ممارسة ضغوط متواصلة، جنبا إلى جنب مع جهود المعارضة السلمية لبقية القوى السياسية السودانية، من أجل إسقاط النظام في الخرطوم أو ارغامه على الاستجابة للتغيير؟ إذا كان هذا هو الحال، يظل من المهم التطرق لعدد من الأسئلة التى تبحث عن إجابات، ومخاطبة بعض التخوفات، أذكر هنا بعضا منها:
  • ·         في ضوء النظام المؤسسى الهش للدولة السودانية، مع وجود القوات المسلحة السودانية كقوة مهيمنة، وكقوة وحيدة متماسكة، يفصل خط رفيع بين إسقاط النظام، الذي لم يبذل مجهود لتعريفه بدقة، وإنهيار الدولة السودانية نفسها.
  • ·         هناك حاجة لقياس مدى استجابة الناس في المناطق المتأثرة بالحرب، والرأي العام في البلد كله، فيما يتعلق بالمقاومة المسلحة وما يترتب عليها من عواقب وخيمة. على عكس التأييد الشعبي للنضال المسلح، الذي شنه الجيش الشعبي خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضى، عندما اندفعت أعداد كبيرة من المتطوعين إلى صفوف الجيش الشعبي، وانضموا إلى الكفاح المسلح، بينما اليوم يبدو أن هناك استقبال فاتر للعمليات العسكرية للجيش الشعبي، من قبل قطاعات واسعة من السودانيين، فى المناطق المتأثرة بالحرب، وفي بقية أنحاء السودان. ومن الملاحظ، أيضا عدم الرضاء الذى أبداه العديد من مناصرى الحركة، والسودانيين بشكل عام، من استمرار الحرب وآثارها المدمرة، على وجه الخصوص، في كل من جنوب كردفان والنيل الأزرق.
  • ·         هناك اتجاه متزايد داخل صفوف الحركة الشعبية لا يعترف معتنقوه سوى بمقاتلى الجيش الشعبي في المنطقتين كأعضاء “حقيقيين” فى الحركة الشعبية، من الطراز الأول، بينما يعتبر أن بقية العضوية في قطاع الشمال مجرد “متفرجين” و” انتهازيين”، أو أعضاء من الدرجة الثانية.
  • ·         ألن يتحول تصاعد الصراع المسلح في المنطقتين في نهاية المطاف إلى حرب شاملة بين جنوب السودان والسودان، مما يعد نذير شؤم بالنسبة للشعب في كلا البلدين؟ وعلاوة على ذلك، فإن إندلاع هذه الحرب سيكون بمثابة هدية مجانية لحزب المؤتمر الوطني، وهو المشهود له بالبراعة في التعبئة السياسية والعسكرية وإضفاء الشرعية على الحرب بحجة توحيد وتعزيز “الجبهة الداخلية”. وهذه التعبئة لن تكون فقط ضد الجنوب، ولكن سيتم استخدامها لإسكات وترهيب أعضاء ومؤيدي الحركات المسلحة، بل وجميع محبي السلام في البلاد. وبالفعل، فقد بدأت هذه الحملة في أعقاب الأحداث الأخيرة في هجليج. لا شك أن ذلك سيكون يوم عيد لمنبر السلام العادل البغيض، ويشكل أرضا خصبة للأصوليين والمتطرفين. وبعبارة أخرى، فإن استمرار النزاع المسلح يؤثر سلبا على آفاق التحول الديمقراطي، وسوف يقلل كثيرا من احتمال حدوث انتفاضة شعبية في السودان.
  • ·         ليس سرا أن توفير قاعدة لوجستية خلفية، والدعم السياسي والدبلوماسي من الدول المجاورة، ضرورة لنجاح أى حركة مسلحة ضد النظام الحاكم فى كل التجارب الأفريقية. فلولا توفر هذه العوامل، وتأييد المنطقة ككل، والمجتمع الدولى لمطلب الجنوبيين فى حق تقرير المصير، خلال الثمانينات والتسعينات، لما تمكنت الحركة الشعبية والجيش الشعبى من المحافظة على حرب عصابات طويلة الأمد. أما الآن، فقد تغير المشهد الإقليمي والدولي بشكل كبير ويبدو أن العالم قد نفذ صبره وسئم من الحروب والإقتتال، مفضلا التسوية السياسية عن طريق التفاوض. إلى جانب ذلك، وضع انفصال الجنوب، قبل حل القضايا السياسية العالقة لإتفاقية السلام الشامل واستكمال عملية فك الارتباط مع الجيش الشعبي والحركة الشعبية-شمال، وكذلك الحركات المنطلقة من دارفور، الدولة الجديدة في موقف حرج سياسيا واخلاقيا فيما يتصل بتعاطفها ومساندتها لهذه الحركات. ولذلك، المشروع أن نسأل: هل جنوب السودان، في ضوء التحديات الهائلة الخاصة لبناء الدولة، والأمن، ومشاكل الإدارة السياسية والاقتصادية، والتناقضات الداخلية، بالإضافة إلى الضغوط الإقليمية والدولية، قادر على تقديم الدعم المستمر لهذه الحركات؟
  • ·         إن الحرب، أو حتى مجرد العلاقات المتوترة بين البلدين، قد وضعت الحركات المسلحة في وضع صعب وذلك لأن الإعلان عن أي عملية عسكرية سينظر إليها على أنها فعل من أفعال التواطؤ مع دولة أجنبية معتدية، وبالتالي تشويه صورة هذه الحركات بما يلقي بظلال كثيفة من الشك على مصداقيتها. حقا، فالتصورات غالبا ما تكون أقوى من الحقائق. الى جانب ذلك، فإن العالم الغربي يشعر الآن بأن الحركة الشعبية-شمال، على وجه الخصوص، تستخدم الحرب لخلق مأزق المساعدات الإنسانية التي تدعو في نهاية المطاف إلى، وتضفى الشرعية على التدخل الأجنبي.
  • ·         فوق كل ذلك، سيؤدي استمرار الحرب في نهاية الأمر لاستنزاف وتدمير قاعدة الموارد البشرية، وبالتالي مستقبلا قاتما للشعوب التى تقاتل هذه الحركات لحماية مصالحها. هذا بالإضافة إلى تشويه النسيج الاجتماعي، نتيجة لتفاقم العداوات العرقية والقبلية، وتهدد التعايش السلمي في المستقبل من الجماعات العرقية المختلفة في كل من جنوب كردفان والنيل الأزرق.
  1. 3.           أما، بدلا من ذلك كله، فهل تهدف الحركة إلى تصعيد عسكري في المنطقتين، وفى جنوب كردفان على وجه الخصوص، بغرض تسجيل النقاط، من خلال تحرير المزيد من المناطق، تمهيدا لمفاوضات مستقبلية؟ إذا كان هذا هو الحال، ما هي آفاق الاستدامة والاستراتيجية المقترحة لتحقيق هذا الهدف؟

 

ثانيا: تحديات التنظيم وبناء القواعد الشعبية

  1. 1.             لا بد للحركة الشعبية-شمال من بناء قاعدة سياسية قوية في جميع أنحاء السودان. لا شك، فهذه القاعدة من الدعم الشعبى هى المفتاح، ليس فقط للنضال من أجل التغيير، ولكن أيضا من أجل استدامة التغيير وتوفير بديل قابل للتطبيق وقادر على حشد الناس والتفافهم من حوله.
  2. 2.             كان وضوح رؤية السودان الجديد آسرا لقطاعات واسعة من السودانيين (إستقبال جون قرنق فى الخرطوم يقف شاهدا)، مع القيادة الكاريزمية والملهمة لجون قرنق، مما سمح للحركة الشعبية بجذب وبكسب الكثير من الانصار في الشمال. على الرغم من بعض القيود المفروضة على النشاط السياسى الحر ، سنحت الفرصة لقطاع الشمال بالحركة الشعبية الفرصة للعمل والحراك السياسى، والتنظيمى لمدة 6 سنوات، ككيان سياسي معترف به في بيئة سياسية مفتوحة نسبيا وكشريك في الحكم، مع موارد بشرية ومادية كبيرة. وهكذا، كنا نتوقع أن قطاع الشمال قد تمكن من خلق هيكل مؤسسي قوي وقاعدة جماهيرية كبيرة، بحلول نهاية الفترة الانتقالية، فى يوليو 2011. هذا، بالإضافة إلى هياكل الحركة الشعبية وقواعدها الشعبية في جنوب كردفان والنيل الأزرق. ومع ذلك، فإن الإنهيار السريع للهياكل التنظيمية التابعة لقطاع الشمال، ساعة وبعد اندلاع الحرب، يدل على هشاشة هذه الهياكل وفشل الحركة الشعبية في المنطقتين لتحويل نفسها إلى كيان سياسي خلال الفترة الانتقالية. وبالتالي، فإن الواقع السياسي الحالي قد حرم الحركة الشعبية من المشاركة الفعالة في دينامية سياسية وحراك سياسى ملوحظين ، مما يعطل إمكانياتها السياسية ويضعف تواصلها مع القوى السياسية الأخرى، مع الحد من تأثيرها ونفوذها على تطور العملية السياسية في البلاد. كما أضحى النشاط السياسي رهينة للصراع المسلح المتسارع في جنوب كردفان والنيل الأزرق.
  3. 3.             والسؤال الذي يتعين معالجته، وبالتالي، هو كيفية التعامل مع هذه المعضلة الماثلة فى أوضاع غير متماثلة  asymmetrical، عمل عسكرى، من جهة، ونشاط سياسي مدنى، من جهة أخرى، وكيفية تكوين، ولو ما يشبه الهيكل التنظيمي؟ أم أن القيادة تميل إلى إعادة إنتاج الحركة الشعبية/الجيش الشعبى، نموذج الثمانينات والتسعينات، والتي، في وجهة نظري، دعوة لإعادة اختراع العجلة في وضع سياسي مختلف تماما على المستويات المحلية والإقليمية والدولية؟ في الواقع، فإن طبيعة وتكوين مجلس القيادة المعين حديثا يشير بوضوح إلى غلبة الجيش الشعبي في المنطقتين، مما يشئ بالعودة إلى الحركة الشعبية/الجيش الشعبىى نموذج (القيادة السياسية العسكرية، 1983-1993، ومجلس قيادة الحركة الشعبية 1994- 2005)، عندما كان الجيش هو القوة الدافعة للحركة.
  4. 4.             إن ظاهرة تشرذم الحركة الشعبية إلى فصائل، بغض النظر عن أحجامها، ينبغي عدم الاستهانة بها وإغفالها هكذا جملة وتفصيلا (ولنا عبرة من تجربة الحركة الشعبية في الجنوب). إن تفكك الحركة على أسس إثنية ومناطقية يهزم رؤية السودان الجديد، وفكرة  تكوين الحركة الشعبية نفسها، وفي تناقض واضح مع المبادئ والطابع القومي للتنظيم. حقيقة، فقدنا بالفعل دائرة كبيرة من المتحمسين والمؤيدين الذين علقوا آمالهم من أجل التغيير في الحركة الشعبية، بسبب النتائج المخيبة للآمال: انفصال الجنوب، والأداء السياسي المثير للجدل، وهشاشة التنظيم (قطاع شمال + حركتين شعبيتين فى جنوب كردفاان والنيل الأزرق)، خلال الفترة الانتقالية 2005-2011. مع ذلك، يجب الاعتراف، والتشديد، بأن أن الهيكل التنظيمي “الشاذ” للحركة الشعبية خلال الفترة الانتقالية، (أي ضم جنوب كردفان والنيل الأزرق إلى قطاع الجنوب)، تسبب بقدر كبير فى انعدام الاتساق في الإستراتيجية ووجهات النظر. إلى متى نريد لهذا الوضع أن يسود، مما يطيل من معاناة وإيذاء الناس والمدنيين الأبرياء في مناطق الحرب؟ ولذلك، فهناك حاجة ملحة للاتفاق على خارطة طريق لإعادة التنظيم وإعادة الهيكلة، مع الإدراك الكامل لمدى تعقيد الأوضاع، وذلك انطلاقا من قراءة ملامح الواقع السياسي المتكشفة.