خالد فضل *التصعيد  ضد مصر تدبير أمني لاصطياد عدة عصافير بحجر! *هل يعقل الانحدار لمستوى"ممنوع دخول .... والمصريين"! *لماذا لم يعكر احتلال إثيوبيا للفشقة صفو العلاقات ؟

أبدأ بالقول جملة واحدة , بصفتي الشخصية , أرفض إحتلال أي جزء من بلادي , سواء أكان المحتل جار صديق أو عدو بعيد , ولذلك أؤيد المطالب المشروعة لأبناء بلدي المخلصين باستعادة أرض مثلث حلايب شلاتين ضمن الخارطة الوطنية السودانية , دون أن أغفل أنّ هذه المسألة ظلت محل شد وجذب بين الحكومات في القاهرة والخرطوم على مدى ستة عقود تقريبا , هذا من حيث المبدأ ودون تهويل أو ضجيج أجوف , فما أفهمه في معاني السيادة الوطنية يعني لي مباشرة شعور الفرد بأنّه موفور الكرامة , عزيز المقام , مصون الحقوق , هذا هو الوطن للإنسان , وهذا جوهر النضال المستميت من أجل بناء وطن حر يليق بشعب كريم . فهلا تتحقق في بلادنا (ناقص مثلث حلايب) أيّا من معاني الإحساس بالوطن ؟ هذا هو السؤال الموجع والذي بدوره يجعل حملة الشحن والتصعيد الجارية الآن في السودان ضد مصر تفتقر للحد الأدنى المطلوب من الجدية والمصداقية . فنعلم مثلا أنّ بريطانيا قد حرّكت أساطيلها ذات عام من عقد الثمانينات في القرن الماضي لإستعادة جزر الفوكلاند من قبضة الأرجنتين , وقد كانت بحق حرب كرامة بالنسبة لغالبية الشعب البريطاني , وقد تسنى لي معايشة وقائع حرب اليمن ضد ارتريا في أواسط التسعينات لإسترداد جزيرة حنيش , وفيها تمت تعبئة وطنية عارمة , وقد كان اليمنيون يشعرون بالفخار كونهم يستردون قطعة عزيزة من بلادهم وكانت أناشيدهم تنطلق (يا حنيش الأسيرة إنت يا أغلى جزيرة ) , فهل سمع أحدكم بورود اسم حلايب ضمن نشرة الأحوال الجوية لمدن السودان في تلفزيون أم درمان إلاّ في أوقات التعبئة المقصودة والتي تدور شكوك حول توقيتها وملابساتها , وفي ظل سلطة جاثمة على صدور السودانيين لأكثر من ربع القرن دمّرت خلالها أي قيمة ايجابية يمكن الإعتداد أومباهاة العالمين بها , حتى صارت الأسافير السودانية تضجّ بمقطع فيديو تدور الشكوك المعقولة حول أنّه محبوك ومصطنع , لراع يرفض بيع نعجة في الخلاء السعودي كنموذج فريد لأمانة السوداني ! فتأمل في بؤس حالنا وفراغ ماعوننا المعنوي , لدرجة تسقط وقائع حادث عرضي لزوم المباهاة , والأمانة تعتبر جزء من السلوك اليومي لكثير من شعوب الدنيا , وكذلك الصدق الذي يبدو أنّ نصيب السودانيين منه غير كثير , والشواهد مما لا يحصى ولا يعد سواء في حياتنا العامة التي يسودها كذبة أفاكين منذ 26سنة , أو حتى في حياتنا العادية , بل في المكالمات الهاتفية يندر أن يصدق متحدث في أبسط الأشياء مثل تحديد موقعه بالضبط , فمن كان متجها لأم درمان (أم بدّة) , مثلا , وهو لم يعبر كبري الفتيحاب تسمعه يقول , أنا قرّبت للسوق الشعبي فتأمل في هذه الآفة , التي صارت ديدن معظم السودانيين في الآونة الأخيرة مع الأسف . هذا واقع الحال الذي تتصاعد فيه وتائر تعبئة شعبية ضد مصر لدرجة انتشار صورة على وسائط الإتصال لصاحب متجر وضع لافتة بائسة شكلا ومضمونا مخطوط عليها بخطوط متعرجة , لا يسمح بدخول الكلاب والمصريين ! والسبب وراء هذه الحملة الشعواء ما راج عن سوء معاملة من جانب أجهزة الأمن المصرية مع ثلة من السودانيين في القاهرة وتعذيبهم على أيدي قوات الأمن المصرية وسلب ممتلكاتهم من الدولارات, في حين أكّد لي أكثر من شخص , أثق في صدق رواياتهم ,بأنّهم اتصلوا على معارف وأصدقاء وزملاء سودانيين سافروا إلى القاهرة لأسباب مختلفة خلال أيام الزوبعة هذه , وجميعهم أكّدوا ألاّ صحة لما ينتشر الآن وسط وسائط الإعلام ووسائط التواصل الإجتماعي السودانية , وحتى إنْ حدثت بعض الأحداث فهي حوادث عادية لا تثير كل هذا الضجيج , وربما طالت الإجراءات الأمنية المصرية بعضا من تجّار العملات في السوق الموازي , أو فئة من ممارسي الدجل والشعوذة , وفيهم بعض السودانيين , هذا ما تمّ نقله لي على الأقل , وتجدني أميل لتصديق هذه الرواية لعدة أسباب , فمن الواضح أنّ ثمّة مخطط اقليمي على الأقل , ليس بعيدا عن أحابيل ومؤامرات تنظيم الإخوان المسلمين العالمي وبعض الأنظمة المتحالفة معهم , لإثارة الأوضاع في مصر وممارسة الضغوط على الحكومة المصرية , وإشاعة مثل هذه الأخبار وتضخيمها ولي عنق الحقائق مقرونا مع الأنشطة الإرهابية التي تمارسها المنظمات الإجرامية كداعش وأخواتها خاصة في شبه جزيرة سيناء , لضرب قطاع السياحة  الذي يلعب دورا مهما في الإقتصاد المصري كما هومعلوم, كما أنّ سلطة الاسلاميين الحاكمة في السودان تحاول المناورة والمساومة حول بناء سد النهضة الاثيوبي , وقد قرأت من يومين للسيد هانئ رسلان رئيس وحدة السودان وحوض النيل بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية , حديثا مفاده أنّ حكومة البشير تنحاز الى إثيوبيا في موقفها من سد النهضة , وتظهر مظهر الطرف المحايد . وكما أثبتت مئات التجارب فإنّ مواقف الاسلاميين السودانيين دوما تتسم بالخداع ويمارسون الكذب بل يفاخرون به , فليس غريبا أن يخادعوا المصريين والاثيويين معا مثلما يفعلون مع الأوضاع في جمهورية جنوب السودان , حين يتحدثون عن وقوفهم مع شرعية سلفاكير , ويشونون في غريمه رياك مشار , وعلى ذلك قس , ولهذا تدور الشكوك بقوة حول التصعيد الجاري ضد مصر , وأنّه مجرد تدبير من جهاز الأمن والاستخبارات  في الخرطوم لإصطياد عدة عصافير بحجر واحد , فالأزمات الخانقة تتصاعد في الوقود وغاز المنازل , ونذر المجاعة تطرق الأقاليم بقوة , وموسم الخريف فشل في معظم أنحاء السودان , وقطاع الثروة الحيوانية يشهد انهيارا سريعا في ولايات الثروة الحيوانية , وحتى في الجزيرة التي يغطي معظم مساحتها ما كان يعرف بمشروع الجزيرة , ثمّ هناك جريرة إرسال الجيش السوداني الى اليمن كمرتزقة , لأول مرّة في تاريخ الجندية السودانية , مقرؤا مع انهيار العملة المحلية في مقابل العملات الحُرة , والغلاء الطاحن , وفشل كل مسرحيات وحيل الإلهاء لإمتصاص الغضب الشعبي المتصاعد بوتائر عالية مثل انعقاد جلسات الحوار العبثي , واظهار بعض ملفات الفساد دون المساس بمراكز وأوكار الفساد الرئيسة العليا , الى ملهاة الدوري الممتاز وصراعات كاردنيال نادي الهلال مع الاتحاد العام لكرة القدم . هذا من ناحية ومن ناحية أخرى الظهور بمظهر الحرص على السيادة الوطنية وحقوق المواطن السوداني وكرامته أينما كان , وهذه أكذوبة كبرى , فلم يحدث أن مرّ على حكم السودانيين نظام أسوأ في هذين المجالين من نظام الإنقاذ الاسلامي , ودوننا وجود الآف الجنود الدوليين بموافقة السلطة التي تتبجح بالسيادة الوطنية , يحفظون أرواح ملايين السودانيين في إقليم دارفور من غارات وهجمات القوات السودانية ومليشياتها المحلية ويحمون معسكرات النزوح من ويلات القتل والإغتصاب للنساء , فهل من إهانة وإذلال لحق بشعب السودان مثل هذا حتى في فترات الاستعمار ؟ أمّا كرامة الانسان السوداني في داخل وطنه فمما لا يحتاج وصفها الى حديث , لهذا فإنّ الحكمة تقتضي فحص الوقائع جيّدا قبل الإندفاع في تيار معاداة لمصر , فإذا كان سفير السودان في اثيوبيا يقول قبل أيام في حوار معه منشور , إنّ قوات اقليم الأمهرة الاثيوبي هي التي تحتل ما يقدر بمليون فدان في منطقة الفشقة  حسبما قال رئيس المجلس التشريعي بولاية القضارف, لأنّها أرض خالية ولحل مشكلة الانفجار السكاني في اثيوبيا , وأن قضية قتل المواطنين السودانيين واحتلال أراضيهم الزراعية الخصبة ليست قضية تستحق أن يتم تصعيدها مع حكومة التقراي الصديقة في اديس أبابا , فما الذي يستحق التصعيد مع مصر ؟