خالد التيجاني النور ،،ها نحن بعد أن شهدنا عصر التحلل من فساد نهب المال العام، نشهد الآن اختراع التحلل من سفك الدم الحرام،،

تواترت في صحف الأمس عبارة على لسان السيد وزير العدل في بيانه أمام المجلس الوطني تقول إن شهداء سبتمبر “لم يُعرف لهم قاتل” ولذلك فإن على الدولة الاكتفاء بتحمّل دفع ديّات لذويهم، ولكم ودّدت لو أن السيّد الوزير لم يقل هذه العبارة، بل وتمنيّت أن تكون الصحف أخطأت في نقل إفادته، خشية ان يتبدد أمل راود الناس أن يأذن عهد الوزير الجديد بنهاية “تسييس العدالة” الذي أنتجته كارثة التمكين”، إلا يكن فذلك مأزق كبير يكشف مدى وحجم أزمة اضطراب ميزان العدل في بلادنا.
ويزداد الأمر، ضغثاً على إبالة، إن كان هذا الحراك الرسمي المتأخر في هذه القضية تدفعه تجنب غوائل الضغوط الخارجية التي تتعرض لها الحكومة في مجلس حقوق الإنسان ومحاولة تحسين صورتها في تقارير الخبير المستقل المعيّن من قبله لمراقبة حقوق الإنسان في السودان، نحو ما ينبئ به مضمون البيان الذي احتشد بذكر العامل الخارجي، وليس لدواعي تحقيق العدالة التي تأخرت إقامتها لأكثر من سنتين دون أية مبررات موضوعية لهذا الإبطاء.
فقد قال السيد وزير العدل إن أربعة حالات من بين ثلاثة وثمانين قُتلوا بالرصاص وُجهت فيها اتهامات لأشخاص بعينهم استناداً على شهود عيّان، اتضح أن بعضهم يعمل في قوات نظامية “وهناك من قُدم لمحاكمة وهناك من لم يُقدم ولدينا بيّنات في مواجهتم ونحن نعمل على طلب رفع الحصانه عنهم والعمل على تقديمهم للمحاكمةإذن حسب إفادة السيد وزير العدل هذه ان المشكلة ليست أنه لم يُعرف لهم قاتل، بل أن هناك متهمين محددين لا يزالون يتمتّعون بالحصانة، وهو ما يعني أن العدالة لا تأخذ مجراها لسبب أخر لا علاقة له بعدم معرفة الفاعلين.
مأزق الحكومة الحقيقي أنها مشغولة ب”تجميل” صورة العدالة وليس تحقيقها لأنها تخشى تكاثر الضغوط الغربية الهادفة إلى إعادة إدراج مسألة حقوق الإنسان في السودان في البند الرابع أو الثاني من أعمال مجلس حقوق الإنسان التي تعني الرقابة المباشرة أو الرقابة اللصيقة، ولكن أليس أولى بحكومة ترفع شعارات إسلامية ألا تحمي سافكي الدماء بغير حق وهي تعتبر أن “حقوق الإنسان أمر عقدي وديني تسعى الدولة أن يكون الهم هو إرساء هذه الحقوق ومنع انتهاكها” كما ورد نصاً في بيان وزارة العدل، وهل من انتهاك أكثر مغبة من إزهاق أرواح كل هذه الأنفس في رابعة النهار في قلب عاصمة البلاد، ثم يُقال أنه لا يُعرف لهم قاتل.
قد يجد الساسة مجالا للتلاعب بالشعارات كما يشاؤون إلا أن هذه الرفاهية لا يجب أن تكون متاحة أو مقبولة في ميدان العدالة، فنحن لسنا أمام مغالطة سياسية تقبل الجدل والمماحكة، فقضية العدالة هي جوهر الإسلام، وهي مسألة لا تقبل القسمة على اثنين، والذين يخشون العودة للبند الرابع ألا تقلقهم العودة إلى الواحد الديّان “يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها”، أم لا يأبهون لفعل التطفيف”ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم”. وها نحن بعد أن شهدنا عصر التحلل من فساد نهب المال العام، نشهد الآن اختراع التحلل من سفك الدم الحرام.