عيسى إبراهيم * * كان المرمى والهدف والغاية المرجوة في ذهن المشرفين على تعليم البنات في مديرية كسلا عاصمة المديرية الشرقية آنذاك في بواكير فجر النصف الثاني من القرن العشرين من اختيار فتاة في متوسط عمر الطفولة في سن الثانية عشرة متعلمة تجيد القراءة والكتابة والحكي "الحُجا"

وتلعب الحجلة لا تزال هو اغراء وجذب وجلب مماثلاتها في العمر إلى سوح التعليم إذ نفرن منه ليس بطوعهن وإنما نتيجة فهم خاطئ وجهل بمرامي تعليم الفتيات لما قر في البيئة والتطبع الاجتماعي من قيم سالبة عن تعليم المرأة تقول المربية الفاضلة عرفة كيلاني “ست تمبوشة واللقب له قصة سنأتي إليها بإذن الله”: “والحكمة من اختياري في هذه السن الصغيرة حتى أكون قدوة لقريناتي في السن ولترغيبهن في التعليم”!.

* “تمبوشة” إذن هي عرفة كيلاني إبراهيم شنقال *، ولدت في يوم 31 ديسمبر 1939 ميلادية، وتلقت تعليمها الأولي بمدرسة كسلا الأميرية الأم ، الحلنقة، “لبابة”، وكانت مديرة المدرسة آنذاك هي المربية الفاضلة فاطمة محمد شعرون، تساعدها في التدريس المربيات “نور عبدالله محمد صالح، وعائشة مجذوب”، وتبدأ القصة عندما طلب الأستاذ عبد القادر أوكير مدير التعليم آنذاك (مقره بمدينة بورتسودان وهو من مواطني مدينة طوكر وكان يأتي إلى مدينة كسلا بقصد التفتيش) من فاطمة شعرون أن تعطيه طالبة من طالباتها تثق في أنها تصلح أن تكون مدرسة بمدرسة المواني “مدرسة ديم التجاني” الأولية، (والحكي على لسان ست تمبوشة): وكنت أنا المختارة وكنت في السنة الرابعة الأولية، وقالت له المديرة فاطمة شعرون: “هذه البنت بمثابة ذراعي الأيمن وقد أعطيتك إياها”، وتم تعييني في بداية الخمسينيات (1951)، وعمري لم يتجاوز الثانية عشرة!.

* تم تعييني (تقول عرفة كيلاني) في مدرسة ديم التجاني الصغرى (وهو حي معظم سكانه من المديرية الشمالية)، وكانت تدير المدرسة الأستاذة أم الحسن من مدينة عطبرة كأول مديرة لها، وصحبتني أمي “التبري بقراي الشيخ شنقال” لرعايتنا، وقد تركت والدها وأخوها الكبير “العوض”، وأخذت معها أختي وشقيقتي الصغرى كنونة (كنونة تسكن الآن بالميرغنية)، وأخي الأصغر “يعقوب”، وفي مدينة بورتسودان تم استقبالنا من محطة القطار وأعطي لنا منزل بديم التجاني (سكنت في المنازل الشرقية لمنزل الملاحظ وجاورنا دكتور فرافيشو وعز الدين مالك وعبد الحق والحاج عبد الحفيظ أبو بانقا)، وتم تحديد غفير لحراستنا، وللمفارقة وصغر السن كنا نلعب الحجلة ونط الحبل.

* تواصل عرفة حكيها عن تلك الفترة المبكرة: ” حينما ذهبت للتدريس بمدرسة ديم التجاني لم أكن قد حصلت على الشهادة الابتدائية وكنت في السنة الرابعة الابتدائية، (التحقت زميلاتي بكلية معلمات مدني لتمضية ستة أشهر بها لينلن تأهيلهن كمعلمات بعد انقضاء فترة الستة أشهر بالكلية)، أول تأهيل تم لي بمدرسة العروبة ببورتسودان (على النظام المصري) ونلت منها الشهادة الاعدادية ما يعادل المرحلة المتوسطة آنذاك، بعد تمضية أربع سنوات بديم التجاني غادرت المدينة الحبيبة، والحي الحبيب، إلى مدينة القضارف، حيث واصلت التأهيل بمدينة القضارف، على نظام ورش العمل، بإشراف بابكر محمد أحمد القاضي مدير التعليم الابتدائي في المنطقة الشرقية، ثم حصلت على ثلاث دورات في مدينة شندي في العام 1969 ثم كلية معلمات الأبيض “سنة دراسية” في تعليم الصغار، ومحو الأمية الوظيفي، والتربية العامة. مس كلارك (ms Clark) هي عميدة كلية أم درمان للبنات في زمن الاستعمار الانجليزي وكانت تقوم بأعمال التوجيه والتفتيش في ذلك الزمان”!.

* تقع مدرسة ديم التيجاني شمال الحي العريق المنسوبة إليه المدرسة “ديم التيجاني” وتتكون من ست غرف كبيرة وتنقسم إلى قسمين متعادلين بنين وبنات، وسميت بالصغرى لأنها كانت تتكون من ثلاث سنوات دراسية للبنين والبنات وكانت الطالبات والطلاب يسافرون إلى مدينة كسلا لأداء امتحان اجتياز المرحلة الصغرى للمرحلة الأولية، حيث يكملون المرحلة الابتدائية (الأولية) ومن ثم يمتحنون من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة المتوسطة (أربع سنوات)، ثم يعقد امتحان اجتياز المرحلة المتوسطة إلى المرحلة الثانوية (أربع سنوات أيضاً) ثم يلي ذلك امتحان الشهادة الثانوية لدخول جامعة الخرطوم (الجميلة ومستحيلة) آنذاك. أدار قسم البنين في تلك الفترة الأستاذ أحمد الطاهر (من أهالي بربر) وعاونه الشيخ صديق محمد صالح النضيف، كما أدار قسم البنات في نفس الفترة الأستاذة أم الحسن (من عطبرة) تعاونها ست “تمبُوشة”..

* شقيقتي الكبرى مرضية إبراهيم “تنس” تلقت بدايات تعليمها على يد المربية العظيمة عرفة ولها ذكريات لا تنسى عن تلك الفترة (تقول مرضية): كانت أمي تلاحظ تغييراً في لهجتي فقد بدأت في التحدث بـ “حَ أعمل الواجب”، وأتحدث عن “فستان المدرسة” بدلاً عن “جلابية المدرسة” مما عدته والدتي انحرافاً عن الجادة والسلوك القويم وقر في ذهنها أن التعليم – حسب تعبيرها – “بيخرب البنات”، وكانت كلما تحدثت تردد في غضب: “حَ حَ حَ: الترابَا دي في خشمك”!.

الألقاب ليه؟:

* أفادتني الأستاذة “عزيزة” شقيقة اللواء (معاش سجون) عوض محمد يس (يرحمه الله) أن ست “تمبُوشة” المقيمة حالياً بمدينة كسلا في حلة الخمسة “قريب من الجمارك”، وشقيقتها تدعى “كَنُّونة”، ولها أشقاء هم “دُقَّة” و”يعقوب”، وكانت أمهم “التبري” درجت على اطلاق الألقاب على ابنائها لاخفاء أسمائهم خوفاً من اختطاف الموت لهم، فسمت تمبوشة وكنونة ودُقَّة!.

* (أدين للدكتور عبد الرحمن “حجة” نائب عميد كلية التربية – كسلا (آنذاك) في حصولي على هذه المعلومات القيمة من المربية الفاضلة عرفة كيلاني فلهما مني جزيل الشكر).      

* eisay@hotmail.com