عبد الله زغيب *لن يجد السودانيون في اليمن سوى الموت! *ليس مقبولا ان يبقى نظام الخرطوم أسير"الاخوانية" و"الفواتير"! *النظام السوداني لا يهمه عدد الجثث!

تحت عنوان «فقراء يقتلون فقراء، بتمويل من أغنياء» هكذا يمكن اختصار الحرب الأهلية اليمنية الحالية بنسختيها المحلية الخاصة، والمحليّة ذات الأبعاد الإقليمية. لكن العبارة الرومنسية تلك، لا تكفي بأي حال من الأحوال لصياغة واقع جديد منبثق عن الأزمة.

فاليمن بات اليوم حالة تعكس واقعاً إقليمياً حساساً ومشتبكاً، بل وعلى استعداد كامل للغوص في الدم العربي أكثر إذا ما اقتضت الأجندات النظامية هنا أو هناك، خاصة أن البلد تحوّل الى أرض مفتوحة امام المنغمسين والمنخرطين ذاتهم، من أطياف القتال المتنقل من العراق الى سوريا مروراً بليبيا وصولاً الى الصومال واليمن. ولأنّ لا شيء بات مدعاة للصدمة والمفاجأة، فقد جاء الإعلان عن إنزال مئات من أفراد القوات المسلحة السودانية في عاصمة الجنوب اليمني عدن، فصلاً إضافياً من فصول «تعريب» القتال الذي تديره المملكة العربية السعودية هناك. وهو وإن كان أساساً إحدى الخطوات اللازمة لتخفيف الضغط عن القوات الخليجية في مواجهة الجيش اليمني وحلفائه الحوثيين، إلا انه يشكل اضافة اعلامية وسياسية جيدة لمصلحة المملكة في سبيل الضغط على «مترددين» آخرين في الانخراط بالمجهود الحربي البري المباشر، خاصة ان غالبية «المتحمّسين» من دول الخليج العربي كالامارات والبحرين، لم تظهر استعداداً حقيقياً للدفع بأبنائها نحو الجبهات الحارة كمأرب والجوف، بل اكتفت بإرسال قوات من اليمنيين الجنوبيين المجنسين كما فعلت ابو ظبي، وآخرين من جنسيات باكستانية وهندية كما فعلت مملكة البحرين، فيما اقتصرت المشاركة «الوطنية» على ضباط الصف الأول. يتذكّر السودانيون جيداً طبيعة الأحداث في الخرطوم في الايام التي تلت 30 تموز 2005، عندما أُعلن خبر سقوط مروحية الرئيس الأوغندي يويري موسيفيني التي كان يستقلها صديقه جنرال الحرب الأهلية السودانية والقائد الجنوبي جون قرنق عقب الزيارة التي قام بها لمزرعة موسيفيني في اوغندا. مقتل قرنق تسبب باندلاع اعمال عنف متبادلة بين شماليين وجنوبيين أدّت الى مقتل 130 شخصاً وجرح المئات في اربعة أيام فقط ووصل الحال بالعاصمة الخرطوم الى شبه حرب أهلية باعتماد النموذج الصومالية حيث سجلت عشرات الحالات من السفر جنوباً وشمالاً، فقط من أجل الانتقام لأقارب مقتولين في الأحداث. وهذه الصورة كانت كافية لأهالي الأطراف في السودان، البعيدين عن أطول الحروب الاهلية في افريقيا بين الخرطوم وجنوبها السابق، لمعرفة طبيعة الصراعات الأهلية، ومدى تجذّرها وقدرتها على مراكمة الأحقاد، خاصة في مقدرتها على التحوّل من حرب وطنية الى صراع شوارع وأزقة وعصابات وعشائر وقبائل وحتى على مستوى الأسر. السؤال المهم هنا هو ما الذي يفعله السودانيون في اليمن؟

 لا يخفي العرب جانباً من النظرة الرومنسية عند الحديث عن القوات المسلحة المصرية فبمعزل عن طبيعة دورها الحالي ومجرى الأحداث في حروب العرب مع اسرائيل، الا انها حافظت (من دون أن تسعى لذلك) على قدر معين من الاحترام في الوعي العربي الجمعي. السودان هو الآخر، امتلك طوال تاريخه العربي، رومانسية لا تقلّ عن جارته مصر، بل تتخطاها بما انها تشمله كبلد وشعب وشعراء ومثقفين وفنانين وقد بات كاليمن من قبله، صورة نموذجية للبلد العربي الفقير «المحبّب» بشعبه وأرضه، برغم غناه البشري والطبيعي، وبرغم «فظاظة» حكامه التي لا تنعزل عن الصورة الكلية للجهاز العربي الحاكم. ليست اليمن الأرض العربية الأولى التي تنخرط في معاركها قوات قادمة من السودان فقد كان للخرطوم دور في دعم جبهة قناة السويس (الشرقية تحديداً) منذ العام 1967، عندما قاد العقيد السوداني محمد عبد القادر كتائب مدرّعة مشتركة لحماية الجبهة الشرقية في مواجهة إسرائيل، فيما شكل «لواء النصر» السوداني إحدى أكبر القوات العربية في مصر حتى العام 1972. كما شاركت الخرطوم في «قوات الأمة العربية» التي ارسلت بداية الحرب الأهلية اللبنانية بكتيبة مظلات قادها العقيد مهدي عثمان العام 1976، ثم استبدلتها بكتيبة أخرى العام 1977 بقيادة العقيد السر دقق وبعد ذلك بعام واحد ارسل السودان ضمن ما بات يُعرف بـ «قوات الردع العربية» كتيبة مدعمة بالمدرعات والمدفعية والمهندسين بقيادة العقيد الشهير مصطفى صغيرون، الذي تولى حراسة مطار بيروت الدولي والسفارة الأميركية كما شارك السودان قبل ذلك في «القوات العربية المشتركة» لحماية الكويت في وجه تهديدات الزعيم العراقي عبدالكريم قاسم باجتياحها بداية الستينيات من القرن الماضي. مشاركات السودان الخارجية هذه لم يكن لها الوزن القادر على إعادة تدوير صورة البلد في المخيلة العربية فمعظمها باستثناء الحرب مع اسرائيل، لم تكن حروباً حقيقية قادرة على إنتاج صناعة دورية للموت، تكفل عودة شبه يومية لجثث المقاتلين من جبهات القتال وهذا ما سيحصل، أو ربما قد بدأ فعلاً في الجبهات اليمنية، على أن لا يُبنى على شيء توقع للمقبل. فالأنظمة القائمة في المنطقة ومنها السوداني، لا تتأثر بعديد الجثث كما يحصل في البلدان الغربية بفعل نظامها الديموقراطي ونشاطها الإعلامي القادر على حرف نسب التأييد صعوداً ونزولاً (إنما بمقدار مقبول). _____________________________ (السودانيون «لن يجدوا في اليمن إلا الموت». وهذه ليست شعاراً كتبه عنصر من «أنصار الله» على جدار في عدن، بل هذا ما سيلاقونه هناك). فالجميع في اليمن يقتل الجميع، والخندقة باتت فعلاً مؤقتاً مهما كان التحالف متجذراً وقديماً. كما يمكن أن يقال للخرطوم، إن اليمن ليس الكويت العام 1961 ولا بيروت العام 1976. الأمور هناك تشبه الى حد كبير جبهات الجنوب السوداني لأكثر من عقدين من الحرب الأهلية، مضافة إليها طبيعة جبلية لم يألفها السودانيون على الإطلاق في جبهاتهم وتمريناتهم. كما أن «نوعية» القوات التي ينضمون اليها، غير مطمئنة بفعل خبرتها البدائية في ادارة الحروب النظامية، فهذه باختصار حربها الأولى. لهذا، وبمعزل عن مدى مرونة حسابات الربح والخسارة عند القيادة السودانية، وبمعزل ايضاً عن الأثمان السياسية والاقتصادية التي دفعت بالخرطوم نحو قرار الانخراط بقوة في الحرب اليمنية، فإن المقبل من الاحداث سيكون فقط على حساب الشبان المشاركين في عديد القوات السودانية، التي يتوقع أن تكون ركيزة للعمليات الحربية في جبهات تعز والجوف الى جانب عناصر «حزب التجمع اليمني للإصلاح» («الإخوان المسلمون»)،الذين يتلقون كما النظام السوداني دعماً مباشراً من دولة قطر. لا أحد في عدن يستبشر خيراً بالآتي مهما كان، طالما ان العنوان هو دعم «عاصفة الحزم» أو مواجهة «العدوان السعودي»، حيث إن الفاتورة المصاحبة للقتال، ولدى الطرفين، تخطت قدرة المدينة الصغيرة على التحمل. وهي تعيش في الشهور الأولى «للتحرير» كابوساً «إسلامياً» لم تعتد عليه من قبل، ولم يكن اساساً من المكونات الرئيسية لنخبها السياسية والفكرية. فالمدينة صاحبة الموروث الاشتراكي وحتى الإسلامي «المعتدل»، تعيش اليوم على وقع الخطابات «الجهادية» المدوّية. وفي ظل أنظمة وتشريعات يومية تفرضها عناصر «القاعدة» المتمركزة في مقار الشرطة في قلب منطقة التواهي ومناطق اخرى كدار سعد وكريتر وخور مكسر والبريقة، كمنع تجول«السافرات»، وكذلك الفصل في المدارس والجامعات وإغلاقها نهائياً اذا ما تعذر الأمر. لذلك، فإن الحديث عن قدوم 6000 سوداني أو أكثر للحفاظ على أمن المدينة ثم استبدال المهمة بالقتال في تعز ومناطق أخرى، أكد ادارة الحرب السعودية – العربية في اليمن، غير مكترثة بواقع العاصمة. بل ربما تخطت حتى خيار اعتمادها عاصمة سياسية مؤقتة في ظل الحديث عن استئناف قريب للتفاوض المباشر بين الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي وحلفائه المحليين والإقليميين من جهة، وخصومه في صنعاء من جهة اخرى. ليس من المقبول أن يبقى النظام السوداني أسيراً لطبيعته «الإخوانية» أو حتى لفواتيره السياسية السابقة. فبقاء القيادة على حالها في الخرطوم كان له ثمن باهظ في البعدين الوطني والقومي، في تخلّيها عن جنوب البلاد. وها هي الآلة الإعلامية الحربية السودانية الرسمية تحوّل خطابها من «جهاد فرض عين» في مواجهة «الصليبيين» في الجنوب السوداني، الى «جهاد» آخر لقتال «الصفويين والمجوس» في الشمال اليمني. وهذا يفرض بطبيعة الحال سلسلة جديدة متكاملة من الأثمان السياسية والديبلوماسية وبالتأكيد العسكرية. وبمعزل عما سيلاقيه السودانيون من ويلات جبهات «الجبال البركانية»، فإن المقبل من أحداث وتغييرات في المنطقة، خاصة في طبيعة التحالفات، إن على المستوى العسكري او السياسي، يفرض على الخرطوم رؤية أكثر تروياً في قراءة المصلحة الآنية والمستقبلية. فلا شيء مضمون في الشرق الأوسط ما بعد «الربيع العربي». وبما أن المعركة لا تحمل بعداً عقائدياً وأخلاقياً شديد الثقل على «روحية» صناعة القرار في الخرطوم، فإن المسألة تحتمل إعادة تصويب للسياسة العامة وبالتالي إعادة قراءة لحسابات المنخرطين وطبيعة الأوراق التي يراهنون بها على طاولة الأزمة الكبرى.

 

*نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2015-10-23 على الصفحة رقم 17 قضايا وآراء