جعفر خضر *الدعوة للتعدد بحجة محاربة العنوسة ساذجة! *مناهضة العنف ضد المرأة تقتضي عفة الرجال والنساء! * لهذه الأسباب.. الزواج الأحادي هو الأمثل على المستوى الوطني والكوني

يظن البعض (ربما كثيرون) أن الداعين لمناهضة العنف ضد المرأة إنما يدعون للإباحية ، ويهدف هذا المقال لتفنيد هذا الزعم ، وسد الثغرات التي ربما أوحت بذلك ، من خلال مناقشة تعدد الزوجات وتعدد العلاقات الجنسية .

     فيما يخص تعدد الزوجات يدعو المناهضون للعنف ضد المرأة إلى أحادية الزواج (رجل واحد يتزوج امرأة واحدة) ، وهي دعوة صحيحة بحق ، ولها مسوغات قوية . لعل الإشكال الأكبر في هذا الصدد هو في الفهم الإسلامي السائد (ليس الإسلام وإنما الفهم الإسلامي السائد) الذي يؤكد بأنه يحق للرجل أن يتزوج أربع زوجات ، ويحرّض على ذلك في بعض الأحيان ، ولكن هنالك من الطروحات الفكرية الإسلامية المعاصرة ما رأت الأحادية استنادا على ما تضمنته الآية 129 من سورة النساء (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) وعلى مقاصد الدين . ويمكن تفسير التعدد في فترة الصحابة رضوان الله عليهم بالتدرج لأنه لا يمكن إلغاء نظام اجتماعي سائد لمئات السنين ـ بل لآلاف السنين ـ هكذا بجرة قلم ، وإنما بالتدرج ، فقد كان التعدد قبلها غير محدد بأربع ولم يكن مشروطا بالعدل ، إذا هي خطوة متقدمة تجاه العدل ، والآن نحن نخطو خطوة أخرى في ذات الاتجاه بالأحادية ، لأننا لن نستطيع أن نعدل ببن النساء ولو حرصنا ، عليه يمكننا القول أن هنالك فقها إسلاميا آخر يدعو للأحادية .

     وللعدل وجهٌ آخر ، فلو نظرنا نظرة كونية شاملة للـ 7مليار إنسان الذين يسكنون على وجه الكرة الأرضية الآن ، نجد ـ حسب التقرير الإحصائي الصادر عن الأمم المتحدة في عام 2010 ـ أن عدد الرجال في العالم أكثر من عدد النساء بـ 57 مليون . أما على محيطنا الوطني وحسب التعداد السكاني في السودان للعام 2008 فنجد أن الرجال أكثر من النساء حيث بلغت نسبة الرجال 51.3% بينما نسبة النساء 48.7% ، وتختلف هذه النسب اختلافات طفيفة من دولة إلى أخرى . عليه إذا اعتبرنا أن نسبة الرجال إلى النساء = 1 : 1 وإذا اقتنع كل الناس في كل العالم بفكرة الزواج من أربع ، وتم تنفيذها على أرض الواقع ، لتم حرمان ثلاثة أرباع الرجال من الزواج بمعنى أن 875 مليون فقط من الرجال سيتزوجون كل نساء العالم 3.5 مليار بينما يظل معظم الرجال 2 مليار و625 مليون بدون زواج لأنه ـ ببساطة ـ لا توجد نساء! أضف إلى ذلك أن أي امرأة في حقيقة الأمر تكون قد تزوجت ربع رجل وليس رجلا كاملا ! وفي هذا خللٌ جللٌ ، وانحراف واضح عن القسطاس المستقيم ، وميلان سافر لميزان العدالة .

     هذا وسيكون التعدد عاملا إضافيا لزيادة النزعة عند الكثير من الرجال الذين لم يجدوا حظا من الزواج للعلاقات الجنسية خارج إطار الزوجية ، مع النساء ذوات الإشباع الربعي ، فضلا عن أن تعدد الزوجات يخلق أُسَرا غير مستقرة في ظل صراع الزوجات وتنامي الشروخ في علاقة الزوج والزوجة ، مما سيؤثر حتما على الأطفال .

     وكم هي ساذجة تلك الفكرة التي تدعو للتعدد لحل مشكلة العنوسة والتي ما هي إلا دعوة لزيادة عنوسة الرجال ، ودعوة في الغالب لأن يتزوج كبار السن من بنات صغيرات ، وفي ذلك تعميق للاختلالات الاجتماعية الماثلة ، وكان الأجدى لهؤلاء السعي إلى توفير فرص العمل للعاطلين/ات وتحسين المرتبات وتوفير السكن للشباب/ات ، الشيء الذي يسهل مسألة الزواج .

     ومن الناحية الأخرى وللقضاء على كل أشكال استغلال المرأة والعلاقات غير السوية بينها والرجل لا بد من تعميم فكرة الأحادية (واحد لواحدة) بحيث تكون في حالتها المثالية كما يلي : رجل واحد لامرأة واحدة منذ الميلاد وحتى الممات ، بحيث تتم تنشئة الأطفال على هذا المبدأ ، بمعنى أن هنالك نساء كثيرات يحطن بالرجل أم وأخت وابنة وزميلة وصديقة ولكن هنالك امرأة واحدة فقط زوجة أو مشروع زوجة أو فكرة زوجة ، وفي المقابل هناك رجل واحد زوج أو مشروع زوج أو فكرة زوج .. فكرة زوجة واحدة متخيلة ـ ربما منذ الطفولة ـ وفكرة أو مشروع زوجة فيما بعد والتي قد تتوج بزواج . وهذا لا يمنع فشل الزيجات في حالات كثيرة أو عدم نجاحها من الأساس ولكن ليس بنية مبيتة ، وتظل الحالة المثالية هي الحالة التي نصبو لها وإن لم نبلغها .

     وقياسا على ذلك فإن تعدد العلاقات العاطفية مرفوض ، لا يمكن لرجل أن يبني عدد من العلاقات العاطفية مع عدد من النساء في وقت واحد . والعلاقات العاطفية التي لا يراد لها أن تتوج بزواج مرفوضة .. ومن باب أولى فإن تعدد العلاقات الجنسية مرفوض .. فليس هنالك سوى علاقة جنسية واحدة بين رجل واحد وامرأة واحدة وبعد الزواج . إذاً فإن تعدد شركاء العلاقة الجنسية وهي ظاهرة موجودة في كل الدول بدرجات متفاوتة ، ولكنها أكثر انتشارا وقبولا في الدول الغربية ، هي ظاهرة تندرج في خانة العنف والتعدي على النساء .

     وينكشف التناقض جليا عند بعض المناهضين للعنف ضد المرأة الذين يرفضون تعدد الزوجات من ناحية ويقبلون تعدد العلاقات الجنسية من ناحية أخرى ، ولن ينجلي تناقضهم هذا إلا إذا أضحوا من دعاة تعدد الزواج والعلاقات الجنسية في الاتجاهين بمعنى تعدد الأزواج للمرأة الواحدة وتعدد الزوجات للرجل الواحد ، وتعدد العلاقات الجنسية ، والنهاية المنطقية لهذا الطرح ستفضي إلى ما يعرف بالمشاعية ، ومن أراد أن يدعوا لها فله ذلك ، ولكن دمج هذه الأفكار مع قضايا مناهضة العنف ضد المرأة سيضر بالأخيرة أيما ضرر ، بل هي أكثر ضررا من الخطاب الديني المتزمت الذي يريد أن يسجن المرأة ويعزلها من حركة التاريخ . الدعوة التي تنحو نحو المشاعية ستُظهر من ينادي بها كهادم للقيم والأخلاق ـ وهو كذلك ـ وستعزله عن المجتمع ، وهي مثلها ومثل خلط القضية بموضوع المثليين الذي يعيق قضية المرأة ويشوشها .

   المخرج من هذه الإشكالية يكون بسعينا لتأكيد أحادية الزواج بالاستناد إلى الفكر الإسلامي المتقدم ، بالإضافة إلى المسوغات المنطقية العقلانية التي لا تحصى ؛ وبرفض تمرير الدعوات للحرية الجنسية والإباحية باستغلال قضية العنف ضد المرأة من قبل بعض العاملين في المجال ، وبذا نخدم مناهضة العنف ضد المرأة من ناحية ونؤكد أن المناهضين للعنف ضد المرأة إنما يدعون للعفة ، عفة الرجال والنساء .