د.حيدر إبراهيم علي تؤكد دعوات التجديد الديني المتكررة والمعادة كل فترة وأخرى، على وجود عقبات تسببت في فشل كل دعوة سابقة، وإلا لما احتجنا لإعادة الكرة كلما واجه المسلمون تحديات جديدة. 

فالدعوات للتجديد تتراوح مكانها، وتبدأ كل مرة من بداية البداية. إذ لم تظهر قوى أو تيارات تجديدية قادرة على التكيف والتعايش مع المستجدات والقضايا العصرية. فالتجديد في حقيقته ليس مجرد معالجات جزئية وموسمية للإجابة على قضايا طارئة، ولكن استنباط منهج ضمن رؤية كلية لفهم الدين وبالضرورة ممارسته وتطبيقه بطريقة لا تتعارض مع العصر، وفي الوقت نفسه لا تنفي خصوصيته الحقيقية لا المصطنعة.
أثارت الأحداث الأخيرة وبالتحديد تنامي خطر « تنظيم الدولة الإسلامية» الحاجة للمطالبة بالتجديد الديني بقصد الدفاع عن صورة الإسلام الصحيحة أمام العالم. ولكن من المستهل ظهر الخلاف حول المفهوم الواجب تبنيه، فالبعض يفضل استخدام مصطلح « الإحياء الديني» أو >الإصلاح الديني» أو المطالبة بالاجتهاد فقط.

ويرى هذا الفريق أن الدعوات الحالية للتجديد ليست بريئة تماما، ولذلك تلبس أقنعة تخفي نواياها الحقيقية. والتسميات السائدة هذه الأيام، هي مختلفة ومتنوعة فعلا. ويستخدم دعاة التجديد الديني لأسباب مختلفة مفاهيم « تجديد الفكر الديني» أو « تجديد الخطاب الديني»، وهذا حذر خفي من قبل المجددين لتنجب اتهامات المحافظين والمتشددين بأنهم يستهدفون الدين نفسه. ولم ينفع هذا الحذر، فقد اعتبر خصومهم أن استخدام كلمات « خطاب» و«فكر» هي حيل خبيثة للاختباء خلفها ومهاجمة الدين.
وهذه الخلافات منذ البداية تُفقد عملية التجديد، الأرضية المشتركة التي تمكن كل الأطراف من التعبير والانطلاق نحو تحقيق تجديد ديني أصبح ضرورة وليس اختيارا.

والإيجابي في الأمر أنه ليس هناك من يجادل حول مبدأ التجديد، ولكن يبقى الخلاف حول التسميات والقضايا والوسائل. وهذه هي المشكلة التي تشلُّ كل عملية التجديد.

حاول البعض – كما جرت العادة – التأصيل لعملية التجديد، وذلك باعتبار أن مبدأ التجديد والاجتهاد، عنصر أصيل من مكونات الدين الإسلامي، وكثيرا ما يُستدل بالحديث النبوي عن أن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها أمر دينها. ولكن هناك من يرى أن مسألة التجديد مفتوحة في أي وقت للمسلمين. ويُستشهد بحادثة (معاذ بن جبل) والذي بعث به الرسول قاضيا لليمن، وسأله:» بم تقضي؟» قال: بكتاب الله. قال الرسول: فإن لم تجد في كتاب الله. قال: فبسنة رسوله، قال: فإن لم تجد في سُنة رسوله؟ قال: اجتهد رأي ولا ألو…وأرتضى الرسول هذا الكلام وحمد الله لتوفيقه به. ويروى أن هذا هو نوع من التجديد. ويرجع البعض لحديث الرسول الكريم :» الحلال ما أحله الله في كتابه، والحرام ما حرمه الله في كتابه وبينهما عفو، فأقبلوا من الله عافيته». وهذا يعني أن منطقة العفو واسعة وتتسع، فلماذا لا يُقبل المجددون والمفكرون عليها؟

يرى كثير من المفكرين الإسلاميين أن التجديد هو:» إحياء العمل بالدين، وإعادة المحافظة على السنة، وهجر ومحاربة البدعة». بينما يرى فريق ثان أن التجديد هو إحياء العلم بالدين وتجديد الفهم له. والرأي الثالث أكثر شمولا لأنه يجمع بين العلم والعمل. وحسب تعريف المودودي:» التجديد في حقيقته هو تنقية الإسلام من كل جزء من أجزاء الجاهلية، ثم العمل في إحيائه خالصا محضا على قدر الإمكان». ويستوي في هذا الأمر، من يدافع عن العقيدة الإسلامية ورد الشبهات المثار عليها، مع من يناضل عن الاحكام الشرعية العملية، أي الفقه والمطلوب في الحالتين، «إعادة الدين إلى حيث كان علي عهد الرسول(ص) وصحابته الكرام بعد أن ذهب. وهذا تعريف شائع ويمثل مرجعية للكثيرين باعتباره دعوة للعودة إلى النبع الأول أو بدايات فجر الإسلام. ويفسر شيخ الأزهر( أحمد الطيب) التجديد المنصوص عليه في الحديث « بأنه العودة إلى العمل بالكتاب والسنة، وإزالة ما غشيها من البدع والضلالات».

هناك تيار آخر مخالف ولكن أغلبه من مفكرين ليبراليين وديمقراطيين، مهتمين بالدين، وهذا من حقهم، يخشون أن يؤدي الفهم السابق إلى السلفية وحتى الأصولية. وهنا تُرفع تساؤلات القصد منها الحد من جرأة بعض المفكرين في تناول القضايا الدينية، مثل: من الذي يحق له إبداء الرأي في المسائل الدينية؟ ولتضييق المجال على الآخرين، يقدم هؤلاء تفسيرا خاصا لمفهوم « أهل الذكر» ويقصرونه على رجال الدين من خريجي المعاهد الدينية، وأي محاولة من غير هؤلاء تُعتبر تطفلا وتطاولا على الدين. وكان لمثل هذه المواقف أثرها على مساهمات المفكرين من خارج المؤسسة الدينية وخلقت قدرا من الإرهاب الفكري. فقد دفع بعض المفكرين حياتهم أو مستقبلهم ثمنا للـ: «تطاول» والجرأة. ولكن لم يتوقف تيار التجديد الديني لدى الكثير من المفكرين الديمقراطيين والليبراليين.
ويُلاحظ أنهم صاروا يميلون إلى تداول عدد من المصطلحات المتشابهات وقد تترادف، مثل الاجتهاد، والإصلاح، والتطوير، والإحياء، والحداثة. ولكن المطلوب مهما كانت التسميات هو أن يواكب فهمنا للدين متغيرات العصر، وإلا سنصطدم بها، ونحاول. عبثا ـ مقاومة التغيير والتقدم.

يقوم التيار المحافظ بالخلط المقصود بين التجديد والتغريب، وبأن التجديد هدفه النيل من الإسلام، وفرض أجندة، مثل فصل الدين عن الدولة، أو نشر إباحة سفور المرأة، أو الإقرار بالربا في معاملات المصارف. ومن ناحية يقول آخرون إن التجديد ويراد به التبديد، أي تبديد التراث الديني من خلال دعوى تجديده. كما أن التجديد عند قطاعات كبيرة من الإسلاميين ليس بعيدا عن « المؤامرة» التي تحاك ضد الإسلام. لذلك، فهم يأتون للتجديد بنصف قلب، ولم يصبح مطلب التجديد جزءا أصيلا واستراتيجيا في الفكر الإسلامي المعاصر. ويقف الحديث عن التجديد عند عتبة البراغماتية وتنويع أدوات الدفاع عن العقيدة. وقد برز في الفترة الأخيرة تيار الوسطية، وهي محاولة توفيقية أو تلفيقية في التجديد. وهي تقوم على تفكير مثالي أقرب إلى الهندسة، إذ من الصعب إن لم يكن من المستحيل تحديد النقطة الوسطى الفاصلة في خط التفكير بين التفريط والأفراط. كما يقولون، أو الغلو والتسامح. وحتى الإسلاميين الأكثر تحررا يخشون من مفهوم التجديد ويرون أنه «سيء السمعة» لأنه أصبح يثير القلق والريبة والتوجس في نفوس المسلمين، لأن تيارات العلمانية استطاعت احتلاله وتعبئته بمضامين وتوجهات جعلته رمزا على تجاوز الشريعة وتخريب الدين. ويري بعضهم في انتشار مصطلح التجديد، بوادر انتصار التوجهات والمنهجية العلمانية في العالم الإسلامي علي التوجهات الإسلامية. فقد طُردت. حسب هؤلاء الإسلاميين- المصطلحات الإسلامية العربية التراثية، مثال ذلك وفق قولهم، انتشر مصطلح ( ثقافة) وغاب مصطلح ( الفقه) أو حوصر في مجالات دينية ضيقة، وظهر مصطلح (المثقف) و(المفكر) وغاب مصطلح (العالم) و(المتعلم)، وغاب مصطلح الاجتهاد وظهر مصطلح التجديد.

من الملاحظ وجود خلافات عميقة، ونرى بوضوح التشويش وعدم الدقة في تعامل كثير من الكتاب الإسلاميين مع عملية التجديد، كما يقومون بافتعال معارك وانشقاقات فكرية غير مجدية وانصرافية. والسؤال: من هم الفاعلون الاجتماعيون القادرون على قيادة معركة التجديد مع الراغبين في المؤسسة الدينية وألا يترك الأمر حكرا لها؟ ألا يظل التجديد الديني مستعصيا تماما في المجتمعات العربية – الإسلامية، وتبقى هذه الضوضاء.

نقلا عن القدس العربي