عبد الله الشيخ كان مفترضاً مع نهاية هذا العام توحيد صفوف المعارضة، بجهود دولية ،لتدخل الى مائدة التفاوض مع النظام كـ  "حِزمة واحدة"..

على هذا الافتراض تأسس نداء باريس، ونداء برلين، وعلى هداها أيضاً  يُعقد المؤتمر التحضيري المرتقب في أديس أبابا.. لكن دقّت الأجراس، وثبت أن قيادات العمل المعارض مشغولة بصراعاتها ،عن العملية الكبرى..وكذلك الحركة الاسلامية، هي الآن بمثابة “طرائق قددا” فلا يُخفى الصراع داخل الفئة الحاكمة ، و لا داخل الكيان الاتحادي، بين الحسن الثاني والحرس القديم..وربما تعطيك أزمة الجبهة الثورية الأخيرة، بين قطاع الشمال وحركات دارفور ،دليلاً على انعدام الثقة داخل مكونات المعارضة.

على ذلك فإن الأزمة الثورية لم تنضج بعد، ولربما يميل ميزان القوي لصالح النظام وحلفاؤه الاقليميين والدوليين. فالنظام لم يندفع نحو الوثبة، إلا بإشارة من الخارج الذي”أطلق صافرة نهاية الحرب”،على حد قول مبارك الفاضل، والذي ــ هو الآخر ـــ بدأ يعانف على القيادة، غريمه الصادق المهدي داخل حزب الأمة.

 من هذه الزوايا ـــ صراع المعارضة الداخلي ــ يتكسّب النظام، واذا حدث أي تغيير، باي مستوى، فسيكون فطيراً يعيد إنتاج الازمة..بهذه المُعطيات، نحن أمام ثلاثة سيناريوهات جاهزة  للبيع: أولها يطرحه الترابي بما أطلق عليه النظام الخالف، وهو طرح يتضمن اعترافاً بأن هذا الراهن هو “نظام تالف” من الممكن اصلاحه علي مبدأ وحدة الإسلاميين وإبدال خيول مكان خيول، وتشييع راكبين جدد، مع ضمان ملاذات للطرفين،من شعبي ووطني.

 السيناريو الثاني، يتبناه الحزب الحاكم وسيُعلَن عنه في خواتيم مؤتمر الحوار، لأجل تسويقه كعمل جمعي:  أي كـ “لُحمة وطنية”،عبر الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية.. يقوم ذلك السيناريو على فكرة ضخ دماء جديدة داخل النظام ، بالاتساق مع خطة لتدجين فكرة العدالة الانتقالية، حتى لا تتجاوز حدودها ، فتُصبح ـــ على يد الشيخ كمال الجزولي وآخرين ــ اعترافاً كاملاً بفشل الاسلام السياسي..!

 أما السيناريو الثالث، فهو يفترض، أن تكون الكُرة في ملعب المُعارضة التي تتباين مواقفها، بين إسقاط النظام ــ سقوطاً مفتوحاً على كافة الاحتمالات ـــ أو تتفجر الانتفاضة الشعبية محمية بالسلاح، أو  يتكرر  السيناريو القديم ويتحقق وعد الثورة الشعبية السلمية…أي هذه السيناريوهات الثلاث،أو غيرها سيسبق الآخر..؟

 لا شك أن لكل ظرف ثوري رجاله، و في كل يوم يتهيأ الظرف ويحتاج التغيير،، لكن طال الأمد، فأصبحت قضية إنتاج دولة مدنية تسع الجميع قضية معقدة جداً، بالنظر إلى شرازم القبلنة والجهوية، التي استشرت يصورة سافرة  داخل المجتمع السوداني.. ولذلك تخشى الجماهير ــ وربما هذا هو سر الفُرجة ــ أن تعيد تجربة الديمقراطية غشامة السيدين، فيكون مجيئهما قيدومة لجنرالات الحلقة الشريرة..!

 الجماهير ربما  تخشى سقوط الدولة نفسها ، نظراً لتماهي تنظيم الأُخوان فيها،والتصاقه التّام  بها..!  وماذا لو سقطت الإنقاذ من تلقاء نفسها..!؟ هل ستقتتل القيادات أم تتوافق، أم ستنشأ داعش سودانية إذا ما أهلّ علي البلاد قانون للعزل السياسي كما حدث في العراق..!؟ أم هو إنتظار لـ ” للمنقذ/ المهدي أم لـ ” إنقاذ أخرى”، لتكون النتيجة،هلاك الملايين، بالحرب والمجاعة وباستقدام التدويل..!؟

 البديل أمنية على كل لسان..أن تُشكّل حكومة انتقالية من التكنوقراط المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة والوطنية، تؤسس أركان دولة المؤسسات و المواطنة والقانون،وتسلِّم السلطة لبرلمان منتخب يكتب دستوراً دائماً. منذ الاستقلال لم يتغير الحلم الذي يُحكى ـــ من حيث التنظير ـــ  بصورة  زاهية، فيُقال أن البديل هو:الشعب.هو:الديمقراطية..هو: الحرية… وعند المخاض نكتشف جميعاً ، أنّها كلمات،لا تُسمِن ولا تُغني من جوع، لا تُبقِي ولا تذر، لا في سوح العشق، ولا في حقل السياسة..!