عادل العفيف عندما يحدث إنهيار لمنظومة متخلفة، كالتي عليها الدولة في السودان، فإن ذلك الإنهيار يكون شاملاَ وكارثياَ في جميع مناشطها، السياسي منها والإقتصادي ، والرياض والإجتماعي. 

سياسة التجهيل  وإفتراض الغباء في الآخر التي إنتهجها النظام الحاكم، أتت أكلها في تشكيل ونشؤ جيل فاقد حتي للعقل السليم، جيل لا يناقش إلا نتائج الخيبات، ولا يتسآل عن مصدر وأصل هذه الخيبات، فقد نشأ هذا الجيل في مدرسة النظام، والتي  تلغي أول ما تلغي  فيه عقله، ومن ثم ملكة التفكير. وهذا بالظبط ما قصده قادة هذه الدولة الفاشلة بتكرار قولهم إعادة صياغة الإنسان.

   لقد رسخ هذا النظام في أذهان كثير من الناس فكرة أن ما تقدمه الدولة من خدمات يصب في خانة المنحة وليست الخدمة الواجبة علي الدولة، فرأيت الناس يفرحون كما الأطفال لقيام الدولة برصف شارع، أو تشيد كبري أو ما سواه من خدمات هي من أوجب واجبات أي نظام رشيد. يفرحون إذا عادت الكهرباء ، وكأن الأصل في الأشياء أن لا تعود. هذا الفرح الهستيري له معني آخر خفي، وهو أن لا يتذمر الناس في حالة إنعدام الأساسيات، فطبع الناس علي ذلك، فلا تجد الشخص متذمراَ بل تجد عنده القبول.

  في مثل هذا المناخ البائس كان لا بد أن تظهر أشياء كانت تجد السخرية والإذدراء عند أقوام عرفوا قدر أنفسهم، وإحترموا أدميتهم وبشريتهم. فليس غريبا وهذا هو الحال أن تطفح دعوات وزير صحة ولائي يسبق إسمه لقب بروف، كانت جل إسهاماته للبشرية أن أفتتح مؤسسة تعليمية تفرخ الكوادر المقاتلة لداعش.  هذا البروف لم يبخل علي شعبه بمساهمة أخري أن دعاه إلي تناول الضفادع، والضفادع التي يحث أهل السودان علي إلتهامها، هي في المقام الأول سامة لا تصلح للإطعام بشهادة علماء في المجال، اذ أن الحال هذا ينطبق علي جل ان لم نقل كل   ضفادع السودان. وهي ضفادع تتخذ المجاري والمياه الملوثة من صرف صحي سكنا. فيطلب من المواطن أن يصطادها ويتناولها كوجبة مجانية. قمة الغباء والتخلف والإستهتار من شخص بحكم منصبة يفترض فيه اللباقة وحسن اختيار المفردات.

  هذه أجواء نرجع بنا إلي عهود الإنحطاط والظلام، وأسباب الأنحطاط في اي دولة  هو إضطراب الحياة السياسية، والشعور بخيبة الامل وفقدان الحرية الشخصية. خلفت الحروب التي أشعلتها الحكومة ، أثارا كارثية علي الإقتصاد، فعاش الناس في ضنك، فالأراضي الزراعية تعطي لأعوان السلطة، والتجارة محتكرة، وليس هناك بيئة ملائمة لقيام أي نوع من الصناعات. وأصبح كل شي في يد وفي خدمة الطبقة الحاكمة. لهذا كان طبيعيا أن يتفشي الجهل، وسوء التعليم مما أدي إلي إنحطاط الحياة الفكرية، ولمزيد من سيادة التجهيل  أغلقت الحكومة المراكز الثقافية. في هذه الأجواء البهيمية كان لابد أن تظهر دعوات أكل الضفادع، لتنسجم مع سياسة التجهيل السائدة.

  في ظل هذا العوز والضنك والمسغبة الذي يكابده إنسان السودان، تظهر شائعات القنافذ التي تزيل الأمراض، ويهرع القوم في غباء غير مستتر لقنص ذلك الحيوان، الذي لا ذنب له سوي أن حظه العاثر جعله من قنافذ السودان. تسابق القوم علي القنافذ وكأن ليس بينهم رجل رشيد.

  قلنا أن الإنحطاط لا يستثني مجالا دون آخر،فشمل ذلك التدهور المريع كل مناحي الحياة، فظهرت أزمة رياضية تحكي فصولها عن إنعدام العدالة وسقوطها المدوي، وتحكي عن الفساد، المؤسف أن هذه الأزمة أبطالها رجال قانون وقضاة سابقون، حق فيهم قول شهيد الفكر الأستاذ محمود عندما وصفهم  ب” غير المؤهلين فنيا، وضعفوا أخلاقيا عن أن يمتنعوا عن أن يضعوا أنفسهم تحت سيطرة السلطة التنفيذية، تستعملهم لإضاعة الحقوق وإذلال الشعب” . ما يجري الأن من نزاع قانوني، يعكس بشكل بشع غياب العدالة في كل مرافق الدولة. ويعكس جور وظلم قضاة النار هؤلا، وأن القضاء مسيس وغير حر ومغير مستقل، فهؤلاء هم نفس القضاة الذين نفذوا كل الأحكام الجائرة بحق هذا الشعب. هم الذين أدانوا البري وبرأوا المدان.

  نظرت إالي سيرة قضاة لجنة الإستئنافات، فوجدت كل تاريخهم مخزي ومخجل، وأنهم أدوات طيعة عند من بيده السلطة. أحدهم يدعي سمير فضل اصاب سمعه صمم من جراء ظلمه للناس أيام أن كان قاضياَ، وأصابه الزهايمر فاتوا به، والآخر لا يقل  وبالاَ عنه وإنعدام ضمير. إستمعت لهذا الخرف وهو يهذي ويردد في بلاهة عندما حاصروه بالأسئلة، فأجاب بقوله ” قالوا لي” ، فالرجل لا يحكم بما أنزل من نصوص القوانين وإنما يحكم بما”  قالول له” ، تخيلت عدد الذين ظلمهم هذا المعتوه أيام أن كان قاضياَ ، فالامر بالنسبة لي ليس أمر كرة قدم بائسة، بل هو تصور أن مثل هذا المأفون كان يملك سلطة أن يزج بالناس في غياهب السجون، ويحكم بالموت علي من أوقعهم حظهم العاثر في طريقه، لا لذنب جنوه سوي أنه فقط  “قيل له” أفعل هذا.

  وظلمات أخري هذه المرة مصدرها البرلمان، نواب يتبارون في الإساءة للشعب، فقد وصفوه بأنه سبب كل الافساد والمفاسد، نواب بهذا الخواء التام مكانهم هو مذابل التاريخ النتنة حيث اللا عودة وليس قبة البرلمان. إن التاريخ سوف يحكي للأجيال القادمة مخازي هؤلاء الذين يهللون ويصفقون لزيادة أسعار السلع، هذا لا يحدث إلا في دولة فقدت كل مقومات البقاء ، وتحولت إلي مشيخة تقوم عليها كائنات لا تمت لعصرنا هذا بصلة. وقد حمل هؤالاء النواب الشعب مسؤلية الفقر، وتدهور إقتصاد البلاد. وحمل النائب طارق حمد الشيخ الشعب السوداني مسؤولية تدهور الإقتصاد نسبة لتراخيه وعدم جديته، في ظاهرة تعتبر الأولي في العالم أن يتهم برلمانيون قواعدهم.

  مبعث الجراءة في إتهام شعب كامل، هو يقينهم القاطع بأن هذا الشعب قد غيبت الحكومة عقله تماما، ولو أن من بين قطيع النواب هؤلاء رجل شجاع واحد، لأشار إلي فساد رئيسهم، وأسرته ووزرائهم وولاتهم. ولكنهم لن ولم يفعلوا، لأن هؤلاء القادة الفاسدون هم من يدفع لهم راتبهم الشهري وزيهم الرسمي.

   إننا نعيش في ردة وجهل عنيد لن تفلح كل علوم الدنيا في إزالته، لقد إستوطن الجهل وإنغلقت العقول وساد الغباء، ومات الحكماء والعقلاء، وفرّ كل من يستطيع الفرار خارج الديار ناجياَ بعقله، لقد غادر كل شي جميل السودان، بلد أدركت  -حتي حيواناتها – أن لا حياة بها، فهربت الغزلان في نزوح جماعي تجاه أثيوبيا، وكان آخر المغادرين قنافذها .

عادل العفيف مختار

محاضر

adilafifi@hotmail.com