عندما تكون الدولة مفككة داخليا لدرجة الاحتراب الأهلي في عدة جبهات، وواقعة في أسر نظام دكتاتوري أولويته القصوى احتكار شخوص بعينهم للسلطة والثروة ولو على أنقاض وحدة البلاد ومصالحها العليا، 

تتحول”السيادة الوطنية” إلى مجرد ورقة مساومة رخيصة مع المحيط الإقليمي والدولي في صفقات محورها “مصلحة النظام الحاكم” و”الرشاوى” التي يقبضها رموزه، لا مصلحة الوطن.

والشواهد على ذلك متواترة في سياسة “نظام البشير” الخارجية، وآخرها، الطريقة الغريبة والمريبة التي يتعامل بها هذا النظام مع الاحتلال الإثيوبي لمليون فدان من الأراضي الزراعية الخصبة في الفشقة، والاعتداءات المتكررة للمليشيات الإثيوبية على المزارعين السودانيين هناك وكان آخرها قتل أكثر من 25 مزارعا! مر قتلهم دون اي رد فعل يوازيه من النظام، بل ان سفيره في أديس ابابا وفي مقابلة صحفية أعقبت ذلك الحدث مباشرة، قال ان قضية الفشقة لا تشغل تفكير الحكومة ولن تؤثر على العلاقات الاستراتيجية مع إثيوبيا وبرر احتلال إثيوبيا لأرض بلاده بأن الأولى تعاني من انفجار سكاني!

على هذه الخلفية ،نتساءل عن السبب الحقيقي للتصعيد الأخير مع مصر الذي توج بشكوى لمجلس الأمن بسبب إجرائها  للانتخابات الأخيرة في مثلث حلايب، مع العلم ان الانتخابات المصرية ظلت تجرى هناك منذ سنوات! و بسطت مصر سيطرتها العسكرية على هذه المنطقة منذ عام 1996م واتبعت ذلك ببسط نفوذها السياسي والإداري والأمني، وكل من احتج على ذلك من سكان المنطقة تم اعتقاله، و”نظام البشير” صمت على كل ذلك صمت القبور ولم نسمع أبواقه الإعلامية ترفع صوتها بنغمة “السيادة السودانية على حلايب” لماذا؟ لأنه كان واقعا تحت ابتزاز ملف”محاولة اغتيال حسني مبارك” وهذا الملف اللعين الذي بسببه ذهبت حلايب والفشقة في العلن وستكشف الايام ما دفعه النظام من أرض وموارد ومصالح السودان مقابله، هو ورطة تخص التنظيم الإسلاموي بقيادة الترابي، وكما كان السكوت على موضوع حلايب  لمصلحة “تنظيم الترابي –البشير” فإن إثارة هذا الموضوع الآن هي مدفوعة بذات المصالح المشبوهة ولا شأن لها  بقضية السيادة الوطنية السودانية!

لو كانت في السودان حكومة مسئولة ومؤتمنة على المصلحة القومية لتبنت موقفا استراتيجيا قوامه التمسك بسودانية حلايب، وتعزيز ذلك بتدابير سياسية وتنموية داخل المنطقة تسبق التدابير العسكرية، ثم العمل الدبلوماسي المدروس لكسب القضية أمام التحكيم الدولي حال فشل التفاهمات الثنائية ، أما ان تكون القضية مجرد كرت للمساومة يرتفع ويهبط حسب مناخ العلاقة بين “النظام” والحكومة المصرية فهذا معناه أن حلايب ستظل مصرية! لأن هذا النظام المخاصم لشعبه والمنقسم على نفسه والزاهد في وحدة وسلامة أراضيه سيظل مستعدا على الدوام لتقديم التنازلات مهما افتعل من معارك وهمية “تزول بزوال المؤثر”

    ستظل أراضي السودان محتلة، ومصالحه مهدرة، ووحدته مهددة ويده هي السفلى في اي تعامل خارجي، إلى حين تحرره من “النظام الحالي” الفاقد تماما لأدنى التزام وطني.