في الجزء الأخير من رسالة د. الواثق كمير لمالك عقار: ·         " معظم تجارب حركات التحرر المسلحة في أفريقيا فيما يتعلق بصنع التحالفات واستدامتها، لم تكن واعدة أو مشجعة أبدا، بل انهار معظمها، خاصة حينما يتعلق الأمر بالسلطة".

تحدى التواصل مع القوى السياسية وإنشاء التحالفات:

1. لا يمكن للنضال المسلح أن يحقق هدفه المتمثل في الإطاحة بالنظام بدون دعم سياسي من كل القوى السياسية العازمة على التغيير، بما في ذلك الاسلاميين بمختلف اطيافهم. يفترض إسقاط النظام، من واقع التجربة السودانية فى 1964 و1985، توافق وإجماع كل القوى السياسية. في عام 1995، عندما تم التوقيع على إعلان أسمرا للقضايا المصيرية، توحدت تقريبا كل القوى السياسية السودانية في الدعوة إلى “اقتلاع” النظام.  وبالمثل، ما كان للحركة الشعبية أن تدرك إستقلال جنوب السودان بدون الحصول على دعم جميع القوى السياسية السودانية للعمل المسلح وحق تقرير المصير.

2. ومع ذلك، فإن تشكيل الجبهة الثورية السودانية  ينم عن السعى لبناء تحالف من “القوميات المهمشة” التي يمثلها حاملو السلاح، في حين تدعو الجبهة كل القوى السياسية السودانية للانضمام الى صفوفها، و”رفض مسار التسوية السياسية الجزئية مع نظام حزب المؤتمر الوطني، واعتماد نهج شامل لتغيير النظام في مركز السلطة بالخرطوم”. ولكن، فى ظل الوضع السياسي الراهن، لا يوجد توافق فى الآراء بين القوى السياسية السودانية على هدف “إسقاط النظام”، من خلال العمل المسلح، من جهة، وإفتقار الجبهة الثورية لوضوح الرؤية والنهج  بشأن التعامل والتحاور مع هذه القوى في ضوء الاختلاف في الرأي حول طرق التغيير. فباستثناء التصريحات المعممة عن ضرورة التعامل مع القوى السياسية المعارضة، لم يتم تحديد أليات بعينها لهذا الغرض أو تحقيق نتائج ملموسة حتى الآن. كما أن قرار بعض الشخصيات المعارضة للإنضمام الى الجبهة لا يبدو أنه قد أتى بقيمة مضافة أو غيًر صورة الجبهة في أعين كثير من الناس، إذ لا يزال ينظر إليها كمنبر حصري للمهمشين على أساس عرقي وإثنى، أي أنه يعبر عن  “متلازمة الجنوب الجديد”.

3.  أما بخصوص وسائل التغيير، فقد أعلنت الجبهة الثورية عن إلتزامها بتكامل النضال المسلح مع العمل السياسى والمدنى. ولكن، منذ أيام التجمع الوطني الديمقراطي، فقد ظل هذا التكامل مجرد شعار وهدف بعيد المنال يفتقر إلى المنهجية الواقعية أو آلية للتنفيذ على أرض الواقع. فالجبهة لم تكشف النقاب عن أي استراتيجية واضحة في هذا الصدد.

4. ومنذ تشكيل الحركة الشعبية في عام 1983، كان هناك حوار حول الحاجة لجمع الشعوب المهمشة في منبر واحد، ولكن ليس بالضرورة في شكل تحالف منظم، مبني على أسس عرقية أو أثنية، يتبنى الكفاح المسلح. في رأيى، من المهم إعادة النظر في مفهوم “التهميش” بهدف تجاوز التعريف الضيق له على أساس العرق أو الإثنية، الذى يتجاهل الطبيعة المعقدة للمفهوم ومضامينه الاقتصادية والاجتماعية، والثقافية، وبالتالي يستبعد الفئات المهمشة الأخرى بما في ذلك العمال والمزارعين والمستأجرين الزراعيين والرعاة والمهنيين، إلخ..، في المجتمع السودانى. الى جانب ذلك، هناك قوى سياسية أخرى من المناطق والقوميات المهمشة لا تنتمى أو تؤيد الجبهة أو أى من الحركات المكونة لها وهذا بدوره يطرح السؤال: كيف يتم النظر إلى، والتعامل مع هذه القوى، وما هو شكل التواصل المقترح معها؟ أم سيتم صرف النظر عن هذه القوى ونبذها بإعتبارهم مجرد أتباع موالين للمؤتمر الوطني؟

5. هناك توجس وتحفظات وسط كوادر الحركة الشعبية-شمال، والذين أعربوا عن عدد من الهموم والشواغل المشروعة، بما في ذلك:

  • ·         هناك شعور بأن الجبهة الثورية أصبحت تشكل بؤرة صنع القرار، وبالتالي المساس والمساومة باستقلال الحركة وقدرتها على تقديم المبادرات. وتجدر هنا الإشارة إلى قرار الجبهة الثورية، منذ تشكيلها الأول فى أغسطس 2011، بعد شهرين فقط من بداية المواجهات فى كادوقلى، فى يونيو 2011، القاضى بإسقاط النظام، مستبقا عمل ومخرجات اللجنة المكلفة بمهمة تحديد موقف الحركة بشأن التعامل مع النظام الحاكم. وللمفارقة، نلاحظ أيضا الإحباط بين مؤيدي الحلفاء، من الحركات الدارفورية، الذين يشعرون أن المواقع القيادية السياسية والعسكرية الرئيسة في الجبهة الثورية محتكرة من قبل الجيش الشعبي، وكأنهم ليسوا شركاء على قدم المساواة، بل يحسبون كــــــ”أصحاب البطل”
  • ·         وفى صلة بما سبق، فإنه ينبغى على الحركة الشعبية أن تشرع فى مهمة تنظيم بيتها داخليا، من خلال التوافق على هيكل تنظيمي واعتماد الرؤية والبرنامج، بوصفه الأولوية القصوى قبل محاولة الدخول في تحالفات والقبول بهياكل موحدة للقيادة العسكرية والسياسية. وهكذا، ينظر إلى الجبهة الثورية كتحالف بين الجيش الشعبي، في جنوب كردفان والنيل الأزرق، فقط، وليس الحركة الشعبية شمال ككل، والحركات المسلحة المتمركزة في دارفور.
  • ·         هناك جدل، وسط الكوادر، حول جدوى الجبهة الثورية في ضوء تضارب أجندة الحلفاء، وتنافر البرامج السياسية، التباين فى التطور التاريخي، والقواعد الجماهيرية المختلفة. وينعكس هذا كله في الرسائل المتناقضة والتصريحات التي أدلى بها المتحدثون باسم حركة العدل والمساواة وفصيلي حركة تحرير السودان.
  • ·         ويعتبر التحالف مع الجماعات المسلحة في دارفور بمثابة تمهيد لزيادة الاستقطاب على أسس إثنية ومناطيقية. ويعتقد كثيرون أن هذا الاستقطاب يمكن أن يكون حقيقيا، وليس مجرد تلفيق أو فزاعة من قبل المؤتمر الوطني لقمع أى انتفاضة شعبية ضد النظام. وفى الواقع، هناك حوداث مرصودة ومقالات رأي منشورة، بالإضافة إلى قراءات المراقبين المطلعين، في هذا الصدد. لا شك، أن الحرب تركت بصمتها على العقول والسلوك، وستفضى إلى مزيد من الكراهية والعداء بين أولئك الذين شعروا بالخيانة في جنوب كردفان والنيل الأزرق، من جهة، ورفاقهم في بقية السودان، من جهة أخرى.
  • ·         وعلاوة على ذلك، فإن معظم تجارب حركات التحرر المسلحة في أفريقيا فيما يتعلق بصنع التحالفات واستدامتها، لم تكن واعدة أو مشجعة أبدا، بل انهار معظمها، خاصة حينما يتعلق الأمر بالسلطة.

 

الحركة الشعبية- شمال: الطريق إلى الأمام

1. أرى أن الأولوية الفورية والملحة هي عقد اجتماع لمناقشة كل الخيارات المتاحة، والنظر في البدائل المتوفرة، وعلى رأسها وقف الحرب والتوصل لتسوية سياسية عادلة، كشرط أساسى للتغيير. وقد أيدت جميع القوى السياسية السودانية، والمجتمع الإقليمي والدولي، التفاوض كأداة سياسية من أجل تسوية سلمية للنزاع. وتم اعتماد التفاوض كأداة سياسية لتسوية سلمية للنزاع، فى المؤتمر العام الأول للحركة الشعبية فى مارس 1994، وأعيد التأكيد في وقت لاحق من قبل التجمع الوطني الديمقراطي في عام 2001. ولعلك، تذكر أنه عندما تعرض الراحل د. جون قرنق للإنتقاد بسبب قبوله التفاوض مع نظام الإنقاذ، كان دائما يرد بقوله “لساني هو جزء من أسلحتى، فلماذا أحرم نفسي من هذا النوع من السلاح”. ويتماشى هذا التوجه مع القرار الأخير لمجلس السلم والأمن للاتحاد الافريقي حول النزاع في المنطقتين، الذي اعتمد في اجتماعه رقم 319، 24 أبريل 2012، فى الوقت الذى كنت فيه على وشك الفراغ من صياغة هذه الرسالة.

2. يعيد القرار التاكيد على “قناعة مجلس السلم والأمن الافريقي بأنه لا يمكن أن يكون هناك حل عسكري للنزاع في جنوب كردفان والنيل الأزرق، وبالتالى، يشدد على الحاجة الملحة لإيجاد حل سياسي متفاوض عليه، على أساس احترام الوحدة فى التنوع. كما طلب المجلس من “حكومة السودان والحركة الشعبية-شمال توسيع التعاون الكامل مع الآلية الأفريقبة رفيعة المستوى، ورئيس هيئة الإيقاد، للتوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض على أساس الاتفاق الإطاري بشأن الشراكة السياسية، والموقع بين حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية-شمال، والترتيبات السياسية والأمنية في النيل الأزرق وجنوب كردفان. ومع ذلك، يظل الهدف النهائي للحل السلمى هو بناء تيار وطنى عريض يشكل بديلا صالحا للنظام، وهي مهمة تتطلب مشاركة واسعة وحوار صريح وجاد وسط وبين جميع القوى السياسية السودانية، لا يستثنى أو يقصى أحدا، والإتفاق على الآليات الضرورية واللازمة لتحقيق التوافق الوطنى على القواسم الوطنية المشتركة.

3. قصدت من رسالتى هذه تسليط الضوء على التحديات المتعددة التي تواجه الحركة الشعبية-شمال  وتقديم التحليل السياسي الرصين للأوضاع  العامة في السودان، في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البلاد المعاصر. وقد جاءت الأفكار المطروحة فيما يتعلق بالحركة الشعبية-شمال كنتاج لسلسلة من المناقشات والحوارات مع عدد من كوادر ومحبي الحركة في أماكن مختلفة، وبخاصة في الخرطوم، والقاهرة ولندن. وللتأكيد، فإنه في ضوء حل جميع الهياكل المؤقتة للحركة الشعبية-شمال، يبدو أن هناك حاجة ماسة لعقد لقاء تشاوري يجمع عدد من قيادات والكوادر، على الأقل، أولئك الذين هم خارج البلاد ويتمتعون بحرية التحرك. ويهدف هذا الاجتماع إلى التفكير والتمعن في هذه التحديات، وكيفية مواجهتها، وإعداد خارطة طريق لإعادة الهيكلة التنظيمية للحركة، فضلا عن رسم الطريق إلى الأمام، مع افساح بعض الوقت لإتاحة مشاركة خبراء مختارين من مناصرى مشروع السودان الجديد، بغرض إثراء النقاش والمداولات، وهكذا المخرجات المتوقعة. إذا تم قبول هذا الاقتراح، من قبل القيادة، يمكن مواصلة مناقشة تفاصيل الاجتماع لاحقا.