سيف الدولة حمدناالله طالعت بصحيفة اليوم التالي (عدد 20/11/2015) تصريحات صحفية لشابة أمريكية من أصل سوداني إسمها وعد خليفة، و "وعد" هذه حضرت إلى السودان ضمن وفد الكونغرس الأمريكي الذي زار السودان مؤخراً 

بدعوة من منظمات المجتمع المدني (ليس واضحاً ما هي المنظمات صاحبة الدعوة)، وتهدف الزيارة – بحسب كلام “وعد” – إلى الوقوف على “الصورة” الحقيقية لما يحدث في السودان الذي تقول أنها هاجرت منه برفقة والديها وعمرها خمس سنوات.

 تقول “وعد” أن “الصورة” التي كانت تصلهم في أمريكا عن السودان، أثارت “الرعب” في قلوب عدد كبير من السودانيين هناك (تقصد أمريكا) وكذلك لدى الحكومة والمجتمع الأمريكي، وأن ما نحتاجه في الوقت الراهن (والتعبير للآنسة وعد)، هو تغيير هذه الصورة السالبة.

بحسب الأمورة “وعد”، فإلى جانب هذه المهمة العارضة، فهي تقوم بدور مستمر نحو وطنها الأصل، فقد ذكرت أنه من أهداف المنظمة التي تعمل بها (لم تذكر إسم المنظمة)، العمل على رفع وعي الشباب السوداني في أمريكا وتعريفه بأهمية الإحتفاظ بهويته السودانية بعد أن لاحظت أن كثيرين منهم قد تخلوا عنها.

وعن إنطباعات الوفد الأمريكي للسودان، ذكرت “وعد” أن الوفد – بخلاف ما كان يعتقد – قد وقف على حالة الأمن والأمان التي يعيشها الوطن حتى أنه – أي الوفد –  قد ختم زيارته بجولة في سوق أمدرمان بلا حراسة وإنتهت بدون مشاكل، كما أن الوفد قد خرج بإنطباع أن المرأة في السودان لها شأن كبير، لأنها تتبوأ أعلى المناصب القيادية والدستورية، بعد أن كان أعضاء الوفد يعتقدون أن لا حياة لها خارج منزلها، وأن كل ما تحتاج له المرأة الآن هو مساندتها في مكافحة الأمراض والعادات الضارة، والعمل في مساعدتها على مكافحة سرطان الثدي وعنق الرحم، وفيما عدا ذلك فقد وجد الوفد السودان وشعبه آخر حلاوة حتى أنه دُهش من التطور والعمران في السودان خاصة في مجال الطرق والإنارة، وفي ضوء ذلك، ختمت “وعد” حديثها بأن وفدها سوف يسعى لإقناع الإدارة الأمريكية برفع العقوبات الإقتصادية عن السودان لأنه لاحظ أن العقوبات تعود بالضرر على المواطن لا الحكومة.

مشكلة هذه الحسناء أنها أخذت مشاهداتها والإنطباعات التي خرجت بها في خصوص ما يجري بالسودان من جلسة في كافتيريا “اوزون” بنمرة إثنين، فمشكلة مثل هذه الوفود التي تحضر للسودان أنها ترى الصورة التي يرتبها لها كفيل الزيارة، عملاً بما نقول به في المثل الشايع أن “الزائر في يد المزيور”، فما يستحق النظر عما يجري بالسودان ويؤرق العالم هو ما يحدث في مناطق الحرب لا في الخرطوم ، وما يجري في تلك المناطق لا يحتاج لمن يقطع له الأطلنطي، ويمكن الوقوف عليه بنقرة صغيرة على مواقع الإنترنت التي تتيح لصاحبها مشاهد مصورة توضح كيف يعيش الأطفال والنساء والشيوخ داخل كهوف الجبال لإتقاء القذائف التي تطلقها الطائرات، فكما سبق لنا القول أن قذائف النظام لا تفرق بين الأهالي الأبرياء وأهدافها العسكرية، ويرجع ذلك الى أن الجيش السوداني ليست لديه الطائرات المتطورة التي تستطيع إصابة الهدف بالدقة المطلوبة، فالطائرات الحربية الحديثة مجهزة بتقنيات تستطيع معها إصابة الشخص المقصود وهو يجلس في سيارة دون أن تؤذي الشخص الذي يجلس الى جواره في المقعد، أما طائرات الأنتينوف التي يستخدمها الجيش السوداني، فهي تلقي بالقنابل بإسقاطها يدوياً بواسطة الجنود من خلال فتحات بأسفل جسم الطائرة، فتقع القذيفة أينما تقع، فإذا إستهدفت طائرة ما قصف مبنى للقيادة العسكرية في مدينة “كاودا” مثلاً، فإنها قد تُصيب مدرسة في “الدلنج” أو ملعب للكرة في “أبوجبيهة”، بحسب سرعة الطائرة وإتجاه وشدة الريح وبراعة الجنود الذين يطلقون القذائف من مؤخرة الطائرة، ومن بين ما تتيحه هذه المقاطع المصورة، لقاء أجري مع رجل عجوز من أبناء جبال النوبة ظهر على الشريط بنصف وجه قال إن النصف الآخر قد حطمته شظايا قذيفة صاروخ، وأنه عالج جروحه بلبخة من صفق الأشجار لعدم وجود مركز صحي بالمنطقة التي يعيش فيها. هذه هي الصورة التي يحكي عنها العالم.

“الصورة” التي رأتها ضيفتنا وجعلتها تخرج ووفدها بهذا الإنطباع المُبهِج تمثّل حياة أركان النظام وأبناء الحزب وأتباعه، وهي بالفعل صورة زاهية وتفتح النفس، فهم يعيشون بيننا مثل حياة دول “الأوبيك”،  والتعيس بين أنجالهم يعمل موظف في شركة بترول، فالصورة التي رأتها ملعوبة ولا تعكس حقيقة ما يجري في السودان، فغالب أبناء الوطن أصبحوا يفضلون الموت غرقاً في البحر المتوسط أو بصحراء ليبيا المحتربة على البقاء فيه، فالذين رتبوا للوفد الأمريكي هذه الزيارة لا يمكن أن يتيحوا له معرفة الوجه الآخر لما يجري في الوطن حتى خارج مناطق الحرب وفي قلب العاصمة، فقد ضاقت الحياة بالشعب وبلغ به البؤس والفقر والتعاسة أن أصبح الناس يتناولون في قلب الخرطوم وجبة إسمها “الساوند سيستيم” وهي تتألف من أذني البهيمة، وأخرى إسمها “صبرك” وهي عبارة عن شوربة من أحشاء الفراريج التي كانت تُلقى في السابق ببرميل القمامة.

الصورة الحقيقية لما إنتهى إليه حال الناس تمثلها حادثة طفل الحاج يوسف الذي كان قد تسلق خطوط ضغط كهربائي عالي يريد الانتحار حتى لا يرى والدته تتعذب أمامه بعد أن عجز عن أن يوفّر لها الدواء (يمكن مشاهدة وقائع هذا الحادث الأليم على اليوتيوب)، ومثله مقاطع أخرى على نفس الموقع تصوّر صراخ النساء وتوسلهن لجنود أشاوس من المحلية وهم يقومون بإتلاف مصدر رزقهن من أواني رخيصة يفترشنها لبيع الطعام لإعالة صغارهن الأيتام، وزيارة إلى مراكز غسيل الكلى وعلاج السرطان لترى عدد الأطفال وهم ينتظمون في حجر أمهاتهم في صفوف طويلة تنتهي بمقابلة طبيب عمومي ويخرجوا منه بوصفة علاج لا يملكون ثمن شرائه.

الذين يعكسون لمثل هؤلاء الزوار “صورة” السودان البهيّة ويتحدثون عن إشراقها هم الذين تسببوا في إشعال الحرب التي يديرونها من قصورهم بوسط الخرطوم، وهم وراء تعاسة وبؤس أصحاب الصورة التي يبذلون غاية جهدهم في إخفائها عن عيون مثل هذه الوفود الزائرة، فأفضل خدمة تقدمها الأمورة الزائرة هي أن تترك هذا الشعب في حاله، فالشعب فيه اللي مكفيه !!

 

saifuldawlah@hotmail.com