نبيل أديب "الوطنية تضع على عاتق صاحبها مسؤولية الدفاع عن وطنه ضد حكومة ذلك الوطن" توماس بين " إن أسوء ما يمكن أن يصيبنا هو أن نخضع لحكومة ذات سلطة مطلقة" توماس جيفرسون  

الحريات العامة هي قيد على السلطة، لذلك فإن السلطة بطبيعتها تتوق لتقييدها. وهي رغبة لا تنفرد بها الحكومات في الأنظمة السلطوية، وإن كان يسهل عليها تحقيقها، بالمقارنة مع ما تعانيه في سبيل ذلك نظيراتها التي تخضع لسيادة حكم القانون، ويخضع القانون فيها للمراجعة القضائية، وتخضع هي نفسها لمحاسبة الناخبين. فكما أنه ليس كل ما يبرق ذهباً كما يقول شكسبير، فليس كل ما يصدر من القوانين في الدول الديمقراطية يكون ديمقراطياً حقاً.

لم يكن المؤتمر الوطني في ورقته المقدمة لمؤتمر الحوار الوطني والتي نواصل نقاشها اليوم حساساً تجاه المصاعب التي واجهها الحزب الجمهوري في أمريكا حين حاول أن ينجز ما أنجزه المؤتمر الوطني دون أي عناء. تناولت الورقة حق الخصوصية الذي تم إنتهاكه في رأي الورقة، ونشاركها لحد كبير في ذلك الرأي، في أمريكا بالرقابة على وسائل الإتصالات الإليكترونية. جاء في الورقة “ان ابرزمثال علي التضييق في الحريات لصالح الحفاظ علي الأمن القومي، هو القانون المثير للجدل الذي صادق علية الكونجرس الأمريكي سنة 2001م- هذا القانون الذي سمي بقانون مكافحة الأرهاب، قد أعطي الحق للشرطة الفدرالية الأمريكية بمراقبة جميع الوسائل الالكترونية التي وقعت زيارتها من قبل اشخاص مشبوهين بالاتصال بقوي خارجية .رغم أن هذا القانون يتصادم مباشرة مع البند الأول من الدستور الامريكي الذي يضمن حرية الرأي والتعبير” و لعل المقصود هو الحق في الخصوصية المحمي بالتعديل الرابع و ليس الحق في التعبير المحمي بالتعديل الأول. و نحن نعتقد أن الورقة تشير إلي قانون قانون الإحساس الوطني USA PATIOTIC ACT لعام 2001 والذي حمل تعديلاً لأحكام قانون مراقبة التخابر الأجنبي لعام 1978 م ليخضع للرقابة المنظمات الإرهابية التي لا تنتمي لدولة بعينها بعد أن كان يُعنى فقط بمراقبة نشاط الدول الأجنبية .

 

                                     قانون مراقبة التخابر الأجنبي


ما تشير إليه الورقة هو أحد القوانين التي تم تم بموجبها تعديل قانون الـ Foreign Intelligence Surveillance Act  وهو القانون الذي صدر في عام 1978 إبان ولاية الرئيس كارتر الديمقراطي وقُصِد منه تقييد أساليب التجسس غير القانونية التي تنتهجها الحكومة، كنتيجة لما كشفت عنه فضيحة ووترجيت، وما ظهر عقب إنتهاء الحرب الفييتنامية من ضلوع للأجهزة الرسمية في ممارسات مخالفة للقانون. وقد شُرِّع قانون مراقبة التخابر الأجنبي بغرض إقرار مشروعية سلطة المراقبة الإليكترونية على الدول الأجنبية، ومنع إستغلالها للتجسس على المواطنين، وذلك عن طريق إخضاع تلك المراقبة لرقابة القضاء، متى ما تضمنت الإتصالات الخاضعة للمراقبة طرفاً أمريكياً. وقد تم تعديل القانون في ولاية جورج بوش مرتين الأولى سبقت الإشارة لها والثانية في عام 2004 ليتضمن سلطة مراقبة ما يعرف بالذئب الوحيد lone wolf وهو الأجنبي الذي يُحضِّر للقيام بنشاط إرهابي دولي، دون إرتباط بأية دولة أجنبية أو منظمة إرهابية. نظم القانون المراقبة المباشرة والإلكترونية المتعلقة بجمع المعلومات المخابراتية عن نشاط الدول الأجنبية في المناطق غير الخاضعة لسيطرة الولايات المتحدة. ويشمل الحصول على المعلومات بالإضافة لتفتيش الأماكن والأشخاص، الرقابة الإليكترونية، وإختراق السجلات التجارية لأغراض التخابر على الأجانب. وقد أجاز ذلك القانون للرئيس الأمريكي أن يأذن بمراقبة اليكترونية على الدول الأجنبية والوكالات التابعة لها لمدة عام بدون أمر من المحكمة، بشرط ألا يكون هنالك طرف أمريكي في تلك الإتصالات، ولكنه أوجب على الحكومة أن تحصل على أمر من المحكمة في خلال 72 ساعة من ظهور ذلك الطرف الأمريكي في الإتصال الخاضع للمراقبة. وفي غير ذلك على الحكومة أن تطلب أمراً من المحكمة يسمح بالمراقبة الإليكترونية، ويشترط أن تثبت السبب المحتمل ويتمثل فى أن المقصود من المراقبة هو دولة أجنبية، أو شخص يعمل لحسابه، وأن المكان الذي سيخضع للمراقبة مُستخدم أو سيستخدم بواسطة دولة أجنبية، أو من يعمل لحسابها. أما التفتيش الفعلي للأماكن والمواد التي تستخدمها الدول الأجنبية فتتطلب دائماً أمراً مسبقاً من المحكمة. ويحتوي القانون على عقوبات جنائية في حالة مخالفة أحكامه من قبل قوات الضبط، كما يتيح للمتضررين أن يطالبوا بالتعويض مدنياً. وكوَّن القانون محكمة خاصة تتشكل من قاضي فرد يتم إختياره بالتناوب من بين (11) قاضي فيدرالي يعينهم رئيس القضاء. تنعقد المحكمة سراً لقبول أو رفض طلبات التفتيش في حضور جانب واحد هو وزارة العدل، وتصدر قرارات مصنفة Classified  أي لايجوز الإطلاع عليها إلا بواسطة المسؤولين المخول لهم ذاك. ورغم أن المحكمة العليا في أمريكا قد قررت أن الرقابة الإليكترونية يجب أن تخضع لأحكام التفتيش الدستورية من حيث تطلب الأمر المسبق المبني على وجود سبب محتمل، إلا أنها لم تر في القانون ما يخرق الحق الدستوري طالما أن المراقبة يقتصر أمرها على الأجانب. وفي دعوى بيتنكو ضد الولايات المتحدة حين تم تسجيل محادثة خاصة بالمدعى، وهو أمريكي رأت المحكمة العليا أن ذلك لا يخالف الدستور، طالما أن الغرض الرئيسي من المراقبة كان مراقبة أطراف أجنبية. يبدو انه من المناسب أن ننظر لدعوى براندون التي حاولت إلغاء قانون الشعور الوطني لمخالفته للدستور.

دعوى براندون مايفيلد

ولد براندون مايفيلد في ولاية أريجون ونشأ في ولاية كنساس، وقد خدم في الجيش الأمريكي في الإحتياطي لمدة أربعة أعوام، وكضابط مدة عامين، وكان قد قابل فتاة مصرية تدعى منى عام 87 فيما يدعى بميعاد أعمى Blind Date حيث يتقابل طالبو التعرف دون معرفة مسبقة. وقد إعتنق الإسلام بعد ذلك و تزوج بها. درس براندون القانون وإلتحق ببرنامج تابع لنقابة محامي أوريجون يقدم خدمات قانونية لقاء أتعاب مخفضة لذوي الدخل المحدود. وقد قدم خدمة قانونية تتعلق بدعوى حضانة للمدعو باتل، وهو  أحد المتهمين فى دعوى السبعة من بورتلاند، والذين أُدينوا لمحاولتهم السفر إلى أفغانستان لمساعدة طالبان. بعد 11 سبمتبر شعر براندون بأنه يخضع لمراقبة المخابرات يتمثل فى  تنصت على مكالماته التلفونية و تركيب نظام تسجييل داخل منزله.

تفجيرات مدريد

في أثناء ساعة الذروة في صباح الخميس 11 مارس 2004م وقعت عشرة إنفجارات في اربعة قطارات مختلفة بفعل أصوليين إسلاميين. وُجِدت قنبلة لم تنفجر داخل حقيبة بها بصمات في أحد القطارات، فأرسل مكتب التحقيقات الفيدرالي البصمات الخاصة بالمشتبه فيهم العشرين ومن ضمنهم براندون، لمقارنتها بالبصمات التي تم ضبطها في الحقيبة. أجرت السلطات الأسبانية المقارنة، وأخطرت مكتب التحقيقات الفيدرالي أن عيِّنتي البصمات لا تتطابق، وأنهم يشتبهون في شخص مغربي لا علاقة له بالولايات المتحدة. ومع ذلك مكتب التحقيقات إستمر في التجسس على براندون وعائلته.

وقد أصدر مكتب التحقيقات الفيدرالي خطابات أمن وطني خاصة ببراندون لجهات مختلفة. وهى خطابات  تأمر الجهة الموجهة لها بالإفضاء بالمعلومات المطلوبة عن أى شخص، بموجب قانون الشعور الوطنى، دون أن تخطر الشخص المعني بذلك. تم القبض على براندون ليس بإعتباره مشتبه فيه، بل كشاهد مهم، و بذلك أمكن تخطى الضوابط الدستورية فلم يسمح له بمقابلة محاميه وأسرته، ولم تخطر أسرة براندون، و لم يخطرهو بأنه مشتبه فيه، ولا بمكان إحتجازه. وقد علمت أسرة براندون من نشرة الأنباء في التلفزيون أن براندون مقبوض عليه في إشتباه يتعلق بتفجيرات مدريد. ولم تفرج السلطات عن براندون إلا بعد إعلان خبر القبض على جزائري يدعى داؤد تُطابق بصماته البصمات الموجودة على الحقيبة فى الإعلام العالمى، رغم أن السلطات الأسبانية كانت أخطرتها بذلك من قبل.

قام براندون برفع دعوى على مكتب التحقيقات الفيدرالي مدعياً أنهم قد خرقوا خصوصيته، ومطالباً بإعدام ما تم الحصول عليه من بينات. طالب مكتب التحقيقات برفض الدعوى بإعتبار أن البينات تتعلق بالأمن الوطني، وأن الإجراءات التى إتخذها مكتب التحقيقات كانت صحيحة وفقاً لقانون الشعور الوطني The Patriotic Act، وقد دفع براندون بأن القانون الذي يسمح بالتفتيش بدون إشتباه معقول هو قانون غير دستوري. توصل براندون لتسوية جزئية مع مكتب التحقيقات الفيدرالي دفع له فيها تعويضاً لم يكشف عن قيمته ولكن يقال أنها بلغت مليوني دولار، وقد إشترط أن يسير في دعواه فيما يتعلق بعدم دستورية القانون .

في 26/9/2007م أصدرت آن إيكين القاضي الجزئي الفيدرالي قرارها في الدعوى لصالح براندون، وذكرت أن “قانون المراقبة للمخابرات الخارجية وفقاً للتعديل الذي أجراه قانون الإحساس الوطني يسمح بأن تقوم جهة حكومية بمراقبة وتفتيش مواطنين أمريكيين دون أن توفى بمتطلبات الإشتباه المعقول الدستورية، وهذا يفرض إجراءات مخالفة للدستور على الأمة التى عاشت لمائتي عام تحت حكم القانون في نجاح منقطع النظير، هو أمر غير سائغ وغير مرغوب فيه” وجاء في خاتمة حكمها ” إن طلب النائب العام بأن نشطب دعوى مايفيلد هو في أساسه طلب لهذه المحكمة بأن تعدل وثيقة الحقوق، بان تضفي عليها تفسيراً يجعلها بدون أي معنى، و هذه المحكمة ترفض أن تفعل ذلك”. لم يكتب لهذا الحكم العظيم أن يبقى، فقد ألغته محكمة الإستئناف الفيدرالية على أساس فني وليس موضوعي، بسبب أن براندون لم تعد له مصلحة في الطعن في دستورية القانون بعد أن تمت تسوية مطالباته مع الحكومة الأمريكية. ولم يفلح محامي براندون في إقناع المحكمة العليا بالتدخل في الأمر.

التنصت على المواطنين و حماية امريكا

في ديسمبر 2005 نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالاً أكدت فيه وجود برنامج للتنصت على مواطنين أمريكيين شاركت فيه وكالة الأمن الوطني منذ عام 2002. أثار المقال ضجة كبيرة، ليس فقط بسبب ما عُرف عن صحيفة نيويورك تايمز من مواقف ضد خرق الحريات،  وما أرسته الدعاوي التي كانت طرفاً فيها من المباديء الدستورية، بل أيضاً لخطورة المسألة لأنه لو صح ذلك فإن البرنامج يكون قد خرق التعديل الرابع للدستور بالإضافة لكونه يشكل جريمة بموجب قانون مراقبة التخابر الأجنبي. وهو الأمر الذي قاد لتعديل ثالث على أحكام ذلك القانون المقلق للجمهوريين وهو تعديل تضمنه قانون أحموا امريكا. وقانون أحموا امريكا والذي جرى تسويقه بشكل كبير من قبل الوكالات المخابراتية و العسكرية الأمريكية كقانون يهدف لمنع الهجمات الإرهابية، هو قانون يهدف للسماح بالحصول على المعلومات الاستخباراتية المطلوبة، بمراقبة مصادر ذات طبيعة غير محددة، بدلاً من الإشتراط الأصلي الذي كان يتطلبه القانون وهو أن تكون المصادر أجنبية. الشرط الوحيد هو أن يكون الموقع الجغرافي للأشخاص المستهدفين بجمع المعلومات الاستخبارية خارج الولايات المتحدة في وقت صدور الأمر. ولكن المراقبة نفسها تنفيذا للتوجيهات يمكن أن تتم داخل أو خارج الولايات المتحدة. ولا يتطلب القانون أن يكون الشخص المستهدف موضع تحقيق جنائي أو تحقيق متعلق بنشاط إرهابي. كل ما هو مطلوب هو أن يكون الشخص المستهدف بجمع المعلومات له صلة بمعلومات إستخبارية ترغب جهة ذات صفة رسمية في الحصول عليها لتمنح المراقبة الإليكترونية التي تتم تنفيذاً له الحصانة الكاملة من أي إجراءات جنائية كانت أم مدنية.

                                        قانون أحموا أمريكا

بموجب قانون أحموا أمريكا لعام 2007، عُدِّل القانون ليجيز للحكومة الأمريكية مراقبة الإتصالات التي تبدأ أو تنتهي في بلد أجنبي بدون أن تخضع في ذلك لرقابة المحكمة. وقد حوى القانون حكماً يتيح للحكومة أن تصدر أمراً للحصول على معلومة أو مادة لموفري خدمات الإتصالات (شركات الإتصال والبريد الإليكتروني)، بعد أن يقوم النائب العام أو مدير المخابرات الوطنية بإصدار شهادة بأن الإتصال المطلوب تسليمه يجري مع شخص يعتقد لأسباب معقولة أنه موجود في بلد أجنبي، ويودعها لدى المحكمة المختصة و يستمر مفعول الأمر لمدة عام كامل، ويحصل مقدم الخدمة على حصانة من المقاضاة متى ما نفذ ذلك الأمر. إذا فشل مقدم الخدمة في تنفيذ ذلك الأمر يجوز لمدير المخابرات أو النائب العام إستصدار أمر من المحكمة المختصة FISA يلزمه بذلك، ومخالفة ذلك الأمر يوقع المخالف تحت طائلة العقاب الجنائي كما ويجوز لمقدم الخدمة أن يتقدم بعريضة يتحدى فيها شرعية الأمر للمحكمة، التي تفصل في تلك العريضة وفي خلال 72 ساعة على الأكثر. ورغم أن القانون يلزم الحكومة بأن تودع لدى المحكمة الأسباب التي تدعوها للإعتقاد أن الإتصال الذي سيتم التنصت عليه ليس إتصالاً داخلياً، إلا أن المحكمة لا تستطيع أن تأمر بعدم إجرائه إلا لو كان خطأ ذلك واضحاً. والقانون يسري لمدة ستة أشهر فقط وإن كانت الأوامر التي صدرت بمقتضاه تبقي لمدة عام. وقد تم نقد القانون من عدة زوايا، فهو قانون يحرم الأمريكي من حقه الدستوري لمجرد وجوده خارج الوطن، لأن القانون لا يتطلب أن يكون الشخص المطلوب الحصول على مراسلاته وإتصالاته أجنبياً، بل يكفي أن يكون في الخارج. والقانون يتيح الحصول على إتصالات بين أمريكيين دون وجود أي عنصر أجنبي بسبب وجود أحدهم في الخارج، وبغض النظر عن سبب وجوده. لذلك فقد واجه معارضة شديدة من قبل المنظمات المعنية بالحريات العامة.

معركة تجديد القانون

عند إنتهاء سريان القانون في أول فبراير، قام الكونجرس بمد سريانه لمدة خمسة عشر يوماً، حتى يمكن التوصل لتوفيق حوله. وقد حاولت الحكومة إقناع الكونجرس بتجديد سريانه بشتى الطرق وأكثر تلك المحاولات درامية  قام بها بوش حين ذكر “يدبر الآن الإرهابيون في مكان ما في العالم، هجمة على الشواطيء الأمريكية، تحدث دماراً يجعل صورة 11 سبتمبر تبدو شاحبة. حتى نتمكن من معرفة ما يدبره الإرهابيون نحتاج لتعاون من شركات الإتصال، ولكن إذا كان تعاون شركات الإتصال سيعرضها لدعاوي تصل قيمتها لبلايين الدولارات، فإنهم لن يساعدونا في أن نحمي أمريكا” أما أكثرها فجاجة، فقد قام به مايك ماكونيل مدير المخابرات الأمريكي، حين ذكر أمام لجنة في الكونجرس أن ذلك القانون ساهم مساهمة فعالة في كشف مؤامرة إرهابية في المانيا، وقد إضطر بعد يومين فقط من تلك الشهادة إلى تصحيحها بسبب مخالفتها للواقع ،وقد أنكر مساعدوه أنه قصد تضليل الكونجرس، وزعموا أنه إختلطت عليه الوقائع الخاصة بالموضوع. كانت المسألة الرئيسية في تجديد ذلك القانون قد إنحصرت في منح الحصانة لشركات الإتصالات متى ما نفذت تعليمات الإدارة الأمريكية بتسليمها سجل الإتصالات التي تطلبها، حتى ولو كانت هذه التعليمات قد نفذت قبل القانون، وذلك لأن هناك سيلاً من القضايا ينتظر تلك الشركات بسبب إنتهاكها للخصوصية. لم تفلح محاولات جورج بوش في تجديده في فبراير 2008 م ومن ثم صدر تعديل قانون (مراقبة التخابر الأجنبي) عام 2008 م و الذي حمل القسم السابع مواد مشابهة و إن لم تكن مطابقة لأحكام قانون (احموا أمريكا). وقد حظر القانون أن يتم عمدا إستهداف شخص معروف أنه وقت الحصول علي المعلومة كان موجوداً في الولايات المتحدة و حظرأيضا أى إستهداف عمدى لشخص يُعتقد أنه موجود خارج الولايات المتحدة  إذا كان الغرض من ذلك إستهداف شخص بعينه معلوم أنه موجود داخل الولايات المتحدة. وذلك لمنع التحايل  على القانون بمراقبة شخص موجود خارج الولايات المتحدة  له صلة وثيقة بشخص موجود داخلها بغرض الحصول علي معلومات عن الشخص الأخير. وحظر القانون  إستهداف الأمرييكين حتى ولو كانوا موجودين خارج الولايات المتحدة. وكذلك الإستهداف المتعمد لإتصالات يكون الراسل والمتصلين فيها جميعاً موجودين  داخل الولايات المتحدة.  كما وتضمن نصاً يلزم أن تتم المراقبة بشكل  يتفق مع أحكام ألتعديل الرابع للدستور الأمريكي وهو النص  الذي يتطلب وجود السبب. وقد تضمن التعديل حصانة بأثر رجعي وهو ما كان يرغب فيه جورج بوش، والذي صرح بأنه لن يوقع أي قانون لا يمنح تلك الشركات الحصانة بأثر رجعى. وقد أخذ الناشطون في الدفاع عن الحريات العامة على هيلاري كلينتون وأوباما أنهما لم يحضرا الجلسة التي تم فيها ذلك، حتى ينأيا بأنفسهما عن هذا الموضوع الخلافي، مما أثار حفيظة أولئك الناشطين، الذين يرون أنه لا خير في مرشح لا يقف ضد ذلك القانون المخالف للدستور.
الثابت هو أن ما قامت به شركات الإتصالات يخرق عدداً من القوانين الأمريكية التي تحمي الخصوصية، كما ويخرق العقود التي أبرمتها مع عملائها، والتي تعهدت بموجبها بالمحافظة على سرية إتصالاتهم، وعدم الإفضاء بمحتواها، وهذه المسألة كانت وقت صدور القانون موضوع ما يزيد عن أربعين دعوى مرفوعة ضد شركات إتصالات عملاقة، وشطب هذه الدعاوي بقانون يطبق بأثر رجعى يهدر حقوقاً دستورية عديدة.

قانون حرية أمريكا

عندما صدر قانون حرية الولايات المتحدة في يونيو الماضي، تم الترحيب به كأول قيد قانوني رئيسي على سلطات المخابرات في المراقبة منذ عقود. ولكن ما أنجزه القانون حقيقة هو أنه أخضع سلطان المحكمة السرية للمخابرات لتدقيق لم يسبق له مثيل. فقد ظلت تلك المحاكم منذ إنشائها مثاراً للنقد لأن المعلومات المتعلقة بقرارات الحكومة بالمراقبة، و مبررات تلك القرارات، يتم فحصها بعيدا عن أعين الشعب. ولكن بصدور قانون حرية الولايات المتحدة الأمريكية في يونيو الماضي أُخضِعت للسرية فقط القرارات التي تحدث تغييرا أساسيا علي قواعد المراقبة، و يتم ذلك بقرار من المحكمة نفسها، بعد مراجعة النائب العام ومدير المخابرات. وتطلب  القانون من المحكمة أن تكوِّن لجنة إستشارية من الخبراء في مجال حق الخصوصية لتقديم النصح حول ما يسببه الطلب الذي تفحصه من أثر علي الحريات العامة. ورغم أن هنالك الكثير من المآخذ الي تأخذها منظمات المجتمع المدني المعنية بالحريات العامة علي القانون، بسبب ما يحمله من ثغرات تسمح بالإستمرار في إخفاء أحكام هذه المحكمة، ألا أن الثابت أنها خطوة محسوسة نحو إطلاع الجمهور علي القرارات القضائية الخاصة بالرقابة علي سلطة أجهزة المخابرات في التنصت الإلكتروني علي الأجانب .

أين المؤتمر الوطني من كل ذلك؟

 بعد عشرة سنوات من صدور الدستور الإنتقالى، والذى يحمى حق الخصوصية، لا يواجه المؤتمر الوطني أي مشكلة بسبب المادة 8 (ز) من قانون الإتصالات، والتي تمنح الهيئة القومية للإتصالات سلطة حماية إلتزامات الدولة ومتطلباتها في مجال الأمن والدفاع الوطني، والطوارئ، والسياسات الإقليمية، والدولية، بالتنسيق مع الجهات المقدمة لخدمات الإتصالات. والمادة كما نرى تجيز المراقبة دون أن تطلب أمراً مسبقاً من المحكمة، ودون أن تقصرها على الأجانب ولا تفرض أي قيود متصلة بالسبب المحتمل في الإشتباه. وهذا ما يستوجب حقيقة المعالجة أما مسألة الحريات في أمريكا فهي مسألة خارج إطار الحوار الوطني الذي يجري في السودان!!