اماني ابوسليم " فكأن نقل الايمان من الفرد و القلب الى الخارج ليلتقى بالجماعة ، يجعل الواقع متوتراً ، يفلت الايمان من القلوب بحكم الافعال وأفظعها الحرب و تبعاتها من الاستعباد و السبى وقهر الآخر جسداً وفكراً"

هي الرواية الفائزة بجائزة نجيب محفوظ للعام 2014، و الفكرة المحورية التي ناقشتها هي قضية الايمان ، ايمان الفرد برسالته في الحياة او قضية او اي امر يهمه و ما يسوقه هذا الايمان من تبعات الفعل و إعمال الفكر بالذات التعصب، مما يعمي الفرد المؤمن او الجماعة المؤمنة عن معان اخرى تكون جزءا من صميم ما يؤمنون به. او تعميهم من ان يروا نفس موضوع الايمان عند آخرين يختلفون عنهم شكليا لا في الموضوع فيناصبونهم العداء.

حمور زيادة، ابدع لا فقط في قص الحكاية و ما استخدمه من تقنيات السرد و الحبك و التشويق حد الدهشة، و لكن  ابدع حتى في اقتطاعه زمنا و مكانا من التاريخ لتجري فيه احداث الرواية. زمن و مكان يناسب ما اراد مناقشته، معتمدا على وقائع و حقائق تاريخية تجعل ما يناقش ظاهرة تاريخية لازمت الانسان وقتما و حيثما حل و آمن.

تدور الاحداث ابان العهد التركي في السودان و بزوغ الثورة المهدية و انتصارها حتي سقوط الخرطوم في ايدي الاستعمار الانجليزي. زمن تاريخي يمكن ان يمثل عدة ازمان في اقاليم مختلفة من العالم. زمن مناسب و رسالة ايمانية دينية مناسبة، قابلة لبسط اطراف النقاش في امر حساس كالمعتقدات و الايمان. لأن ذلك جعل ما ساقه و طرحه و ناقشه الكاتب يقاس و يختبر على ارض واقعية لا من خياله.

المكان المحوري للرواية هو الخرطوم/امدرمان، لا كمدينتين مختلفتين و لكن كوجهين لعملة واحدة يفصلهما بحر النيل. الخرطوم وجهها  في عهد الترك جميل يحاكي وجوه المدن الاوربية في اعين الاوربيين و الترك و المصريين، ظالمة و جائرة في اعين الاهالي، فاجرة تشيع فيها الفاحشة و الجشع. ام درمان بعدها في عهد المهدية، الوجه الآخر للعملة، اصبحت البقعة المباركة للاهالي و الانصار، الظالمة في اعين الآخرين. و هما وجهان لنفس العملة، لأن وجها لا بد ان يخبو ليبدو الاخر، و حين يبدو وجه او يخبو يكون الايمان بقضية السبب وراء الاعمار او التدمير لاحد وجهي المدينة. (ثم من قلب الموت نهضت الحياة. قامت الحياة من وسط جثث الخرطوم فعبرت النهر الى الغرب و جثمت على ام درمان.) ص 427.

تتجمع ذرات الايمان في نفس المؤمن لتجيش و تعلي و تتماسك فتقوي كتلة تمثل قيمة عليا و سامية تحرك قلبه و شوقه لتحقيقها و عند لحظة ما مجهولة تمتلك صاحبها و تحوله من حال السلام مع الفكرة الي حال التوتر بها لتبدأ ذرات الايمان التي تجمعت في التفكك و التشتت و تبدأ القيمة العليا و السامية في النزول من نفس صاحبها الى اسفل حتى تصل الى الصفر و ان هي واصلت الهبوط تصبح سالبة القيمة، عندها قد ينتقل توتره خارجه نافضا اياه في الآخرين، كائلا عليهم الاتهام بالكفر، مذيقا اياهم ما عاناه قبلا، فيتحول الى الضد، حينها يصبح ذات الايمان بالخير شرا. الرواية تطرح السؤال، كيف يضبط المؤمن ذبذبات الايمان، فتظل على موجة الموجب و ما الذي يرخي حبال الايمان فيسقطها تحت الصفر فتحيل القيمة العليا المؤمن بها الي قيمة سالبة، فيستحيل، مثلا، العدل ظلما، و الحب كرها، و التواضع تعاليا، و الاعمار تدميرا، و في العموم الخير شرا.

 و علي لسان الحسن الجريفاوي المؤمن بالمهدي الذي انسرب ايمانه من بين يديه يقول الكاتب (ماذا اصابك يا ام درمان؟ أعلي هذا بايعنا مهدي الله عليه السلام؟ ) ثم يتساءل (ماذا اصابنا ؟ هل اكل السوس ايماننا ؟ قال لنا المهدي عليه السلام: “ان الدنيا دار من لا دار له . وهي سجن المؤمنين. و ان الآخرة خير و أبقي و هي دار المتقين. فاتقوا الله و اعملوا ليوم ترجعون فيه الي الله) ص 378 (يتذكر فاطمة. حبيبة الروح. فلا يعرف فيم فارقها. يحرقه ايمانه. يؤلمه ما يري.) ص379 (كيف لو رآنا سيدي المهدي اليوم؟)  

السؤال الذي تطرحه و تناقشه الرواية، ما هي، و متي تأتي اللحظة التي تحول سلام الايمان الي توتر، و هل يمكن ضبط هذه اللحظة لتظل القيمة في سموها و علوها او على الاقل في الوضع الموجب. كيف يحقق المؤمن ايمانه و قضيته دون الهبوط الى السلب، كيف يظل مجددا في ايمانه باعثا فيه روح القيمة العليا. كيف يحمي ايمانه فلا يتسرب من بين يديه و قلبه و عقله كما حدث للجريفاوي في الرواية.

 تسير الرواية في ثلاثة خطوط :

1.قصة حب بخيت منديل لثيودورا و هي قصة حب كلاسيكية الطراز. نفخ فيها حمور من روحه فجعل لغتها رقيقة و احداثها و لقاءات الحبيبين فيها مشوقة، يتمايل فيها القارئ بين الاشفاق و التقدير لبطلها.

2.خط يناقش الايمان ، منذ نبتت بذرته في القلب و تطوره، و الكاتب يرصد هذا التطور الذي قد ينتهي بالمؤمن الى حالين ، حال ضياع حلاوة الايمان كما عند حسن الجريفاوي ،المؤمن بالمهدية ،المقاتل لأجل إنتصارها و الحال الثاني حال بقاء الإيمان في القلب جاعلاً صاحبه يعيش جنة في الدنيا تربطه بجنة الآخرة ،ذائقاً  ثمارها وأُكلها ، راحة ورضا نفسه ، كما جاء في حال المرأة التي قابلها بخيت وادريس في صحراء دنقلا ،  و حال الشيخ سلمان الدويحي و صديقه الشيخ دفع الله .

وهذا الخط الرئيس يفرع خطوط أخرى ، وهي تناقش أسباب إنزلاق الإيمان من القلب:

  1. 1.            لماذا تنكسر الثورات و تحيد عن مبادئها السامية وتتحول الى النقيض الذي ثارت عليه.
  2. 2.            ما الفرق بين قتل الأعداء في الحرب أو الثورة من أجل نصر مبادئ الثورة المؤمَن بها و بين القتل من اجل الإنتقام ايماناً بأنهم الأعداء.
  3. 3.            الخط الثالث يناقش الإختلاف، الذي يحمله ضمناً الايمان . فكل موضوع للإيمان ، حوله بشر بواقع أنهم حوله وانه موضوع ذو ابعاد مختلفة فإن لكل فرد ممن حوله رؤية مختلفة وفكرة مختلفة تعتمد على موقع الفرد و الزاوية في الموضوع التي وقع نظره عليها و بالتأكيد خلفية و ثقافة وذائقة الناظر.  و المؤمن بنظرة ما قد يغير رؤيته ان غير  موقعه أو تغير شئ في نفسه فغير ذائقته . (ثيودورا كافرة بأمدرمان ص 415 ، مؤمنة بها في ص 436 )

تلتقي الخطوط الثلاثة في نهاية عهد التركية في السودان وظهور المهدية ثم إنتصارها على الترك و بعد هزيمتها على يد الإنجليز .

ابطال الرواية مختلفو الجنسيات و الرؤى و الدوافع.

ثيودورا الفتاة اليونانية مصرية المنشأ، راهبة الكنيسة جاءت الي الخرطوم مؤمنة برسالتها انها رسول الرب لتحي تعاليم دينها عند مسيحي السودان و رسول المدنية للاهالي البرابرة. جاءت في عهد الترك و تحولت الي أمة لأحد كبار التجار في عهد المهدية لتلقي حتفها علي يديه مع مجموعة من معاونيه.

الحسن الجريفاوي، مؤمنا بالعدل، كارها الظلم، يؤثر المهدية بايمانه و يطلق زوجته الحبيبة حبا في الجهاد في سبيل الله و لنصرة مهدي الله لينشر العدل و يطرد الظلم من البلاد. (يوم آمن بالمهدية عرف انها نهاية العالم. . . سيعم عدل مهدي الله الارض. . كان يؤمن ان الاسلام هو العدل و الخير. الاسلام هو عكس التركية). ص 438 ( اما ترين ما اصاب الارض من بلاء. . تغير الزمان.ملئت الارض جورا.الترك الكفار ، بدلوا دين الله. اذلو العباد.. . ننشر نور الله في الارض بعد اظلامها) ص 312

الطاهر جبريل ، مؤمن مطيع للمهدي و خليفته ( مظهرا صدق الولاء. . ما كان غنيا، و لا له من الذكاء ما يشهره لكنه عرف بالاخلاص. كان ان بلغه امر عن اميره سار عليه لا يلوي علي شئ شعاره و دثاره قول الله”يا ايها الذين آمنوا اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و أولي الامر منكم”). ص 79

 ثم الاب جوهانس، و الاب بولس،  و الحاج تاج الدين المغربي  المؤمن بأنه عيسي المسيح بعث لنهاية العالم. كلهم مؤمن بنفسه، كافر بالآخر مقلل من شأنه، كلهم يتنازعون على الافضلية و بالتالي السيادة و اذعان الآخرين لهم.

كلهم مؤمنون بشئ ما، عدا بخيت منديل لأنه يمثل العامة،  من يقع عليهم ايمان غيرهم، من لا ارادة لهم، تسوقهم الايام كما اتفق، فهو طفل مخطوف مباع في سوق العبيد، سجين، اسير، و حين سلم نفسه ليجاهد اخذوا سلاحه و عينوه للخدمة فقط، فهو مستسلم للعبودية و للاسر و للمهدية،  و لملذاته و حين وقع في الحب ايضا وقع مسلما روحه و قلبه، ثم آمن بقضية واحدة ، الانتقام لحبيبته ثيودورا و اخلص في ذلك ملاحقا كل من لعب دورا في مقتلها. ( -هل تشرك بالله امرأة؟ – هل الله الا محبة؟) ص 440 . ( -أليس الحب ايمان ؟  – هل تحب المهدي ؟ -أحب حواء) ص456 . ( – كيف هو قتل الثأر يا بخيت ؟ – كالحياة. – تحس القوة. تمتلئ بالحياة، و تطير. يصبح جسدك خفيفا حتي توشك ان تحلق. هو كخمر لم يصنعها بشر و ما ذاقها لسان. نشوتها تحملني الي النجوم. تحملني اليك.) ص 77

 و الحديث عن الايمان يسوق معه بشكل طبيعي الحديث عن الاختلاف. فالايمان بوجهة لامر ما، يحمل في ضمنه، وجهة اخرى لذات الامر يؤمن بها آخر. فالاختلاف يجعل من ذات الامر مادة للنقيضين، للايمان و الكفر، الحب و الكره، الرضا و السخط. و هذا بافتراض ان الاختلاف يحمل وجهين او ضدين و هو طبعا قد يحمل اكثر. و لذلك كان اختيار الخرطوم/ام درمان معززا لذات فكرة النقيض بوضعها في اطار مادي او جغرافي. و هي المدينة التي ضمت اجناسا مختلفة و اديان و ثقافات مختلفة. فمثلا ثيودورا تصف الخرطوم في عهد الترك بانها ( هي مدينة جميلة تحوطها الحدائق و اشجار النخيل الظليلة. . رائحة المدينة تعبق بالاريج. . ) ص 160 ( لو كان هناك بحر لكانت هذه اجمل مدن العالم) ص  170 في حين يصفها الانصار ب ( وراء هذا النهر منازل و قصور شيدت علي معصية الله. مدينة ترابها فسق، و جدرانها المعاصي) ص 318 و ام درمان لاحقا، كان وصفها من ثيودورا      ( هذه البلاد اللعينة . . . ارض الدم و الدموع ) ص 415 .و علي لسان الشواك ممثلا لرأي الاهالي و الانصار        ( هذه المدينة صناعة المهدي عليه السلام. صنعها علي عين الله. هل نسيت يوم خطبنا في الخرطوم ؟ يوم نهانا عن السكني في مساكن الذين ظلموا انفسهم. امرنا بعبور النهر الي هنا. الي البقعة الطاهرة. ام درمان. هذه الارض التي لم يلوثها الكفار. و اختارها الله لتضم جسد مهديه. ألا تعلم ان الله خلق المهدي من نور عنان قلب النبي ؟ فأي ارض اطهر و اقدس من ارض ضمته عليه السلام؟) ص380/381

و عندما جاء الحديث عن غردون بين ثيودورا و بخيت منديل ( – ألا تعرف من هو غردون باشا ؟   – كافر قتله انصار الله  – غردون باشا يا اخي الاسود، شارك في حرب القرم و قاتل في الصين و كان حاكما للخرطوم مرتين. هو رجل مهم في المملكة.) ص 305

ذات المكان و ذات الرجل، تختلف عنهما النظرة و الرأي و الرؤية ، باختلاف الثقافة و الذائقة. و ثيودورا و امها و صديقتها دروتا، و هن يمثلن الثقافة البيضاء ان جاز التعبير، تصفن اهل السودان (هل رائحة السود قبيحة كلون بشرتهم ؟ . . . – رائحتهم قبيحة عطنة. رائحة ثقيلة كفاكهة عفنة. اما عرقهم فسام. . .  طبعهم الغدر. متوحشون، لكنهم كخراف المزرعة. فكوني انت الراعي لخراف الرب السوداء. اين يكون الرب ان لم يكن في تلك البلاد المخيفة ؟) ص132 اما بخيت منديل ذو البشرة السوداء كان يذم البياض (كان يتعجب كيف شوه الله هؤلاء الناس. اجسادهم مسلوخة تكسوها حمرة. اعينهم كقطط خبيثة. و رائحتهم نحاس صدئ. يوم داهمته بثينة ابنة سيده التركي كاد يقئ عليها. رائحة التركية، ابنة سيده الغليظ، ثقيلة عطنة. . . رائحتها صدئة. يكره لون البيض و رائحتهم). ص 203/204

ارهاصات الإجابة على سؤال اليقين في الايمان الذي يجعل المؤمن معتقداً ان له الحق في نفي وتدمير و قتل الآخر يظهرها الكاتب في بداية الرواية على لسان الحاج تاج الدين المغربي الذي يدعي انه النبي عيسى . ( و اليوم يحس ان خبل الحاج تاج الدين يأتي من ذات المشكاة.  ما الحكمة الا ما نفهمه متأخرا من قول المخابيل الذي لا معني  له.) )ص 346

فالكاتب يدخر الاجابة في حديث الحاج المغربي لبخيت ( لكنك ككل البشر تظن ان الله خاطب العالم و نسيك . يا حمار !! إنما يخاطب الله الفرد.) ص 344 فكأن الكاتب يريدنا ان نقرأ أن الايمان قد توتر و انفلت عندما انتقل من خلجات النفس ليسمو بها، الى العمل مع الجماعة حرباً لاقصاء الآخر ، وكأن الايمان موضوع للنفس لتسمو في مراتب الايمان لتصل الى جوهر المعرفة ( – يا حسن ان صدق العبد ربه علمه ورفع عنه الحجب يا حسن كن فرداً منزوعاً عن ذاته تتحقق بجوهره المعرفة ) . ص 8 . و في حديث الحاج تاج الدين نقرأ و كأن الكاتب يريد ان يقول ان قياس الايمان ان شك المؤمن هو الراحة و الرضا فإن فقدهما ضاع شئ من ايمانه و كأن الكاتب يلمح الي تفضيل نموذج التصوف في التدين  ففيه سمو بالروح في مراتب الايمان ليصل بها المؤمن للراحة في إيمانه بالتوكل و التسليم و بلوغهما يكون بالرضا بالعبودية (العبد لا يبلغ الراحة حتي يحقق العبودية ) ص 345 ففي التصوف لطف و تخيير في علاقة المؤمن بنفسه و بالمجتمع من حوله، و ذلك في مقارنة مع نوع الايمان و اليقين الذي يفرض موضوع ايمانه علي الآخرين بالجبر و الحرب و العنف في التعامل اليومي.

 ثم في النقاش الذي دار بين الحسن الجريفاوي و بخيت منديل في صفحة 317 فالجريفاوي يري ان الله خلقنا لنركن للجماعة بينما يري بخيت ان الجماعة شر و الناس ضرر. فالكاتب يناقش أي الحالين أجدي ليبقي الايمان ناصرا القيمة العليا لا ينحرف عنها و لا يهبط للسالب ، حال ان يبقي الايمان في قلب الفرد علي أنه علاقة خاصة بين الفرد و ربه ام حال ان تقوم جماعة لتفعيل موضوع الايمان في الواقع و فرضه علي الآخرين.

فأحداث الرواية تحكي أن الحسن الجريفاوي تسرب ايمانه منه بعد الجهاد و العمل مع الجماعة فكأن نقل الايمان من الفرد و القلب الى الخارج ليلتقى بالجماعة ، يجعل الواقع متوتراً ، يفلت الايمان من القلوب بحكم الافعال وأفظعها الحرب و تبعاتها من الاستعباد و السبى وقهر الآخر جسداً وفكراً.  و كأن الايمان امر لا مستقر له في النفس يجب ان يراجع و يظل يقارن بالقيمة العليا موضوع الايمان  لتقويته و يجب ان تنازع النفس لتجديده

و ربما ايضاً لأن تفعيل موضوع الإيمان من داخل القلب الى خارجه يدخل على الجماعة افراد ذوي مصالح مغايرة لموضوع الايمان ، مثل ابراهيم الشواك الذي هو مناصر للمهدية ظاهراً و مثله يلعب دوراً اساسياً في إنجاح الثورات أو قل في تفعيل موضوع الايمان في الواقع و الواقع ان القارئ كان يعلم انه كان ينصر مصلحته الشخصية عندما مدَّ المهدي بالمعلومات التي ساهمت في سقوط الخرطوم في يديه.  وقد قام بنفس الفعل ضد المهدي  لصالح الانجليز، و هذا النوع يضعف الطاقة الايمانية الخيرة و يشوبها بالشر فتتحول مقاصد الثورة و يكون الانكسار و التحول عن الاهداف السامية هو النتيجة. ونوع آخر يدخل الجماعة لاسباب أخرى لا تصب في موضوع الايمان ويكونون سبباً في الكثرة  العددية التي تغلب ، هؤلاء يقومون باعمال منافية لمبادئ موضوع الايمان مما يضعف ايضا النتائج الخيرة المرجوة من الثورة، و ساق الكاتب في الرواية حدثين، الاول قتل فضل العزيز بأيدي ثوار المهدية عند دخول الخرطوم و هي المؤمنة المنتظرة للمهدي و الثاني دك مسيد الشيخ سليمان ود حمد الدويحي ، الذي يمثل في الرواية نموذجا لصدق الايمان و سماحته الذي عبر عنه في الرواية في تعامل الشيخ مع مجتمعه و تقبل و تقدير المجتمع له.

وطرح الكاتب ايضاً نموذجاً ثالثاً يؤثر على الايمان عند حمله على اكتاف الجماعة ان هناك مؤمنون في العمل الجماعي يشتتون سهم الإيمان عن مقصده فينحرف عن القيمة الخيرة السامية فتضيع منه ، هم مؤمنون ، لا بالقيمة العليا و لا متأملين في الحال ولكن مؤمنون بالفرد صاحب الرسالة كشخصية الطاهر جبريل ، مؤمن بشخص المهدي ثم بالخليفة ، دون تأمل أو تفكير في موضوع الإيمان ، فرغم انه مؤمن الا انه يؤثر سلباً في القيمة المفعلة بفعل الجماعة.

ربما يريد الكاتب أن يقول ان النزاعات و الحروب و الصراعات و الاستغلال يمكن أن تنتهي من الأرض ، ان تقبل الإنسان الإختلاف ، ان عرف ان نقيضه في الرأي أو الدين أو المذهب هو مؤمن بذات موضوعه و لكن من ناحية أخرى ، وانه إن عرف انه  قد يصبح مثله ان كان مكانه ، ربما قلل ذلك من احتقان الاختلاف و ما يعتريه من مشاعر غضب وعدم قبول للآخر تؤدي الى قتله و تدمير مكانه .

الكاتب يناقش الايمان و اليقين عندما يأخذ طريقاً واحداً ، لا يحيد عنه و لا يتآلف مع ما حوله ، رافضاً النظر حتى الى مرادفاته في المعاني ، فيجنح الى التعصب و التقلب ، فيفقد الاتزان و العقلية ، فيتحول من فعل الخير الى الشر و التدمير فيصبح المؤمن متوتراً بقضيته ، فاقداً الاتزان و التعقل فيشرع لتثبيت ايمانه وتحقيق ما يؤمن به في فعل ما يناقض قضيته في صميمها.

حمور زيادة استخدم لغة و كأنها عدة ألسن فالكاتب أو الراوي إنفلق إلى عدة ذوات كل ذات منه عاشت مع المروي عنه، مما عزز ما طرحه من حق الإختلاف في الايمان فجعل الراوي يروي عن كل شخصية وكأنها هو نفسه.

عن الصوفية في ص120 ( يتقلب ليلاً. يصغى لحفيف اجنحة  الملائكة من غرفة شيخه البعيدة . يهبطون بخبر السماء و يصعدون بدعاء الأرض طوال الليل).

وعن ثيودورا ابنة الارثوذكس ص 130 ( تفر من كل هذا الى خدمة الرب في الخرطوم ، حيث يحتاجها الخاطئون الارثوذكس من تجار البقالة .. في الاسكندرية كانت اسيرة الرب بخطيئتها لكنها تنعتق لتصبح خادمة الرب في الخرطوم )

و في ص 447 ( كان الانصار يقاتلون الكفار في قدير وأبا و الابيض و شيكان كانت الملائكة تقاتل معهم ، تمشي بينهم تحادثهم و تمدهم بالسلوى .)

واعطى نص الرواية عمقاً وبعداً لما طرحه في أمري الايمان و الاختلاف، و التصادم الذي قد ينشأ عنهما ان الكاتب طعمها بالنصوص الدينية و المقدسة لكل طرف من اطراف موضوع الايمان ، نصوص قرآنية ، خطب المهدي ، نصوص من الإنجيل وكل مؤمن يجد نصاً مقدساً يعزز احساسه بالأفضلية و وصايته على الآخرين و جبرهم على الايمان بما اعتقد .  و في ذلك ليس تقوية للمؤمن و تعصبا لنصوصه بقدر ما هو اظهار للايمان في معناه الكبير الذي يحمل في ثناياه ، الرضا بالاختلاف عن الآخرين و حقهم في ذات المعنى ( الايمان ) بقضاياهم هم و بطريقتهم هم  التي تعود لمرجعيتهم هم .

و رغم ان الرواية ركزت علي الثورة المهدية و زمانها، الا انها اتت بذكر احداث في ارجاء اخري، تعزيزا لمناقشة قضية التعصب في الايمان و اقصاء الرأي الآخر،  مثل  ان والد ثيودورا هاجر من اليونان الي الاسكندرية لأنه كان يفضل الملكية التي ثار عليها الشعب هناك. و مقتله لاحقا بأيدي  مسلمين مصريين ذبحا علي مدخل بيته في مقتلة عظيمة وقعت في الاسكندرية ص (162) و هي احداث  عبرت عن  اختلاف و صراع للرؤيا و الاعتقاد  تصاعدت و أدت الي ان يقصي طرف الطرف الآخر  باستعمال القوة و العنف  و هو ذات الصراع الحادث أوانها في السودان و حادث في اطراف اخرى.

السؤال الذي طرحه الكاتب في هذه الرواية سؤال ازلي و الإجابة عليه مفتوحة على احتمالات لا تنتهي كوجهات النظر و قد لمّح الكاتب الى انها و كأنها غيبية تحتاج الى رفع الحجب في لحظة دقيقة كاللحظة التي اوقف فيها بخيت انه مقتول ، مقتول . و الإجابة على السؤال تقف عندها اجابات على مسائل و أحداث تارخية تغير وجه الارض في كل مرة ، لما لقضية الايمان ونصره من تلاقي مع كل مراحل التاريخ الإنساني على الأرض.

الكاتب ترك رأيه و اجاباته فيما طرح هنا و هناك بين سطور روايته و ترك لكل قارئ ان يجيب بما يراه.

و للحديث بقية عن الخط الاول للرواية و كأنه رواية وحده، قصة حب بخيت لثيودورا، و رسم شخصية بخيت، و هل يمكن للانتقام ان يسمو بالروح فيحيل صاحبها الي درويش في حلبة ذكر.

اعتمد المقال على الطبعة الاولي عن دار العين للنشر.