سيف الدولة حمدناالله ليس هناك شيئ تخسره المعارضة من تخلي الصحفي حسن إسماعيل عنها، بنفس القدر الذي ليس فيه مكسب للنظام، فالمعارضة لديها ما يكفيها ممن يقومون بالدور الذي كان يتولاه حسن 

  • ·     في لعن النظام وكشف مخازيه وتحريض الشعب عليه، برغم أن النظام لا يحتاج من الأساس لمن يقوم بهذا الدور، فهو نظام مكشوف حال، ففشله ومخازيه واضحة وتحكي عن نفسها،  كما أن حسن نفسه ليس لديه ما يقدمه للنظام، لأنه لا يعترف بخطأ واحد من أخطائه حتى يأتي بمن يعالجه، ولا يزال أركانه يلهثون لسرقة ما تبقى من ثروات الوطن دون وخذة من ضمير.

 

  • ·     قيمة حسن في عيون النظام التي جعلته يسعى لضمه في صفوفه (ذكر حسن أنه كان في حوار مع حامد ممتاز وآخرين بالمؤتمر الوطني قبل دخوله الحكومة)، أنه أراد أن يضرب به المعارضة، وهو نفس السبب الذي جعل النظام يغوي  إمرأة نصف متعلمة كانت في صفوف المعارضة وكل قيمتها أنها تقوم بنشر مقاطع فيديو تظهر فيها وهي تشتم رموز المعارضة بأرزل الألفاظ، وهو نفس السبب الذي جعله يستدرج نجل المهدي (عبدالرحمن) بإعادته أول الأمر للخدمة في الجيش، وحينما قَبِل، ألحقه في رتبة عقيد بفرع الرياضة العسكرية، فالنظام في ذلك، مثل الطفل الذي لا تعجبه اللعبة إلاّ إذا رآها في يد طفل آخر، وينصرف عنها متى حصل عليها.

 

  • ·     وليس هناك دليل على سلامة هذه النظرية مثل الوظيفة التي أُسندت إلى حسن إسماعيل بعد إنضمامه لصفوف النظام، وهي وظيفة وزير الحكم المحلي بولاية الخرطوم، وهي وظيفة مَنظَرة وبلا أعباء، وليس وراءها رجاء أو منفعة إلاّ لصاحبها، حتى أن حسن نفسه كاد ينطق بهذه الحقيقة حين إستشعر الحرج من كونه وزير عواطلي فذكر في أكثر من مناسبة أن أهمية وظيفته تأتي من كونها تتيح له حضور إجتماعات مجلس وزراء ولاية الخرطوم.

 

 

  • ·     والحال كذلك، كان على الوزير حسن أن يُمسك عليه لسانه ويترك المعارضة والمعارضين في حالهم، فآخر ما يحتاجون إليه رأي أو نصيحة من مثله،  فقد طالعت بالصحف (صحيفة الجريدة 28/11/2015) ما ذكره حسن إسماعيل في ندوة جماهيرية عُقدت بميدان المدرسة الأهلية بامدرمان، قال فيها أن قادة المعارضة أغلقوا على أنفسهم الصالونات أثناء أحداث سبتمبر وخرجوا بمرشح لحكم السودان عمره سبعون عاماً، ووصف الأحزاب المعارضة بأنها معطوبة وأنها تفتقر للديمقراطية، فليس من المعقول (والكلام لحسن) ان يستمر شخص في رئاسة حزب من سنة 1966، وعن دواعي دخوله الحكومة، قال أنه زهد فيما هو مطروح في المعارضة وأراد الإنتقال لمربع العمل.

 

  • ·     بقى ده إسمه كلام يا حسن !! ما العيب في أن يكون الرئيس القادم في سن السبعين!! ومن قال أن من يبلغ السبعين لا يصلح للحكم، فالرئيس التونسي الحالي محمد الباجي السبسي الذي أخذ بيد بلده بعد قيام الثورة وجعل منها أيقونة للكيفية التي يمكن بها لشعب تحقيق التحول للحكم الديمقراطي السليم في سلاسة برغم خضوعها لحكم عسكري ديكتاتوري لفترة طويلة، فقد تبقى للرئيس السبسي عام واحد ويضرب في سن التسعين، فهو من مواليد سيدي بوسعيد في 26 نوفمبر 1926، كما أن كل عظماء العالم الذين غيّروا مسيرة التاريخ كانوا في مثل هذا العمر !! فمن بين الرؤساء الأمريكان هناك سبعة عشر منهم تخطى هذه السن الموصوفة، كما أن ونستون تشيرشل المولود في 1883 وهو أشهر رؤساء الوزارة في بريطانيا حكم أول مرة في الفترة (1940 – 1945) ثم أعاد الشعب البريطاني إنتخابه مرة أخرى (1951 – 1955) عندما بلغ هذه السن التي يستثكرها وزيرنا الشاب على حكم السودان.

 

  • ·     ثم، ما الذي جر الخيبة على السودان غير حكم الصبيان والشباب الذين يفتقرون إلى الحكمة والتجربة، وجعلوا الوطن وشعبه حقل لتجريب نظريات من بنات أفكارهم !! فقد تسلّم الصادق المهدي رئاسة الوزارة لأول مرة وهو بالكاد كان قد بلغ سن الثلاثين، كما تسلّم الرئيس النميري الحكم قبل أن يكمل عمره واحد وأربعين عاماً، فيما إستلم الرئيس البشير السلطة وهو في عز شبابه قبل أن يبلغ الخمسين، ثم من هو الأولى بأن يُقدّم له حسن إسماعيل مثل هذه النصيحة !! قادة المعارضة الذين يُطلقون ترشيحات في الهواء قد تخطئ وقد تُصيب، أم الرئيس الذي إنضمّ حسن إلى حكومته !! والذي حين بلغ سن السبعين إستحلى الحكم فقام بتجديد ولايته خمسة سنوات أخرى فوق ما حَكَم وبالمخالفة للدستور !! ومثله الفريق أول مهندس عبدالرحيم والي ولاية الخرطوم الذي يعمل صاحب النصيحة تحت إمرته وتعليماته وهو بالكاد يستطيع أن يحفظ توازنه على الأرض !!

 

  • ·     من بين ما قاله حسن في تسفيه المعارضة أن القوى التي تطرح نفسها الآن كبديل، سوف تأتي بعبئ أكبر على الوطن، ومضى يسخر منها بالقول أن أركان النظام لو أنهم ذهبوا في إجازة إلى ماليزيا ثلاث سنوات، فسوف تعجز القوى البديلة  عن توفير الكهرباء حتى للقصر الجمهوري. هذا قول عيب لا يليق بمُعارض سابق كان يسعى بكل قوته لإسقاط النظام وتغييره، فأسلط لسان في النظام ليست لديه الجرأة لأن يدّعي بمثل هذا القول، فأهل الإنقاذ أنفسهم أدركوا أن النظام ضرب الحيط وكاد يُعلن عجزه عن تسيير البلاد، فهو يسعى ليل نهار لإقناع المعارضة التي يستهزئ بها حسن لمشاركته في الحوار حتى يخرج من المأزق الذي يعيشه بعد أن تسبب في دمار كل موارد البلاد من صناعة وزراعة، ثم، ما الذي حدث لقوى المعارضة التي كان ينتمي لها حسن قبل شهور وجعلها في هذه الصورة التعيسة التي يحكي عنها حسن وهو الذي كان يقول قبل خروجه منها أن هذا نظام تالف وفاسد ولا رجاء فيه ويجب إسقاطه!!

 

  • ·     من قال لحسن أن القوى التي تجابه النظام اليوم تنتمي للأحزاب التي وصفها بأنها معطوبة وتفتقر إلى الديمقراطية !! فالذين ينتمون لمثل تلك الأحزاب (وحسن واحد من بينهم) لا يُشكلون نسبة تُذكر من سكان هذا البلد المكلوم، فالذين يريدون تغيير النظام شرفاء يرفضون ظلم النظام وفساده وتبديده لموارد الدولة، وينشدون الحرية والكرامة لشعبهم، وليس لغالبيتهم صلة بأي من الأحزاب التي يحكي عنها حسن.

 

  • ·     مشكلة حسن إسماعيل أنه إعتقد أن الذين سكبوا عليه الدموع حين هجر المعارضة وإنضم للنظام قد فعلوا ذلك بسبب يرجع لشخصه الكريم، فالذي بكى عليه الناس هو أن جنس فِعله يتسبب في إنهيار ثقة الشباب في الجيل الجديد من السياسيين بعد الذي شهدوه من كثير من أبناء الأجيال السابقة الذين لم يعصمهم العيب من الهرولة نحو نظم الحكم العسكرية دون إعتبار لمخازيها، وحسن من جيل كان يعتبره أقرانه اللسان الذي يحكي بإسمهم عن تطلعاته وأحلامه، وهذه هي القيمة التي إكتسبها حسن وجعلته في مرمى النظام الذي عرض عليه الوظيفة، ففي كل يوم هناك عشرات الذين يضيق بهم الحال ويلتحقوا بالنظام ولا ينطبق عليهم هذا الوصف دون أن يأسف عليهم أسيف، وقد تابعت قبل أيام شخصاً من أبناء جبال النوبة ظهر في البرنامج الذي يقدمه أحمد البلال الطيب قال أنه حضر من أمريكا ليلحق بالحوار الوطني بعد أن كان يعارض النظام دون أن يأبه به أحد.

 

  • ·     يكفي حسن هذا الضرر الذي تسبب فيه، فهناك كثيرون في النظام يقومون عنه بواجب السخرية والإستهزاء بالمعارضة، وخير له أن يلتفت لتصريف أعمال الحكم المحلي بولاية الخرطوم، عسى أن ينصلح النظام على يديه، فما يقول به عن رفاق الأمس يقع في نطاق العيب الذي لا يجوز.

 

 

saifuldawlah@hotmail.com