خالد فضل ست وعشرون عاما من التجريب المتواصل ,هي السمة الأبرز في عهد الحكم الاسلامي في السودان ,منذ أن كان السيطرة على الحكم حلما يراود عرّابهم الترابي ,فلما أتاه وقت تحقيق الحلم لم يكلفه الأمر عسرا ؛ 

فقد تمكّن من الانقلاب على النظام الديمقراطي المنتخب عن طريق خدعة بسيطة وتمويه كثيف بعد إثارة غبار داكن أحال صورة النظام الديمقراطي الى مسخ مشوه في أذهان ذات الجماهير التي تدافعت قبل ثلاث سنوات فقط من تاريخ الانقلاب الى صناديق الإقتراع الحر السلمي بعد أن كانت هذه الجماهير قد افتقدت هذه الممارسة لفترة ستة عشر عاما حسوما سادها عهد ثورة مايو الظافرة المنتصرة أبدا كما كانت تقول الخطب الحماسية طيلة عهد المرحوم جعفر النميري .

تدافعت الجماهير في طوابير طويلة في معظم أنحاء السودان للتصويت لصالح مرشحي أحزابها , وكما هو معلوم كانت الغلبة لصالح حزب الأمة بقيادة السياسي المخضرم الصادق المهدي الذي كانت شعارات مؤيديه تشق عنان السماء  ب(الله أكبر ولله الحمد , لن نصادق غير الصادق), وقتذاك لم يك علي عثمان شيئا مذكورا في وعي الجماهير , ولم يك نافع علي نافع رمزا , ولم يصبح أمين حسن عمر مفكّرا استراتيجيا لا غنى للسودان عن خدماته القيادية الجليلة , كما لم يكن في وعي الجماهير أنّ ربيع عبد العاطي وكمال عمر سيصيران معبرين عن تطلعاته كخبراء مميزين مثل صاحبهم معتمد الحصاحيصا اللذي آثر عقد جامعة طيبة في السعودية على هموم موية قرية طيبة ريفي الحصاحيصا !  لا بل لم أحد قد سمع ب (عمر البشير) غير دائرة محدودة من أهلنا بصراصر وحوش بانقا عندما يسترجعون ذكرى أبنائهم (الظباط في الديش).

لقد تولى حسين خوجلي والمرحوم محمد طه محمد أحمد وثلة من شباب الإعلاميين يومها مهمة التهريج السياسي , وصارت الصحف الاسلامية تنشر في دعاياتها القاتلة حتى تمكنت من تسميم الأجواء تماما وصار عامة الناس ينتظرون الفرج على يدي ديكتاتور , ولأنّ غاية الإعلام الدعائي هي الضخ في اتجاه واحد فقد غيّب عمدا أنّ الشعب في يديه تغيير الحكومة عبر الانتخابات والمظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات السلمية , وانطلى التغييب حتى على سياسيين قياديين في أحزابهم مثل المرحوم الشريف زين العابدين الهندي الذي قال في الجمعية التأسيسية ناعيا الديمقراطية ب (لو شالا كلب ماف زول بقول ليهو جر) , ما هذا اليأس سيدي الهندي تغمدك الله بواسع رحماته ,فقد شال الديمقراطية , والوطن بالضرورة ؛ جماعة من السودانيين جعلوا من أخطاء التجربة الديمقراطية اليسيرة معضلات لا فكاك منها , فما الذي سيعيد لحمة الوطن موحدا مثلما كان في عام الشؤم ذاك ؟  ..

ما الذي سيعيد الخدمة المدنية لوائحا وقوانينا وبعض سيستم ؟ ما الذي يخلّص الجيش من براثن المليشيات وعقابيل القبلية التي إعترف بهيمنتها بعض قادة جيش الإنقاذ في ورشة عمل عقدوها مؤخرا في أكاديميتهم العسكرية بأم درمان (التغيير الالكترونية 26اكتوبر 2015م), ما الذي يعيد جهاز الأمن للوطن وليس لحماية الفساد ورموزه وجهاز الشرطة للمواطن وليس حارسا للنهب والسلب ومنفذا لأوامر القتل والترويع وإغراق الأطفال في مياه النيل , ما الذي يعيد لأرض الشمالية عذرية الرمال التي صارت مدافنا للنفايات السامة حسبما أعلن مدير هيئة الطاقة الذرية السابق في ندوة عقدت مؤخرا في قلب الخرطوم , عندما أعلن الدكتور الهمام عن دخول 60برميل مواد مشعة ضمن واردات معدات وتجهيزات تشييد سد مروي , تم دفن 40 برميلا منها على طريقة دفن الليل أب كراعا برّه , وبقيت 20منها في العراء تلفحها أشعة الشمس تتطاير بسمومها رياح العتامير فتنزل على أهلنا هناك مطر الحزن عاود هطل جدد عذابات مرضى السرطانات , ومديرو ووزراء الصحة يستصرخون الضمائر إنْ كان أحدها صاح , ويزودون الصحفيين بأرقام مروعة عن الضحايا الجدد كل صباح جديد بما يصل لألف شهريا , على أرحم التقديرات

  ما الذي لم يجربه الاسلاميون على رؤوس اليتامى من جماهير السودانيين ؟ وقد بلغت معدلات الهجرة أرقاما غير مسبوقة وبشتى السبل , شرعية وغير شرعية , بعقودات عمل وأذونات زيارة , وطلبات لجؤ , أو بصفقات مع المهربين عبر الرمال والجبال والأسلاك الشائكة وأمواج البحار المالحة من البحر الأحمر والأبيض الى بحر الصين ؟ ما الذي لم يجربوه , الإحتكارات لكل الموارد والوظائف والإعلام والنشاط السياسي ومنظمات المجتمع المدني , والثروات من النفط للذهب وحتى إبل البطانة وأبقار الفريزيان الهولندية في مزارع السليت وردة قمح (سين), ما الذي بقي ومشروع الجزيرة درة ومعجزة الهندسة ونظام الري البديع قد صار أثرا بعد عين , والتعليم ومخرجاته صارت سكاكين في أحشاء الأساتذة الجامعيين , وتهديد لمديري الجامعات بالمسدسات في الجامعة الأهلية , وإعدام المخالفين تعزيرا في جامعة القرآن الكريم كما في قضية الطالب الذي اغتاله زملاؤه الإسلاميين بمكاتب اتحاد جامعة الكتاب المقدّس عند عامة المسلمين , بينما خواص الإسلاميين يتخذونه عدة شغل , ورقائق تحمي من المسائلة عند (سندس ) وفشل السنين .

لم يبق ما لم يجربه الاسلاميون من أكاذيب ودعايات وأوهام وأباطيل , وممارسات لم تخطر على بال بشر من غير المجرمين , فما الذي بقي لهم من مزعة لحم على وجوه فكرهم السقيم ومنهجهم الحطيم وممارساتهم البغيضة , فيعود نافع متحدثا في ندوة جماهيرية كمان بلغة لحس الكوع والسافوتة , ويجد عند المطبلين التصفيق , بينما علي عثمان بلسان الواعظينا يريد رعاية الأيتام فتأمل يا هداك الله في طول هذا الليل البهيم .