صلاح شعيب بين كل فترة وأخرى تتعقد مشاكل البلاد أكثر فأكثر. ففي كل يوم يمر يسعد قادة الحكومة بنجاح أفخاخهم، وتمكنهم من إقصاء بقية السودانيين عن شؤون الحكم، بينما يتزايد الإحباط لدى بعض المعارضين، وعامة المواطنين.

ومع ذلك لم يخب الأمل لدى كثير من الناشطين بأن لكل نظام ظلم نهاية. والحقيقة أن بناء الأوطان ليس مسألة ميسورة. إنها عملية تراكمية تحتاج إلى عقود إن لم تكن قرونا. والسودان الحالي يعد حديث التكوين لو قارنا واقعنا بجارتينا في الشمال والشرق. ويصح القول إنه طوال الخمسين عاما الماضية تعايش بلادنا أوضاع الانتقال من مرحلة سلطة العشائر إلى مرحلة سلطة المجتمع الحديث. ولا يغرن قاعدتنا المتعلمة في المدن أن مجتمعنا قد بلغ طورا من النضج “السياثقافي” مثلما هو واقع حالهم، وهذا النضج نفسه ليس كافيا لبناء الأوطان إن لم تكن ضمائر النخبة حية، وصوتها غير خافت في لحظات الشدة. 

فاذا تركنا مجتمعنا المديني الذي تقل فيه النخبة الواعية، فالريف السوداني ما يزال إلى الآن يعيش حياة متخلفة، وهو الذي نعتمد عليه بنسبة أكثر من خمسين من المئة في اقتصادنا التقليدي الذي يقوم على دعامة الرعاة والمزارعين. وإذا كانت المدن السودانية قد حققت حتى قبل مثول الإنقاذ طفرات تعليمية، واجتماعية، نسبية، إلا أنها تريفت لا بسبب ضعف خدماتها فحسب، وإنما أيضا بسبب مفاهيم جهوية جديدة بعد تطبيق سياسة الحكم اللا مركزي في العقدين الماضيين. ولعل هذه السياسة نفسها ضربت العاصمة القومية التي استشرت فيها مظاهر القبلية الصارخة التي دعت الحكومة نفسها إلى التضييق على الجمعيات، والروابط الإقليمية، التي صارت الصوت الأعلى في أمدرمان، والخرطوم، والخرطوم بحري. وكنا كتبنا من قبل مشيرين إلى أن مصائر هذه المدن ليست الآن تحت مسؤولية أبنائها، بل إن كثيرا من ممثلي برلمان الخرطوم فرضتهم محاصصات قبلية خارج المكون الاجتماعي التاريخي لهذه المدن. ولاحظنا أبناء أمدرمان يسقطون في دوائرها، أما الذين هربوا من سوء خدمات قرى الأقاليم فهم معتمدوها وولاتها، ومشرعوها، ووزراؤها. هذا يعني أن الموازنات التي تحكم إدارة العاصمة القومية اليوم تقوم على مرجعيات ريفية يتعهدها أبناء الأرياف التي هرب منها أبناؤها، وبالتالي تكون النتيجة المزيد من الترييف الجهوي في إدارة الشأن القومي.  

صحيح أنه في كثير من الأحيان تتصاعد الأحلام القومية للناشطين في الثقافة، والصحافة، والأدب، والفن، والسياسة، ومنظمات المجتمع المدني المتخصصة. ولكنهم كثيرا ما يصطدمون، من حيث لا يتوقعون، بثقل التقعيد الجهوي، أو المناطقي، أو القبلي، الذي يسم أحيانا عقل الذين ينتجون هذه التحركات اليومية من أجل التغيير. فغالب نخبنا المثقفة، أو المتعلمة، ما تزال عاكفة مسايرة عقلها العشائري، وأجندتها الانتهازية، وإن سعت لتجاهل هذا العقل الضيق اليوم استبطنته لغد آتٍ، لحظة أن يكون محك الوجود المناطقي محكا حقيقيا.

والقومية في تحركات المتعلمين، والمثقفين، هي حجر الزاوية، ولا منجاة منها، وبالعدم الطوفان. ودونها ستتكسر أجندات كل الذين يستبطنون المنفعة الجهوية، سواء الذين يناضلون سلميا، أو عسكريا. فالسودان الحالي هو أنسب مثال لكيفية تغلف شؤونه القومية بالفكر الجهوي. ولكن لن تحل معضلة البلاد إلا بتنازل النخب المتعلمة عن أفكارها الجهوية الضيقة لصالح مشروع دولة قومية. وبلد مثل السودان لا تستطيع إثنية واحدة، أو قبيلة ما، أن تتحكم فيه مهما أوتيت من دعم لوجستي في ظل إقصاء الآخرين. 

وما ضر البلاد شيئا مثل غياب الرجال، والنساء، الذين، واللائي، يخلصون لفكر القومية السودانية ووضع مصالح كل السودانيين في أفئدتهم. والحقيقة المرة أن هناك قلة قليلة جدا من المثقفين الذين يتصدون لمشاكل مناطق هي غير التي تحدروا منها. والملاحظ أن كل أبناء منطقة يقومون بالدفاع عنها وحدهم ونادرا ما يكون هناك تضامن حقيقي من مناطق أخرى، وإن وجد فهو صوري في كثير من الأحييان. والمؤكد أنه إذا حدث ذلك في الماضي لما انفصل الجنوب، وتعمقت الحرب مناطق الهامش بينما تدفع المناطق الأخرى فاتورة هذا الخطوات القبلية المستترة بالشأن القومي. والحقيقة أن هذه الأوضاع التي نعايشها الآن عن استقالة الحكومة عن دورها المفترض، وضعف العمل المعارض بما لا يخفى، عائد بدرجة أولى إلى ثقافة مناطقية تعيش في ذهن معظم الذين يديرون المشهد السياسي. 

وما من شك أن استمرار سياسات الإنقاذ مرده إلى توطين القبلية في سياستها. وهذا الأمر خلق رد فعل تجاه المتظلمين الذين استعانوا بقبائلهم للرد عليها، وهكذا نهضت حركات مسلحة في الجنوب، والغرب، والشرق، تقوم غالب عضويتها على خلفيات جهوية وإن حاولت تقديم طروحات قومية. ولكن هذه المقاومة المسلحة وظفتها الحكومة لتحريض القبائل الأخرى، والتي سلمتها زمام الأمر السياسي في مناطق محددة فيما وظفت أبناءها لمواجهة هذه الحركات المسلحة عسكريا. 

للأسف الشديد أن المواطنين في هذه المناطق دفعوا ثمنا غاليا، بل تشردوا، وصاروا لاجئين، وكذلك انعدم أمنهم حتى فقدوا مراعيهم، وشحت فرص رعاية زراعتهم، وصار اغتصاب فتيات القرى أمرا يوميا لا يشغل الرأي العام كثيرا. هذا الوضع المقيت الذي تعانيه مناطق النزاع لا يختلف كثيرا عن الأوضاع في مختلف أرياف السودان الأخرى. فالريف في بقاع السودان جميعها صار بلا خدمات أو سكان يزاولون فيه الإنتاج. فإذا كان الشباب المنتج في المدن لم يجد عملا شريفا، وفضل الهجرة بالملايين، فما بالك بمدن، وأرياف، السودان الأخرى. وآية الوضع هناك أن كوادر المؤتمر الوطني تقضم كل هذه الميزانياتالريفية الشحيحة، وتضيف على من ينتجون تقليديا أعباء ضريبية ما أنزل الله من سلطان حتى يسيروا نشاطهم الحكومي الذي لا يغني، ولا يسمن من جوع. الأكثر من ذلك فإن الريف صار موبوءً بالأمراض الجديدة، بسبب دفن مخلفات مسرطنة من بلدان أخرى، بينما الرأسمالية الطفيلية عابرة الحدود تسرق خيراته، وتستثمر في أراضيه الخصبة التي تركها السكان الأصليون.

بطبيعة الحال لم يعد الإسلاميون يتحملون مسؤولية هذه الأوضاع منذ حين. فهم معنيون بدرجة أولى بالمحافظة على السلطة تحت أي ثمن، وبأي ذريعة، ومهمومون بتوفيق أوضاعهم الخلافية، وإعادة وحدتهم السابقة للمفاصلة. وهكذا يعتقدون أنهم أذكى في استدامة أوضاع الاستبداد، وذلك عبر تفتيت المكونات المجتمعية للبلاد، والضحك على عقول المجتمع المحلي والدولي.

أمام هذا الوضع لا تبقى المسؤولية فقط ملقاة على عاتق المعارضة المنظمة وحدها. فعلى كل عاقل وحريص على حاضر ومستقبل البلاد أن ينهض بمسؤولية وطنية، وأخلاقية، لمقاومة استبداد السلطة، والجهر برأيه ضد هذه الممارسات، وإلا سيُصبِح الصمت تواطأ، وما أكثر الصامتين من النخبة، وعامة الشعب. على أن ذلك وحده لا يفيد ما لم يتخل الناشطون عن الاستقطاب الجهوي الحاد، وتحقيق وحدة العمل المعارض بتقديم التنازلات هنا وهناك لصالح مشروع بناء الوطن. وإلا فالطوفان سيغرق البلودات جميعها فوقا ما هي عليه من غياب خدمات، وسرطانات، وأشعة ذرية، وغياب أمن، وأوبئة مستوطنة، وسوء تغذية،  وحالات اغتصاب، واقتتال يومي.