عبد الله الشيخ حتى هذه اللحظة، مازالت المعلومات شحيحة، والسفارة السودانية في القاهرة رأت حل الأزمة وراء الجدران ، بينما أكد وزير الخارجية المصري سامح شكري، إنه لا يوجد أي تمييز سلبي ضد السودانيين في مصر، 

وذلك بعد نحو أسبوع من مذكرة قدمتها سفارة السودان في القاهرة، بشأن معاملة سيئة لسودانيين هناك..قال شكري خلال استقباله لسفير السودان في القاهرة، إن السودانيين يقيمون في مصر باعتبارها وطنهم الثاني، وإن أي إجراءات تتعلق بمخالفات قانونية يتساوى فيها المصري والسوداني.

إذن لماذا وكيف تفجّرت الأزمة الأخيرة؟ ليست هناك معلومات “حقيقية” يمكن الاستناد عليها، لكن ما حدث هو أن بعض الأعيان ، من غير الرسميين ، تلبّستهم  نخوة فُجائية” تجاه كل ماهو سوداني في مصر، فأسهبوا في الحديث عن فواجع سودانية في القاهرة.. ربما يمتلك هؤلاء  تفاصيل غير مُتاحة للعوام، لكن الفواجع التي أثارت “غيرتهم الوطنية” لم تكن أفظع من صمتهم على حادثة فض إعتصام اللاجئين في قلب القاهرة،، ولا هي أفدح من مَقاتِل السودانيين في ليبيا،إلخ ،، إلخ ..

ولكنهاعظيمة..عظيمة جداً،هذه النّقلة النوعية في مشاعر الأعيان، تجاه أبناء المهاجر..ففي مصر وحدها هناك نحو 4 مليون مهاجر سوداني، حسب احصائيات متداولة منذ عهد مبارك… وما هو الربيع العربي،إن لم يتمثّل في هذه الموجة السمراء في وسط البلد؟ فأعداد “أبناء النيل” هناك،أكبر من جحافل السوريين المُهاجرة عبر ألبانيا والمجر إلى فراديس الاستكبار! ما هو متاح من معلومات، أن الأزمة أطلت براسها، إثر مضايقات الشرطة المصرية لسودانيين “بحوزتهم دولارات” في الصرافات، في القهاوي، وفي الشقق..وتزامن مع ذلك نبأ مقتل 15 سودانياً بسيناء، في طريق العبور نحو اسرائيل.

من حيث المبدأ،نرفض وندين، بأقسى العبارات، أي اعتداء، على أي سوداني، داخل وخارج الحدود،، ولا بد من الالتحام الجهد الرسمي والشعبي ـــ الحكومة والمعارضة ـــ  للدفاع عن الانسان السوداني، وحمايته، واسترداد حقوقه.. يشير الجانب المصري إلى أن المسألة تتعلق بنشاط جماعات متخصصة في تجارة للعملة في ظل تنامي الإرهاب وغسيل الاموال.. إن صح ذلك، فإن الحكومة ــ سودانية أو مصرية ــ لا يمكن أن تقابل مثل هذا النشاط  بالتوبيخ ،كما أن الشرطة ــ أي شرطة هذا حالها  ـــ تتحرى مع البريئ من قفص الاتهام…أحد الأعيان حاول تبرير حُجج الطرف الاخر، فقال أن المتورطين في تجارة العملة ليسوا سودانيين، وإنما هم من من جنسيات دول مجاورة.. طيب، يا أيّها الزّهر البرّي النّدِي: من الذي منحهم الجواز السوداني؟ هل منحتهم له حكومة المكسيك..؟ وما الذي يُغضِب الأعيان إذا قررت دولة ما، مكافحة تجارة العملة داخل حدودها؟

ما هو متاح من معلومات،لا يسند غضبة الأعيان، فالأمر أمر “بيزنيس” لا يتعلق بسد النهضة، ولا صلة له بحلايب. ولو أرادت الحكومة التحرك في ذلك الاتجاه، فلديها خيارات أفضل، كأن تدفع بالملف الى التحكيم الدولي مثلاً ، أو تعكف على دراسة موقف السيد عبد الله خليل، في سالف العصر والأوان!

إن كان الراجِح من هذه الغضبة، الهروب الى الأمام و خلق أزمة وهمية، فهذا هو عين المأمول، في ظل التبشير بمستقبل واعد لـ “شباب الأُمّة” في أزمنة الاغنيات الهابطة، واستشراء الحاويات..! وبعيداً عن كابشن :”مصر يا أخت بلادي يا شقيقة”، فإن المصريين “طيبين أوي”،على الاقل، لسحبهم أرواق قضية القرن..وإن كانوا قد أخذوا ثمناً لذلك،استقطاعاً ، حتى يستريح الفاعل ــ المتقاعد ــ في قصره..!

المعلومات شحيحة، و”البطُن غريقة” /عميقة،، و من المُستبعد جداً، أن تكون القاهرة قد إلتهبت مشاعرها تجاه الخرطوم، بسبب التقارب مع “أسد السيرك” عبر نافذة الحوار.. لكن ما لا شك فيه لدى قيادة الدولتين، أن هناك جهات تتربص لإشعال الحرائق، وخنق الاقتصاد من جهة السياحة وسعر العملة، وتخريب علاقات محور السودان، السعودية ، مصر.. وهذا ملف أمني أكثر من كونه سياسي.

على أية حال : كم هو جميل، أن ننرى هذه النقلة الفجائية في مشاعر الاخوان، لكن على هؤلاء الاعيان الكرام، أن يتحركوا في المرّات القادمة مستدركين حقيقة ماثلة، هنا وهناك..تلك الحقيقة هي،أنّ”الضّبط والرّبط انتمى”  بالتالي، فإن عودة العيّاط ، أصبحت مثل عشم إبليس في الجنّة..!